“معاوية دمشق” الشخص الثاني في سوريا بعد الأسد

تمكن اللواء علي مملوك أخيراً من التفرّد في الساحة الأمنية السورية، والإطاحة بكل منافسيه ومصارعيه، وأبرزهم مدير إدارة المخابرات الجوية، اللواء جميل حسن، وإحالة منصبه لمعاونه اللواء غسان اسماعيل، والذي يعد جندياً من جنود مملوك، وذلك بإيعاز وإشراف روسي.

يحضرُ اسمه وتغيبُ صورته عن وسائل الإعلام وحديث السياسة في سوريا، لكنه شكل طيلة أعوام علامة فارقة في «القرارات المصيرية»، ومستشاراً أولاً لرأس النظام في سوريا، وشعرة «معاوية» التي بقيت متصلة مع كثير من الخطوط الأمنية العربية والأجنبية، والعميل السري الذي يخشى أبناء سوريا لفظ اسمه، ويكتفون بالإشارة إليه بأصابعهم، أو بأحسن الأحوال يقولون عنه «المعلّم أبو أيهم»، ولشدّة دهائه وحنكته السياسية، عُرف في الأوساط الأمنية باسم «معاوية دمشق»، فمن هو هذا الرجل الغامض؟

 

كيف صار رقماً صعباً؟

ينحدرُ اللواء علي مملوك من عائلة دمشقية، وهو من مواليد ساروجة 1964، إذ تعود جذور عائلته إلى «أحمد باشا المملوك قبل مئة عام، والمدفون في مقابر عائلة المملوك بمنطقة الدحداح بدمشق.

كان ضابطاً رفيعاً في عهد الأسد الأب، وهو ابن «المخابرات الجوية» المُدلل، قبل أن يستلم «أمن الدولة» في مطلع عهد الأسد الابن بين العام 2005 وحتى العام 2012، وبدأ يلمع نجمه في تلك الفترة، إلى أن عيّن في أبرز وأكثر مناصب الدولة حساسية، وصار رئيساً لمكتب «الأمن الوطني»، خلفاً لـ هشام بختيار، الذي قتل في تفجير «خلية الأزمة» في العام 2012 بدمشق.

استغلّ النظام الحاكم في سوريا خلفية مملوك الدمشقية ليعتمد عليه أيضاً في المفاوضات والاتصالات مع مشايخ دمشق وكبار عوائلها، ونجح في الوصول إلى رجال الأعمال الدمشقيين، وإقناعهم بالتعاون مع الدولة مقابل حفظ مصالحهم، واستجرّ أخيراً رجل الأعمال المثير للجدل، سامر فوز، و«أنقذه» من جرم القتل المُدان به في تركيا، وأوصله إلى «برّ الأمان» في دمشق.

وتنسب خطة «تسليح الثورة» إلى مملوك، ونال سمعة طيبة إثر نجاح عدة «أفكار اقترحها» نهاية العام 2011، منها «قتل الثورة في حمص» من خلال نشر مئات قطع السلاح بين الموالين والمعارضين، وهو عرّاب التواصل مع الأكراد شمال شرق سوريا، ومع مصر وتركيا والسعودية وقطر، إذ بقي خطه متّصلاً مع كل الأطراف طيلة سنوات الحرب، رغم كل العقوبات الاقتصادية والأمنية المفروضة عليه، وحظر السفر إلى الدول الأوروبية.

«مرسال المراسيل»

لا أحد يعلم أين علي مملوك في هذه اللحظة، هل هو في مكتبه بمنطقة المزة فيلات غربية، أو في منزله الأول في قرى الأسد، أو منزله الثاني في كفرسوسة، أو ربما في منزل ثالث.

وقد لا يكون مملوك في سوريا أصلاً، فقد عُرف بـ «نشاطه» وكثرة حركته، إذ أرسل عدة مرات إلى القامشلي من أجل التفاوض مع الأكراد في عدة أمور، كان آخرها رحلته إلى هناك قبل شهرين، إذ تؤكد مصادر موقع الحل أن اجتماعاً استمرّ طيلة ست ساعات، جرى في حرم مطار القامشلي، وحضره مسؤولون سوريون على رأسهم علي مملوك، وعدد من الشخصيات الكردية، وجرت مفاوضات تتعلق بقطاع الطاقة، وإمكانية توريد مشتقات نفطية إلى دمشق، مقابل تجديد جوازات سفر لعدد من المطلوبين الأكراد، وإعطاء تأجيل قدره 6 أشهر لقائمة مؤلفة من 300 اسم كردي، وتسهيل إجراءات إدارية في دمشق، بالإضافة إلى ضمانات سورية بعدم هجوم الأتراك على مناطق كردية جديدة، ووعود مستقبلية بصلاحيات سياسية كردية أوسع.

وحمل حينها مملوك كل الطلبات الكردية للدراسة في دمشق، ولم يُعلم إذا ما تمت الموافقة على المطالب التي وصفت دمشق بعضها بأن «واشنطن من وضع هذه الشروط».

كما نشطت طائرته الخاصة برحلاتها إلى القاهرة، ولقائه هناك عدداً من رؤساء الاستخبارات المصرية، الأمر الذي سرّبته بعض الصحف اللبنانية، ولم تنفه السلطات السورية، إذ التقى مملوك رئيسَ جهاز المخابرات العامة المصري، اللواء عباس كامل، في مقر الجهاز بمنطقة كوبري القبة في القاهرة.

وأعلن الجهاز لاحقاً، في بيان مقتضب، عن اللقاء، قائلا إنهما «بحثا مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك القضايا السياسية والأمنية وجهود مكافحة الإرهاب».

ولا أحد يعلم ما إذا بات علي مملوك لعدة أيام في قطر، ثم السعودية، قبل حوالي ستة أشهر.

إذ علم موقع الحل من مصادره في دمشق أن «مملوك حينها كان يفاوض ويحاول معرفة أفضل شروط التفاوض، واستقرّ الأمر على الاتكاء على الجناح السعودي»، ونجحت المفاوضات في فتح أبواب السفارة الإماراتية في دمشق، قبل أن تعود لتتعثر وتعود إلى المربع الأول.

وكانت المفاوضات حينها تشمل أن يختار النظام السوري بين أحد محورين، إما السعودية ويشمل حينها مصر والإمارات والبحرين، أو قطر ويشمل حينها إيران وتركيا.

ويعد مملوك مرسال دمشق الأول إلى طهران، إذ يكون سباقاً قبل أي زيارة للأسد أو مسؤوليه إلى هناك، كما يعتبرُه البعض «عميلاً مزدوجاً» بين دمشق وطهران، إذ لا تزال التهم تحول حول «تسهيل المصالح الإيرانية» في سوريا.

وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر موقع الحل أن «مملوك» يملك جواز سفر دبلوماسي مزوّر باسم آخر، جرى وسافر فيه عدة مرات إلى دول أوروبية بينها إيطاليا.

 

«الزيارة المعجزة»

كشفت صحيفة الحياة المقرّبة من الرياض في العام 2015 عن الزيارة التي قام بها علي مملوك إلى السعودية، حيث حطّت طائرته الخاصة في مدينة جدّة، والتقى مع وزير الدفاع السعودي حينها، الأمير محمد بن سلمان، ووصفت الزيارة بـ «المعجزة».

وجرى اللقاء بحسب الصحيفة بعد ثلاثة أسابيع من لقاء الرئيس الروسي، فلاديمر بوتين، مع وزير الدفاع السعودي ذاته، وبدا اللقاء السوري السعودي، نتاجاً للقاء موسكو الرياض، واتفاقهما حول الملف السوري.

وقدمت السعودية حينها مبادرة ربطت فيها مصير الأسد بعملية سياسية شاملة في سوريا، مقابل إيقاف دعم المعارضة المسلحة، شرط إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، وبإشرف الأمم المتحدة.

وقدمت السعودية عرضاً آخر مرتبطاً بعلاقة الأسد مع طهران، ووعدت حينها بإعادة إعمار سوريا و«إغداقها بالأموال» شرط التخلي عن إيران بشكل كامل، وجوبه العرضان السعوديان برفض من نظام الأسد.

وبرزت قوة مملوك أكثر فأكثر، بعد لقاءات عدة أجراها مع مسؤولين أمنيين في الأردن في العام ذاته 2015، كما زار عواصم عربية أخرى، مثل العاصمة العمانية مسقط، والتقى هناك عدداً من المسؤولين الخليجيين البحرينيين والإماراتيين.

 

موكب مملوك

تنقلُ الدائرة المقرّبة من مملوك أن موكبه غير الرسمي مؤلف من سيارتين فقط، ويسلك كلّ مرة طريقاً مغايراً عن الطريق الذي سلكه في المرة السابقة، ويحاول ألا يلفت الأنظار إلى سياراته ومرافقته.

كما يحرص أبو أيهم على سلامته الشخصية من خلال تخصيص طباخ خاص له، ويُرسل مرافقه الخاص لشراء حاجيات المنزل.

ويبات اللواء مملوك في مكتبه بالمزة فيلات لأيام متتالية، وقد تصل إلى شهر كامل، لينزل من مناوباته المتواصلة إلى منزله مدة لا تزيد عن 48 ساعة، وينقل أحد الجنود الذي كان يخدم ضمن مكان مكتب مملوك أن لمقر إقامته مدخلان اثنان، ولمقر عمله أربعة أبواب، ولا أحد يعرف من أي باب سيدخل أو يخرج.

ووضع مملوك حواجز اسمنتية في محيط مكتبه وأسلاك شائكة مزوّدة بالتيار الكهربائي، كما تمنع الحواجز الموجودة هناك أي شخص من التوقف ولو لثوان، سواء كان ماشياً أو راكباً بسيارته.

 

علاقاته الداخلية

رغم قربه شخصياً من الأسد، إلا أنه ليس قريباً من دائرته المقربة، فقد شاعت خلافاته الدائمة مع رئيسة المكتب الصحفي في رئاسة الجمهورية، لونا الشبل، إذ يشتكي مملوك تدخل الشبل في كثير من شؤون ومفاصل الدولة، لا سيما تلك الأمنية.

كما يُعرف مملوك بـ «عشقه للنساء»، وعلاقاته الغرامية المتعددة، والتي تأخذ وقتاً منه على حساب عمله وعائلته، وتبدو عمليات التجميل واضحة في وجه وجبين مملوك، إذ غابت التجاعيد من فوق حاجبيه، ويُلحظ شدّ وجهه، ويقال إنه «يحاول الحفاظ على شبابه ويعتني بصحته بشكل جيد».

 

«شريك التجار»

ولا تشغله الأزمات الأمنية والسياسية عن متابعة تجارته الخاصة فقد عُرف مملوك بشراكاته مع التجار الكبار، مقابل تسهيل أمورهم اللوجستية والجمركية والأمنية أحياناً.

ونقل أحد المتعاملين مع مملوك لمراسلة موقع الحل في دمشق أن مملوك «يفك مشنوقاً أو يسّرح جندياً أو يعفيه من الخدمة الإلزامية، ويحصّل أي رخصة بتسعيرة موحدة تبدأ بأربعين مليون ليرة سورية، ولا يتدخل بقضايا أصغر أو أقل من ذلك».

كما يعرقل مملوك أي تجارة كبيرة حتى ينال نصيبه منها، حتى بات التجار الكبار يعتبرونه شريكا استراتيجياً، إذ يفضلون مشاركة مملوك على أن يشاركوا رامي مخلوف، لأن الأخير «يأخذ نسبة أكبر بكثير من النسبة التي يأخذها مملوك».

 

الرقم «2»

حظي اللواء علي مملوك بثقة الأسد منذ توليه سدّة الحكم، وتعاظمت مكانته لدى العائلة الحاكمة بعد عدة مناورات نفذها مملوك مع دول عربية وأجنبية، نجح خلالها بفتح قنوات استخباراتية، وعدّ مملوك ملفاً مؤلفاً من ستة آلاف ورقة، تتحدث عن الجهاديين الذين وصلوا إلى سوريا، ولوّح بإمكانية تقديم هذه المعلومات للدول الأوروبية، مقابل فتح سفاراتها في دمشق. وتمكن مملوك من إجراء عدة زيارات تحت مظلة ملف الجهاديين الأجانب المعتقلين في سوريا.

وتجاوز مملوك بعلاقته مع الأسد، كل الضباط والمقرّبين من رأس النظام حتى بات «الصندوق الأسود» لأسرار ومفاتيح نظام الحكم، ويعد «الآمر» في سوريا بعد الأسد.

ويُشرف مملوك حالياً على أوامر العمليات العسكرية الكبيرة، وعلى خزينة الدولة، ومكتب الأمن الوطني، بالإضافة للعلاقات الخارجية مع الدول الأوروبية والعربية.

ويبقى اللواء علي مملوك، الشخصية الأكثر غموضاً وجدلاً في سوريا، وصمّام أمان النظام مع أركانه، وبيت الأسرار الوفي للأسد وعائلته، لكن ذلك لا ينفي عنه صفة حبه للسلطة والتحكم والتعالي، والقمع والقسوة التي ظهرت خلال فترة تسلمه جهازي الاستخبارات الجوية وأمن الدولة، إذ ينسب إليه قرار فتح النيران على معتصمي ساعة حمص في مطلع الاحتجاجات، كما تحوم حوله الاتهامات في أوامر قصف الغوطة بالأسلحة الكيماوية، بالإضافة للتخطيط والتدبير لاغتيال عشرات الشخصيات داخل وخارج سوريا.

ولا أحد ينفي دهاء وذكاء الرجل الستيني، حتى شبّهوه بمعاوية بن أبي سفيان، لشدة دهائه وحنكته في القتال والسياسة، وبات لقب مملوك بين أوساطه «معاوية دمشق».

مستشاراً أولاً ونائباً للأسد

يستعد مملوك اليوم لمنصبه الجديد في القصر الرئاسي، كمستشار أول، ونائب للأسد، ليترك مكانه للواء ديب زيتون، كي يتولّى مهام الأمن الوطني في البلاد، وبذلك يتعاظم دور اللواء علي، ليغدو ملاصقاً لرأس الهرم، وقريباً من مركز اتخاذ القرار، لكن السؤال يبقى، هل سيتوقف طموح مملوك هنا؟!

المصدر: موقع الحل السوري

قد يعجبك ايضا