استنساخ تلك التجربة في الشمال السوري

أحمد رحال

تكرّرت حوادث عدة في شمال غرب سورية، أو ما يُعرف بـ”المناطق المحرّرة” لم تكن محض مصادفة. كانت البداية مع “غزوة” أبو محمد الجولاني مدينة عفرين تحت ذرائع مختلفة، منها حماية الشمال من اللصوص والعصابات، رغم أن من ساندهم ودعمهم عسكرياً كان إعلام هيئة تحرير الشام التابع له يصفهم بأنهم خارجون عن القانون وقطّاع طرق، لكن ردّة فعل الحاضنة الشعبية، ورفضها المطلق وجود تنظيم الهيئة في مناطق غصن الزيتون، وخصوصاً عفرين، أفسد المهمة وأحبطها، خصوصاً بعد تدخل الجيش التركي الذي أعاد معظم الأمور إلى نصابها، وأجبر الكتلة الرئيسية من قوات الجولاني على الانسحاب من مدينة عفرين ومحيطها. وأكّد بعضهم أن تلك الخطوة كانت ضمن سلسلة إجراءات تصبغ “السواد” على الشمال مبرّراً لتسليمه لنظام الأسد.

لم تكد نار الاشتباكات البينية تهدأ في مناطق الشمال الغربي من سورية، وهي التي توقفت حروبها مع النظام بموجب تفاهمات وتوافقات روسية – تركية نجمت عن مسار أستانة، حتى تداولت الصفحات خبر وصول قائد اللواء الثامن، أحمد العودة، إلى إسطنبول لعقد اجتماعات ولقاءات وصفها لضيوفه بالمهمة والمفصلية، طالباً السرية فيها. واللواء الثامن وقائده أجزاء من تشكيل مليشياوي يسمّى الفيلق الخامس ابتدعته روسيا ليكون ذراعها العسكري الذي ينسّق مع الاستخبارات العسكرية في جيش الأسد ومع قاعدة حميميم. وتقع على عاتقه مهمة تأمين استرجاع أجهزة نظام الأسد الجنوب السوري (سهل حوران والقنيطرة)، وبسط الأسد سلطته على ما أمكن من الجغرافيا السورية التي خسرها في الجنوب السوري، لصالح فصائل الجيش الحر، لكن زيارة العودة واجتماعاته تسرّبت بـ”الصوت والصورة” إلى السوريين، وتبين أن المشروع الذي طرحه العودة على من اجتمع بهم يستند إلى هواجس حاول تسويغها بوصفها إجراءات ملزمة بأن سورية قادمة على عملية تدويل وتقسيم، وأن الحفاظ على وحدة التراب السوري جغرافياً يتطلب القبول ببقاء ببشار الأسد بالسلطة منعاً للتقسيم. وعلى أهل الثورة بالشمال التضحية مقابل وحدة سورية، بمعنى أن عليهم القبول بتسليم مناطق الشمال الغربي لنظام الأسد، الشمال الغربي الذي يضم محافظة إدلب وأريافها وكامل أرياف حلب الغربية والشمالية والشرقية، مع ما تبقى من أرياف اللاذقية، والتي يعيش فيها قرابة الستة ملايين مقيم مهجّر ونازح.

فجأةً، يتسرّب خبر آخر عن اجتماع حصل بين أبو ماريا القحطاني، مندوباً عن زعيم هيئة تحرير الشام، الجولاني، وعضو مجلس الشعب السوري أحمد درويش في قرية أبو دالي الخاضعة لسيطرة نظام الأسد، وسبق أن تسرّبت أنباء عن اجتماع سابق للأشخاص أنفسهم، وفي المكان نفسه عام 2018، نجم عنه بليلة وضحاها سيطرة جيش النظام على كامل مناطق “شرقي السكة” في ريف إدلب، أو ما تعرف بمناطق جنوب أوتوستراد “الإم 5” التي تضم قرابة 400 قرية، لكن الاجتماع الجديد كان لغايات أخرى، تهدف إلى تأمين عبور مئات من مقاتلي الهيئة عبر مناطق النظام إلى الجنوب السوري بالتنسيق مع لواء أحمد العودة ولأسباب مجهولة. وقيل إنه في أثناء وجوده في إسطنبول، التقى مع ممثل الجولاني من أجل تنسيق عملية نقل عناصر الهيئة إلى الجنوب.

مع تزايد زخم التصريحات التركية بالمصالحة مع نظام الأسد سرّبت أقلام صحافية عن معلومات تؤكّد حصول اجتماع في معبر كسب الحدودي، التابع لنظام الأسد في الخامس من الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) بين شخصيات سياسية وعسكرية في المعارضة ونظام الأسد وبرعاية تركية – روسية، لتنسيق أمور تخص فتح الطريق الدولي (إم 4) وحركة المعابر البينية في الداخل السوري، لحق به خبر آخر نقله رئيس تحرير صحيفة Aydinlik التركية، مصطفى يوجال، خلال لقاء تلفزيوني جمعه مع رئيس حزب الوطن التركي، مؤكّداً أن رئيس الحكومة السورية المؤقتة، عبد الرحمن المصطفى، “يتزّعم” 12 فصيلاً، وقد اجتمع معهم في ولاية عنتاب التركية قبل أيام (بحسب قوله). وأبلغهم أنه حان الوقت للمصالحة مع النظام السوري، وطلب منهم أن يتهيّأوا للمرحلة الجديدة، مضيفاً أنه يجري، في الوقت الراهن، تجهيز الفصائل المسلحة على الأرض لهذه المرحلة.

قوبل كل ما سبق من أصحاب العلاقة بالنفي، لكن بعضهم تراجع عن نفيه، والإقرار بما حصل تحت ذرائع ومبرّرات مختلفة. وأصدر رئيس الحكومة المؤقتة، في هذا الخصوص، تصريحاً صحافياً يؤكد فبركة الصحافي التركي الخبر، وينفي ما ورد فيه جملة وتفصيلاً… وكثيرة حالات النفي التي حصلت سابقاً من شخصيات رسمية وأطراف يتبوأون مواقع مهمة في مؤسسات المعارضة السورية ووفودها. ومن ثم تبين أن تلك الأخبار حقيقية وليست مفبركة، خصوصاً في غياب أي جهة رقابية أو جهة تستطيع محاسبة المخلّين أو المبادرين لخطوات ليست في مصلحة الثورة وحاضنتها، لكن ما برز، أخيراً، من حوادث وصفقات واجتماعات متلاحقة تتفق جميعها أنها تصبّ في خانة تدجين الشمال، وتجهيزه لعودة مؤسسات النظام، وفق سيناريو مستنسخ تماماً عن سيناريو تسليم الجنوب السوري للنظام في عام 2018، وأن الجهود الحالية لبعض الأطراف التي تجتمع سرّاً منهمكة بالبحث عن تشكيل قوة عسكرية، قيل إنها ستكون لواء الشمال أو قوات الشمال التي ستناط بها مهمة في الشمال مشابهة تماماً لمهام اللواء الثامن في الجنوب، وتمارس مهامها بالتنسيق مع استخبارات الأسد العسكرية وقاعدة حميميم، على أن تكون القوة العسكرية تلك الجهة الرسمية الوحيدة التي يحقّ لها حمل السلاح خارج إطار الدولة بعد المصالحة مع نظام الأسد، وأن على من تبقى من مقاتلين تسليم سلاحهم فوراً، بخلاف واحدٍ عن تجربة الجنوب، أن مقاتليه امتلكوا خيار الرحيل إلى الشمال بعد رفضهم المصالحة مع الأسد، لكن الشمال، بوصفه آخر المحطّات الجغرافية السورية لم يعد لهم مكان آخر يمكنهم الرحيل إليه، وهم القادمون أصلاً من محافظات درعا ودمشق والغوطة والقلمون وحمص وحماه ودير الزور وحلب والساحل، رفضاً لمصالحات فُرضت عليهم في السابق.

كثيرة الطروحات التي باتت تروج في الشمال السوري من أجل قبول تلك الخطة التي يؤكّد مروّجوها عدم دخول مؤسسات النظام العسكرية والأمنية شمال غرب سورية، وأن جل من سيجرى إدخالهم هم أطقم الدولة الخدمية ومؤسساتها التي تشمل المياه والكهرباء وخدمات البريد والسجل المدني والعقاري وغيرها من خدماتٍ عادة ما تقدّمها الدولة للسكان في مناطق سيطرتها، وأن الجانب الروسي سيتحمّل مسؤولية الأمن في تلك المناطق، لكن العارف بحقيقة ما حصل في الجنوب السوري يدرك أن كل الوعود التي تُعطى للشمال ما هي إلا اجترار لتجربة الجنوب، وأن القوة العسكرية المراد تشكيلها في الشمال ما هي إلا عملية استنساخ لتجربة اللواء الثامن لأحمد العودة، وأن البدء بإدخال مؤسّسات النظام ستكون خطوة تتبعها خطواتٌ متلاحقة يجد في نهايتها الشمال نفسه مرّة أخرى عاد ليرزح تحت سلطات الأسد العسكرية والأمنية، وأن جيش النظام سيختلق الأسباب والذرائع لقضم المنطقة تدريجياً، وإعادة السيطرة عليها كما حصل ويحصل في أرياف درعا وسهل حوران منذ عام 2018. وستعيد أجهزة استخبارات الأسد تفعيل سياسة الاغتيالات وتصفية عناصر المصالحة التي جرت أحداثها في الجنوب السوري منذ عام 2018 ولم تتوقف حلقاتها، والتي حصدت أرواح مئاتٍ ممن يريد النظام التخلص منهم، لإدراكه وقناعته بأن هؤلاء لم ولن يقبلوا بعودة النظام، وأن دماء الثورة الرافضة حكم الأسد ما زالت تجري في عروقهم.

بات القلق والخوف والريبة في نفوس معظم المقيمين والنازحين والمهجّرين في الشمال السوري، وباتوا يتوجّسون خيفةً من اجتماعاتٍ ومؤامراتٍ تحاك سرّاً خلف الجدران، تكشف بعضها، لكن جلها ما زال حبيس الكتمان، وتجري كلها بغرض إخضاع ما تبقى من مناطق خارجة عن سيطرة الأسد وإعادتها إلى كنف النظام بعنوان روسي، وأن ما يجري الحديث عنه من تطبيق لقرار مجلس الأمن 2254 يتم لكن وفق قراءة الروس، وفق ما صرّح به أكثر من مرة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن تكون هناك حكومة وحدة وطنية تطعّم ببعض عناصر المعارضة الموافقة على الاندماج في حكومةٍ تسمّى حكومة وطنية، يستلم فيها المطبّعون حقائب وزارية هامشية، وتبقي بشار الأسد بالسلطة، ومن ثم دمج فصائل المعارضة بجيش النظام ومؤسّساته الأمنية.

أحداث الشمال والترتيبات التي تحصل سراً وعلانية، وكل ما سبق، تظهر مرة أخرى حاجة السوريين لقيادة سياسية وعسكرية جديدة، قيادة من رحم الحاضنة الثورية، تتبنّى مطالبها وتعيد للثورة سيرتها الأولى، قيادة تؤكّد التمسك بثوابت الثورة التي غابت عن معظم مفاصل القيادات الحالية التي ما زالت تتصدّر المشهد.

المصدر: العربي الجديد

قد يعجبك ايضا