ترامب بين سيزر وبوتين

بوتين وترامب خلال قمة هلسنكي في فنلتدا 16 تموز/يوليو الماضي/Getty

جسر: رأي:

بعد تعثّرٍ، ومن نافذة مشروع موازنة البنتاغون، عبر أخيراً قانون سيزر مجلس النواب الأمريكي، وصارت طريقه سالكة ليكون تحت تصرف ترامب. إلحاق القانون بالموازنة يفصح عن تأييده من قبل كتلة مؤثرة من النواب الجمهوريين والديموقراطيين، من دون المبالغة في قراءة تأييدهم، أو اعتباره دلالة على صحوة أمريكية إزاء معاناة السوريين. يُذكر أن قرابة أربع سنوات ونصف انقضت منذ استمع الكونغرس الأمريكي إلى شهادة المنشق عن الأسد “الملقَّب بسيزر”، ووُصفت الوثائق التي عُرضت على الكونغرس آنذاك بأنها الأفظع منذ معسكرات الإبادة النازية.

بوتين وترامب خلال قمة هلسنكي في فنلتدا 16 تموز/يوليو الماضي/Getty

بعيداً عن الأوهام التي تضخّم من شأن القانون الجديد، يعكس إقراره من قبل الكونغرس وجود توجه جمهوري وديموقراطي مناوئ للتمدد الروسي، وغير راضٍ عن سياسات أوباما وترامب التي سمحت به. لا يخرج الأمر أيضاً عن الغضب المشترك من التدخل الروسي الذي وصل إلى الانتخابات الرئاسية الماضية، رغم طي التحقيق في هذا الملف بخلاف القناعة الموجودة لدى نسبة كبيرة من النواب والجمهور الأمريكي.

قانون سيزر، في حال تطبيقه، لن يكون وسيلة ضغط مباشرة على بشار الأسد وزمرته لاعتبارات عديدة، في مقدمها أن هذا النوع من الطغاة لا يقيم وزناً للعقوبات الاقتصادية التي تنعكس سلباً على الشعب ما دام هو وحاشيته ينعمان بالرفاهية. أيضاً، وخاصة مع التدهور الاقتصادي الحاصل أصلاً، لا توجد صلات اقتصادية أو مالية مباشرة بين سلطة الأسد والغرب، وعليه فالقانون معدّ لمعاقبة الشركاء الأساسيين لها، وموسكو هي المتضرر الأكبر لأن طهران تخضع منفصلة لعقوبات أمريكية متصاعدة.

إن قراءة متفائلة للقانون تبيح لأصحابها الظن بأنه سيكون ذا تأثير كبير، لأن تطبيق نصوصه سيستهدف الكيانات الروسية المنخرطة في الحرب على السوريين، وبقليل من التدقيق لا يصعب اكتشاف أنها كيانات سياسية وعسكرية واقتصادية أساسية بحكم السيطرة الروسية الضخمة على سوريا. بعض العقوبات سيكون تأكيداً على عقوبات سابقة مفروضة على موسكو من الغرب، لصلتها بالملف الأوكراني، منها معاقبة كافة البنوك الروسية وحظر تصدير بعض التقنيات ذات الاستخدام المزدوج المدني والعسكري، لكن العقوبات المفروضة أصلاً على قطاع النفط قد تتصاعد، وكذلك فيما يخص الكيانات والأشخاص المرتبطين بالملف السوري ولم يكونوا خاضعين للعقوبات السابقة.

من جهتها، لم يتغير سلوك موسكو مع العقوبات الغربية التي تصاعدت منذ ضم شبه جزيرة القرم، رغم أثرها المتزايد وتدهور الاقتصاد الروسي، وبدء التململ بين الفئات المتضررة الأضعف اقتصادياً. إلا أن تشديد العقوبات لن يخلو من الأثر السلبي على الاقتصاد الروسي، وهذا ما لا يريده بوتين الذي صوّر تدخله في سوريا حتى الآن كمكسب مجاني تماماً، لأنه يحظى برضا وصمت الغرب أولاً، ولأن تكاليفه العسكرية محدودة جداً وتُصرف من ميزانية التدريبات الاعتيادية بحسب تصريحات مسؤولين روس.

تشديد العقوبات الأمريكية ينهي فترة السماح السابقة، ويوجه رسالة مفادها أن الرضا الأمريكي مشروط بتغيير السياسة الروسية في سوريا، وهذا يضع الانتصار الروسي السهل أمام تحديات لم تكن قائمة من قبل. وسيكون له تالياً تأثير مضاف على الكيانات الأخرى التي تتعامل مع الكيانات الروسية المشمولة بالعقوبات الجديدة، فكما نعلم “ضمن نظام مالي مصرفي معقّد تهيمن عليه أمريكا” تكون تداعيات العقوبات أوسع مما تبدو عليه للوهلة الأولى، ويتطلب الالتفاف عليها شركاء مستعدين للمخاطرة، وهؤلاء لا يكونون من العيار الذي يُعتدّ به. لقد رأينا من قبل كيف لم يسعف موسكو توسيع شراكاتها في اتجاه شرق آسيا أو أمريكا اللاتينية لتعويض أثر العقوبات، ورأينا الحالة ذاتها مع حكام طهران الذين تعايشوا زمناً أطول مع العقوبات والاحتيال عليها.

لا جديد في أن مثل هذه القوانين لا تُسنّ لأسباب إنسانية أو أخلاقية، أو ليست هذه الأسباب ضمن أولوياتها، وتنفيذها أو درجة تنفيذها يخضعان تالياً للاعتبارات السياسية. وصول القانون إلى السلطة التنفيذية يمنح الأخيرة هامشاً من المناورة في تطبيقه، الهامش الذي يبدأ بالتباطؤ “أو ما يشبه الإهمال المتعمد” في إعداد قاعدة البيانات المتعلقة بالكيانات السورية المشمولة به وشركائها الذين يُفترض أن تطالهم العقوبات، ومن ثم تقييم البيانات نفسها وتأويلاتها، لتأتي أخيراً القدرة على تعليق عقوبة تخص خاضعاً لها لمدة ستة أشهر، إذا رأت السلطة التنفيذية مبرراً لذلك.

ثمة مساحة فضفاضة لتأويل بعض بنود القانون، فإذا انتهت العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الروسية وقوات الأسد، وهي توشك على النهاية، لا يبقى للفقرات المتعلقة بالعقوبات جراء استخدام بعض الأسلحة من معنى، كذلك هو الحديث عن المناطق التي تحاصرها قوات الأسد، والتي لم يبقَ منها شيء عملياً. علماً بأن القانون يتيح للرئيس سلطة تعليقه كلياً أو جزئياً، ولا يتطلب التعليق الكلي المؤقت وفاء بكافة الالتزامات المنصوص عليها. يُضاف إلى ذلك أن مدة سريان القانون هي خمس سنوات، ولا تُعرف المدة المتبقية للوصول إلى حل في الملف السوري، والوضع الحالي مرشّح للاستمرار لزمن طويل إذا لم تحدث تغيرات دراماتيكية.

أحد التغيرات التي لا يُستبعد حدوثها أن يقرر ترامب مرة أخرى الانسحاب التام من سوريا، وهذا القرار وحده كفيل بتقويض أهمية قانون سيزر. سياسياً، سيكون الانسحاب بمثابة تخلٍّ مكشوف عن ورقة الضغط الوحيدة التي تعوق استعادة موسكو والأسد السيطرة على كافة الأراضي، وسيعطيها أرجحية أقوى من قبل لفرض تصورها للحل. واقتصادياً سيكون التخلي عن مناطق النفط والغاز بمثابة تعويض عن الضرر الاقتصادي الذي يحدثه القانون، حتى إذا كان الأخير يعاقب القطاع النفطي وشركاءه الخارجيين، لأن الملحّ في المرحلة المقبلة هو حل أزمة الأسد النفطية الداخلية لا الحصول على إيرادات من المتاجرة بالنفط والغاز.

مع وجود ترامب في السلطة، وتلهفه المعلن إلى علاقات دافئة مع بوتين، سيكون من المستحسن خفض سقف التوقعات، رغم أن صدور القانون في حد ذاته ذو بعد معنوي ومادي. علينا انتظار ما سيقع عليه اختيار ترامب، ولئن كان معجباً ضمناً بصورة “القيصر بوتين” فالقانون يخيّره “أو يختبره” بين الانحياز إلى قيصر أو إلى بوتين.

(المدن)

قد يعجبك ايضا