رحلة الحُلم.. “الكرانتي” سبيل العابرين الحالمين بالوصول إلى أوروبا

جسر – (خاص)

“طرادة”، “ريبري”، “بلم”، “كومندوس”، “نفرات”، وطرق يسلكها العابرون

في بلدة الخريطة غرب ديرالزور، الساعة الآن الرابعة فجراً، الهدوء يخيم على المكان، علامات الصباح لم تبدأ بعد بقرع أبواب منازل القرية الريفية، الشوارع خالية من المارة، السكينة المطلقة المغلفة بالضباب والتي تخيم على القرية، تقاطعها جلبة من داخل منزل أبو خليل وسط القرية.

بجانب شجرة التين التي تتوسط الساحة الأمامية للمنزل، يقف أبو خليل وزوجته، يضمان ولدهم صالح بحرارة وقبلات قد تكون الأخيرة، قبل أن تقله دراجة جارهم “أبو علي” إلى شاطئ نهر الفرات، ليبدأ رحلته في الهروب من سورية محاولاً تحقيق حلمه في الوصول إلى أوربا.

قرار صالح في الخروج، جاء بعد أن وصل لدرجة لم يعد يُطيق العيش في بلد تحكمه بنادق العسكر، لا عمل، العيش بأقل مقومات الحياة أصبح نوع من الترف، والأهم من ذلك سعيه لنيل درجة الماستر في القانون من جامعات أوربا الشهيرة.

من “الطرادة” إلى الجدار التركي

يتعمد أبو علي أثناء توجهه لنهر الفرات، السير في الطرق الفرعية للقرية، تجنباً لحواجز قوات النظام التي قد تدخله في تحقيق عن الوجهة وأسباب الخروج في هذا الوقت المبكر، والتي يكون الدافع منها في غالب الأحيان التمهيد لحصول عناصر الحاجز على الرشاوي “ثمن فطور للشباب”.

حذر أبو علي يزداد كل ما اقتربت الدراجة من نهر الفرات، ففي نهاية حي الكتف أقصى شمال القرية يطفئ مصباح الدراجة، لعدم لفت نظر نقاط النظام العسكرية المنتشرة على أطراف النهر، هذا الحذر ينتهي بمجرد وصوله إلى الماكينة الزراعية للبلد، حيث توجد طرادة ” زورق” خليف، التي ستقل صالح من مناطق سيطرة النظام غرب الفرات، إلى مناطق سيطرة “قسد” شرقه.

خيار صالح في الخروج من معابر التهريب على جانبي نهر الفرات، ناجم عن خوفه من العبور عبر المعابر التي تُشرف عليها قوات النظام، والتي قد تقوم باعتقاله لأي سبب، إضافة للمضايقات التي يمارسها العناصر في تلك النقاط على المدنيين.

هذه المعابر التي أنشئت منذ طرد تنظيم “داعش” من المنطقة نهاية 2017، أصبحت مصدر دخل لقوات النظام والمليشيات الموالية لها، من خلال فرضها لرسوم على العابرين من المدنيين والتجار والآليات، ويجني ثمار هذه الرسوم قادة الأجهزة الأمنية وقادة الميليشيات.

خليف الذي يستقبل الركاب بهمسات خافته، يكرر عبارته المعتادة “بلا صوت يا شباب ترى إذا انمسكنا نتبهدل”. ينتظر حتى يصل أخر زبائنه، ثم بسرعة خاطفة يخرج “الطرادة” من بين نبات الزّل الذي يخيم على جانب النهر، لينطلق بهم إلى الضفّة الأخرى.

تبادل التهاني بين الركاب بعد الوصول إلى الضفة الثانية، يقاطعه صوت “خليف” الحساب يا شباب، 5 آلاف ليرة عن كل شخص والأطفال مجاناً، والي بده يطلع تركيا السيارات موجودة عند أول بيوت الحوايج، توكلوا على الله”.

أثناء التوجه من دير الزور إلى الحدود السورية التركية، الشخص أمام خيارين، الأول الخروج بوسائل النقل العاملة بين تلك المناطق، وهذا خيار أغلب السكان عندما تكون الطرق مفتوحة بين مناطق “قسد” ومناطق سيطرة الجيش الوطني، والطريق الثاني عبر شبكات المهربين التي تسلك طرق صحراوية لنقل الركاب.

صالح اختار الخيار الثاني، بسبب الاشتباكات الحاصلة بين “قسد” و”الجيش الوطني” في محيط بلدة عين عيسى. الرحلة التي بدأت بانطلاق السيارة الساعة الثامنة صباحاً من قرية الحوايج، كانت خالية من المتاعب باستثناء الأشياء المعتادة من الوقوف على حواجز القوى المسيطرة، مثل تدقيق الأوراق الثبوتية وتفتيش الجوالات.

في السيارة التي تقل قرابة 6 أشخاص، هناك قواسم مشتركة تجمع هؤلاء، أولها دفع 100 ألف ليرة سورية للسائق ثمن التوصيل، الثاني الخوف الذي يتسلل إلى عقولهم من وجود حواجز للنظام يسمعون أنها تتحرك في مناطق “قسد”، أما القاسم الثالث البحث عن حياة أفضل.

دخول مدينة تل أبيض السورية، ينهي أول خطوات صالح نحو هدفه في الوصول لـ أوربا، ويعطيه فرصة للراحة ليوم أو يومين لترتيب المرحلة الثانية وهي دخول الأراضي التركية، التي تعتبر صعبة نوعاً ما خاصة في الأشهر الأخيرة.

واصل لإسطنبول

بعد يومين من الراحة، يخرج صالح إلى وسط مدينة تل أبيض، حيث يتواجد المهربين داخل المقاهي والمطاعم، للحصول على أتفاق مع أحدهم للعبور إلى داخل الأراضي التركية، في الغالب فأن هؤلاء المهربين من عناصر الجيش الوطني الموالي لتركيا، أو مدنيين من أبناء المنطقة دفعتهم الظروف الاقتصادية للعمل في التهريب.

في المقهى المجاور لدوار تل أبيض، التقى صالح بالمهرب أسامة، نصف ساعة من الحديث كانت كافية لعقد الاتفاق، 600 دولار يدفعها صالح لأسامة مقابل إدخاله إلى الأراضي التركية ثم نقله بسيارة إلى مدينة إسطنبول.

عبور الحدود التركية بات أمراً صعباً في السنوات الأخيرة، بسبب إنشاء الجانب التركي جدراناً إسمنتية على طول الحدود، ونشره كاميرات حرارية للمراقبة، كما تحمل هذه المحاولات خطراً جسيماً، بسبب إطلاق حرس الحدود التركي النار بشكل مباشر على كل من يحاول العبور، حيث سقط مئات القتلى خلال السنوات الماضية أثناء محاولتهم دخول الأراضي التركية بطريقة غير شرعية.

في اليوم المتفق عليه بين المهرب وصالح، ينطلق الجميع بسيارة إلى مدينة رأس العين مكان العبور، جميع زبائن المهرب أسامة من الشباب، فهو يرفض العمل مع العوائل التي لديها أطفال، لأنهم يحتاجون للمساعدة ويحدثون الكثير من الضوضاء التي تنبه حراس الحدود وتفشل عملية التهريب.

قبل 2 كم من الحدود ينزل الجميع من السيارة ويكملون الطريق إلى الجدار الفاصل سيراً على الأقدام، يستغل أسامة المسير ليعطي تعليماته:” شباب بس وصلنا بدون صوت، بسرعة أطلع السلم وبعد ما تقطع ركض بكل سرعتك باتجاه الأراضي الزراعية، السيارة راح تكون تنتظركم هناك في نقطة التحميل”.

بالقرب من الجدار ينتظر الجميع أن يُخيم الليل، وينصب أسامة السلم ويعطي إشارة الانطلاق، بشكل منتظم يصعدون الواحد تلو الآخر ثم يقفزون من الجدار إلى الأراضي التركية، صالح قفز بشكل خاطئ تاركاً ثقل جسده على قدميه، ما تسبب بإصابة، لكنه أستجمع قواه وانطلق راكضاً نحو الأراضي الزراعية، متناسياً الألم الذي يضرب قدمه اليسرى.

ما أن يصل الجميع النقطة المتفق عليها، حتى تصل سيارة “دولمش”، يقودها شاب تركي يعمل مع المهرب أسامة، مهمته نقل الركاب من الحدود إلى مدينة إسطنبول، مقابل حصوله على 100 دولار عن كل راكب، ويتجنب هؤلاء السائقين المرور في مناطق وجود الشرطة التركية وحواجزها، خوفاً من المسائلة القانونية، لنقلهم أشخاصاً لا يحملون أوراق إقامة في تركيا أو أذونات سفر.

الطريق الطويل إلى إسطنبول الذي يحتاج لـ 16 ساعة سفر متواصلة، يعطي الفرصة لصالح ورفاقه لأخذ قسط من الراحة، لكن الخوف والقلق يمنعهم رغم تطمينات الساق لهم بأن “كل شيء تمام”، لذلك يستغل صالح هذا الوقت بمراسلة أقاربه في إسطنبول للحصول على عنوانهم، ليكونوا مكان أقامته المؤقت قبل إكمال رحلته.

في ساحة أكسراي “نتنور”

أمام مطعم “أنس” قرب ساحة أكسراي، يقف صالح مع ثلاث شباب تعرف عليهم حديثاً، يريدون السفر إلى أوربا، يتبادلون الحديث عن قضايا التهريب، الأسعار، مخاطر الطريق، ويسرد كلاً منه أسماء أقاربه الذين تمكنوا مؤخراً في الوصول إلى هولندا وألمانيا وبلجيكا والنمسا، ويتجنبون ذكر تجارب السفر الفاشلة لأقارب آخرين خوفاً من الإحباط.

الحديث يستمر بانتظار وصول “أبو الحسن”، أحد الأفراد العاملين في مجموعة تهريب تدعى “الكرانتي”، هذه المجموعة لها شهرة واسعة في تركيا، بنتها عبر سنوات من عملها في التهريب من تركيا وإلى جميع أنحاء أوربا، حتى باتوا يعرفون بملوك الحدود، وهم جميعاً من أبناء محافظة دير الزور المقيمين في تركيا.

بعد وصول “أبو الحسن”، يجلس الجميع في المقهى المجاور لمحطة أكسراي، يشربون الشاي ويتبادلون الحديث، الجميع في أول جلسة مع المهرب يحبون أن “يتنوروا”، عن الطريق.. مسافة السير على الأقدام، وموعد نزول السيارات التي سوف تقلهم بعد الدخول في عمق الأراضي اليونانية باتجاه مدينة سالونيك، المقام الأول في اليونان لجميع الوافدين.

المجموعة كانت قد تواصلت مع أكثر من مهرب، لكن معرفة صالح بمجموعة “الكرانتي” كانت كفيلة بإقناعهم للاتفاق معها. يحدثهم “أبو الحسن” عن تفاصيل الرحلة والمعدات اللازمة من طعام وشراب وموعد الانطلاق وضرورة شراء أكياس النوم، لأن المسير على الأقدام سيكون لثلاثة أيام حتى الوصول لنقطة تحميل السيارات التي تُقلهم إلى مدينة سالونيك.

أسعار التهريب من تركيا إلى اليونان مختلفة، تتراوح بين 1500 يورو، و2000 يورو للطريق القصير الذي يتضمن السير لثلاث أيام ثم النقل بسيارات، أما الطريق الطويل تكلفته أقل تصل إلى 1000 يورو، وهذا الطريق يحتاج 12 يوماً من السير على الأقدام للوصول إلى مدينة سالونيك، لكن السير فقط في الليل، في ساعات النهار ينام عابروا هذا الطريق تجنباً لدوريات الشرطة اليونانية المنتشرة في مناطق العبور.

أجور المهربين لا يتم دفعها بشكل مباشر، بل يقوم الطرف الأول الراغب بالسفر، بوضع الأموال في مكاتب التحويل المالي باسم المهرب، ويمنح المكتب العميل شيفرة لا تخول المهرب سحب المبلغ إلا بموجبها، هذه الشيفرة التي يحتفظ فيها العميل ويمنحها للمهرب بعد الوصول لوجهته ليتمكن من سحب الأموال، ويتلقى المكتب مقابل هذه العملية مبلغ 100 يورو عن كل شخص.

يوم الانطلاق يجتمع أفراد الرحلة في المسجد المجاور لساحة أكسراي، يتفقد أبو الحسن وصديقه “أبو عبدو الحوت” المجموعة، ثم يتم وضعهم في سيارات سياحية لنقلهم إلى مدينة أدرنه التركية على الحدود اليونانية، هذه السيارات تكون غالباً ملك شركات سياحية تعمل مع المهربين، مقابل حصولها على مبلغ يتراوح بين 100 و150 يورو عن الشخص الواحد.

بعد الوصول إلى قرى أدرنه، يبدأ “الريبريه” عملهم، وهم شخصين أو ثلاثة مهمتهم نقل العملاء من الأراضي التركية حتى وصولهم لنقاط التحميل اليونانية ووضعهم في السيارات، التعليمات واضحة أهمها عدم إصدار الضوضاء والتحرك بسرعة لتجاوز الخط العسكري، أخطر نقاط هذه المرحلة.

على الشاطئ يراقب “الريبريه” الطريق، عند التأكد من أن كل شيء جاهز يتم سحب “البلم” (قارب مطاطي) إلى ضفة النهر، ويتم نقل أفراد المجموعة إلى الضفة الأخرى بمعدل 8 أشخاص في كل مرة، بعد اكتمال العبور، يجري الجميع لتجاوز الخط العسكري الذي تراقبه قوات الكوماندوس اليوناني والأوروبي. تجاوز هذا الطريق الممتد لقرابة 2كم مع الأوتوستراد المجاور له يعني نجاح الوصول إلى الوجهة بنسبة 70%.

يخاف الريبريه من الوقوع بيد قوات الكوماندوس اليوناني، فمجرد معرفة تلك القوات بوجود مهربين يتم ضربهم بطريقة وحشية قبل أن يتم اعتقالهم، وهم معرضون للسجن لسنوات بتهمة تهريب البشر، لذلك يؤكدون دائماً على زبائنهم: “في حال ألقي القبض علينا لا مهربين بيننا.. خرجنا كمجموعة دون أي مهرب”.

بعد عبور الخط العسكري تبدأ رحلة المشي ليلاً لثلاثة ليال، النوم فقط في ساعات النهار، حتى الوصول لنقطة تواجد السيارات، هناك يتم تحميل الواصلين تحضيراً لنقلهم إلى مدينة سالونيك. السيارات تتلقى أجور النقل من المهرب ويتم تحويل الأموال عبر مكاتب تحويل غير مرخصة ” تحويل بالأسود”.

أثناء الرحلة بالسيارة يمكن أن ترى الموت أمام عينيك.. 12 شاباً في سيارة مخصصة لخمس ركاب، سرعة جنونية وسط الجبال، والسائقين جميعهم من ألبانيا وكوسوفو وصربيا. السائق لا يتوقف مهما حصل حتى لو مات أحدهم مختنقاً. صالح كان خائفاً فقبل شهر انقلبت السيارة التي تقل أحد أقاربه في اليونان، ما تسبب بوفاة شابين وإصابة قريبه بكسور.

مطار وطرق برية

بعد الوصول إلى مدينة سالونيك، يختار كل شخص مكان للراحة، منهم من يذهب إلى الفنادق وآخرون إلى منازل حولت إلى سكن شبابي. صالح ورفاقه اختارو الإقامة في منزل “أبو سمية”، وهو شاب سوري حاصل على الإقامة اليونانية مع عائلته، أبو سمية يوفر إقامة للواصلين في منزله -الذي أعطي له من الحكومة اليونانية- مقابل الحصول على 20 يورو للشخص الواحد عن كل ليلة، وتشمل هذه الأجور النوم، إضافة للطعام والشراب.

في اليونان يملك الراغب في السفر ثلاث طرق، أولها التوجه إلى العاصمة أثينا أو الجزر اليونانية، ومحاولة السفر عبر المطار بعد الحصول على أوراق سفر أوربية مزورة يؤمنها المهرب للزبون، وهذه العملية تكلف 5000 يورو للشخص الواحد، ويتجه إلى هذا الطريق الأشخاص الذين لا يتحملون مخاطر الطريق البري، ويملكون مواصفات بالشكل قريبة لملامح الشعوب الأوربية من لون البشرة والشعر وغيرها.

الطريق الثاني، عبر البر من اليونان إلى ألبانيا ثم كوسوفو وصربيا وهنغاريا ثم النمسا وألمانيا، وتكلفة هذه الرحلة تصل إلى 5500 يورو للشخص الواحد، صالح ورفاقه مجبرين على سلوك هذا الطريق البري، فطرق التهريب البرية يتقاسم نفوذها طرفان. العرب يملكون الطريق البري من اليونان – ألبانيا – كوسوفو – صربيا، بينما يملك الأفغان والباكستانيون الطريق البري من اليونان – مقدونيا – الجبل الأسود – كرواتيا.

كل قوة من القوى المسيطرة تمنع الطرف الثاني وأبناء جلدته من العبور من مناطقها، ومن يحاول العبور يتعرض للضرب وسلبه ممتلكاته، وقد حصلت العديد من حالات القتل بين تلك الأطراف بسبب تلك المشاحنات.

في مدينة سالونيك، يتجنب الواصلون الجدد التنقل في المدينة إلا للضرورة القصوى، خوفاً من اعتقالهم من قِبل الشرطة اليونانية، التي قد تقوم بنقلهم إلى الحدود وطردهم باتجاه الأراضي التركية، أو تقوم بإجبارهم على التبصيم على طلبات لجوء في اليونان، ما يوقف رحلتهم هنا، فالكثير من دول الاتحاد الأوربي تعيد كل لاجئ يصل أراضيها ولديه بصمة لجوء في اليونان، ويتجنب اللاجئون اليونان بسبب الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه.

إلى بلغراد

المرحلة ثالثة للرحلة هي الوصول إلى العاصمة الصربية بلغراد، وتبدأ مع انطلاق السيارة التي تقل صالح إلى الحدود اليونانية الألبانية، الرحلة التي تستمر لمدة ساعتين ونصف انطلاقاً من مدينة سالونيك. يعتمد فيها المهربون على سائقين لم يتجاوزوا الثامنة عشر من العمر، لتجنب معاقبتهم في حال ألقي القبض عليهم من قِبل الشرطة اليونانية.

بعد الوصول للحدود ونيل استراحة تمدد طوال النهار، تنطلق المحاولات لعبور الحدود اليونانية الألبانية، مرحلة تجاوز الحدود وحتى عمق 20كم في الأراضي الألبانية تكون سيراً على الأقدام، بعدها يتم نقل الأفراد بسيارات مغلقة عبر طرق فرعية إلى العاصمة تيرانا، حيث يوضع الجميع في فنادق تنتشر على أطراف العاصمة، هذه الفنادق تستقبل النزلاء بدون أوراق ثبوتية وتكون غالباً متعاملة مع شبكات التهريب.

من تيرانا تنطلق السيارات مرة أخرى إلى الحدود مع دولة كوسوفو، ينزل الركاب منها قبل المعبر الحدودي، ليكملوا تجاوزه سيراً على الأقدام، عند العبور والدخول في أراضي كوسوفو يتم نقل العابرين بسيارات إلى عاصمة كوسوفو برشتينا.

يوم راحة في برشتينا، ثم الانطلاق إلى عاصمة صربيا بلغراد. في هذه المرحلة يسلك العابرون طريقين، الأول تجاوز الحدود سيراً على الأقدام والتوغل داخل الأراضي الصربية، ثم استخدام وسائل النقل للوصول إلى بلغراد، أو التوجه لعبور الحدود بالسيارات وصولاً للعاصمة الصربية وهي الطريقة الأسهل والأكثر رواجاً.

في الطريق من اليونان إلى ألبانيا وكوسوفو وصربيا، الخوف لدى العابرين ينحصر في إلقاء القبض عليهم من الشرطة، حيث يتم نقلهم وأعادتهم إلى الدولة التي عبروا منها، فمثلاً أذا ألقي القبض على أحدهم في صربيا يتم إعادته إلى كوسوفو، وتكون معاملة الشرطة جيدة في الغالب ونادراً ما يتعرض العابرون لعمليات الضرب والمضايقة من قبل حرس الحدود في تلك الدول.

بعد الوصول إلى بلغراد يتوجه العابرون إلى مخيم صُمبر على الحدود الصربية الهنغارية، وهو المحطة التي ينطلق منها المسافرون الحالمين بالوصول إلى دول أوربا الغربية.

مخيم “صمبر” مفترق طرق

يقع مخيم صمبر في شمال صربيا بالقرب من الحدود الهنغارية. المخيم أعدته الحكومة الصربية ليكون مأوى للعابرين من صربيا إلى دول أوربا الغربية، ويحوي مجموعة من الأبنية والخيام، وتقدم إدارة المخيم الطعام والشراب لنزلائه إضافة للطبابة، حيث يعتبره قاطنوه مجرد مكان مؤقت ريثما ينجحون في العبور إلى دول رومانيا وهنغاريا ومنها إلى النمسا وألمانيا.

من صربيا يوجد ثلاث خطوط تهريب، الأول من صربيا إلى رومانيا، ثم عبر الشاحنات يتم نقل العابرين داخل الأراضي الرومانية مروراً بهنغاريا إلى النمسا وألمانيا، وتكلفة الطريق 4000 آلاف يورو إلى النمسا و4500 إلى ألمانيا، لكن الكثير يتجنب عبور هذا الطريق في السابق تخوفاً من إجبارهم على تبصيم طلبات لجوء في رومانيا، لكن في الفترة الأخيرة لم تعد رومانيا تجبر العابرين الذين تمسكهم على توقيع أوراق اللجوء لديها، وتكتفي باعتقالهم ثم إعادتهم إلى صربيا.

الطريق الثاني من صربيا إلى هنغاريا وهو صعب لأنه يخضع لتشديد أمني من السلطات الهنغارية، ويتطلب من العابرين القفز من جدران الأسلاك الشائكة التي يصل ارتفاعها إلى أربع أمتار، أو عبور نهر الدانوب وفروعه سباحة أو عبر الزوارق المطاطية الصغيرة، وتكلفة هذا الطريق تتراوح بين 3500 يورو و5000 آلاف يورو.

الطريق الثالث من صربيا إلى كرواتيا ثم سلوفينيا والنمسا، وتكلفة الطريق تصل إلى 4000 يورو، ولا يرغب العابرون في المرور به، بسبب معاملة حرس الحدود الكرواتية السيئة وضربها لكل من تلقي القبض عليه، إضافة لصعوبة الطريق بسبب مروره بالغابات والجبال.

وجود مهربين لمجموعة الكرانتي في مخيم صمبر، أمن لصالح ورفاقه مكاناً للنوم داخل أحد المهاجع في المخيم، حيث سيكملون رحلتهم مع مهربي الكرانتي “أبو عويش” و “أبو وحيش”، إلى النمسا عبر طريق الشاحنات من رومانيا.

من تيمشوارا إلى فيينا

بعد توضيب حاجات السفر ينطلق “أبو عويش” و”أبو وحيش” مع “النفرات” -وهو مصطلح يطلقه المهربون على المسافرين- إلى نقطة السيارات غرب المخيم، والهدف الأول الوصول إلى الحدود الصربية الرومانية، لمحاولة اجتيازها، والوصول إلى عمق 40 كم داخل الأراضي الرومانية، حيث سيارات النقل الأولى.

السيارات الأولى تنقل المسافرين إلى الغابات المحيطة بمدينة تيمشوارا الرومانية، التي تعتبر محطة انطلاق الشاحنات إلى تقل المسافرين بشكل غير قانوني إلى النمسا وألمانيا، البقاء في الغابة بانتظار الشاحنات قد يأخذ وقتاً طويلاً. صالح ورفاقه اضطروا للبقاء في الغابة لمدة 8 أيام رغم البرد الشديد، وحاجيات الطعام والشراب يحضرها وكيل المهرب الرئيسي إلى المسافرين كل ثلاث أيام أو عند الضرورة.

في رومانيا يبرز اسم “أبو إسماعيل الروماني”، وهو المسيطر على عمليات التهريب عبر رومانيا، وجميع الشاحنات تعمل لصالحه، وهو رجل أربعيني يتكلم اللغة الإنجليزية والرومانية والعربية.

عند وصول الشاحنات إلى نقطة التحميل، يتم فرز المسافرين كل إلى وجهته ألمانيا أو النمسا، ثم تقفل عليهم أبواب الشاحنة، لتبدأ رحلة تستمر لأكثر من يوم، خاصة أن سائقي الشاحنات يتوقفون لاستراحات النوم مع تجاوز حدود كل بلد، وهذا يعرض الركاب للخطر خاصة في فصل الصيف، ففي الصيف الماضي أقدم ركاب شاحنتين على تمزيق جدرانها والخروج في العاصمة الرومانية، بعد توقفها لساعات واختناق أطفال داخلها نتيجة الحر الشديد.

الشاحنات تنتهي مهمتها في النمسا عند إنزال المسافرين على مقربة من العاصمة فيينا، بينما يتم إفراغ المسافرين إلى ألمانيا بالقرب من مدينة ميونخ الألمانية، وعلى جميع المسافرين مهما كانت وجهتهم الاعتماد على أنفسهم لتامين أماكن إقامة، في حال كان هدفهم المواصلة إلى دول ثانية، أو تسليم أنفسهم للسلطات النمساوية أو الألمانية لتقديم طلبات اللجوء.

صالح الذي وصل العاصمة فيينا، تمكن من إيجاد سكن شبابي للإقامة به، قبل استكمال رحلته إلى هولندا هدفه الأول.

لا تخف أنت بأمان

يوم راحة وحيد تمكن خلاله صالح من الحصول على حوالة مالية مرسلة من أهله، والحصول على رقم سائق سيارة يعمل على نقل المسافرين من فيينا إلى هولندا، الاتفاق قضى بدفع صالح مبلغ 700 يورو أجر الرحلة.

“أبو تميم الدرعاوي” سائق السيارة التي انطلقت في الساعة الحادية عشر ليلاً، قال لصالح والركاب الثلاث الذين معه:”لا تخافوا وخليكم طبيعيين أنتم بأمان ما راح تطلع عليكم الشمس إلا بهولندا”.

مع وصول صالح إلى مدينة آيندهوفن الهولندية، توجه إلى قسم الشرطة متتبعاً تعليمات قريبه الذي يعيش هنا منذ 4 سنوات، ليخبرهم بأنه سوري ويريد تقديم طلب لجوء في هولندا، في قسم الشرطة تم منحه كرت قطار وخريطة للتوجه إلى كامب “تيرابل”، لتبدأ مرحلة جديدة لصالح بعد أن حقق أول خطوة في حلمه وهي الوصول إلى هولندا.

يـُتـبـع..

محمد حسان

قد يعجبك ايضا