التشليح مورد تكسّب للشبيحة والعصابات المحلية والحواجز

خاص جسر..
عصر يوم السابع من أيلول حاصر أربعة رجال يبدو عليهم مظهر الشبيحة رجلاً في خمسينيات العمر في سوق الصالحية وسط العاصمة دمشق وقاموا “بتشليحه” وأخذوا ما في جيبه من أموال دون أن يكون قادراً على فعل أي شيء سوى الامتثال لطلبهم أو التعرض لعواقب وخيمة.
“التشليح” مصطلح عامي يعني السرقة تحت تهديد السلاح، وتعني تماماً سلب الضحية كل ما تملك حتى تبقى مجردة من كل شيء، مال وأوراق رسمية وهاتف نقال وكل ما بحوزته من أغراض وممتلكات. وهو منتشر منذ أشهر عديدة بشكل واضح على الطرقات العامة بين المحافظات وخاصة في ساعات الليل وبوسائل منظمة وعصابات مسلحة بشكل جيد. وانتشرت تجارة المواد المسلوبة في عديد المدن السورية سواء الخاضعة لسيطرة النظام أو الثوار، وتعد طرقات حمص تدمر وحمص – حلب والصحراء المحيطة بها من أهم مناطق تواجد عصابات التشليح المعروفة لدى جميع أهالي المنطقة، إلا أن انتشاره في وسط العاصمة دمشق يعد مؤشراً خطيراً على ما آل إليه الوضع الأمني في المدينة وزيادة سطوة عصابات الشبيحة على المواطنين.
الضحية في هذه الجريمة السابقة هو إبراهيم والذي يفضل مناداته بأبي خليل مع التأكيد على عدم كشف اسمه الحقيقي كاملاً أو حتى التقاط صورة له لأنه يسافر إلى دمشق بشكل دوري لمتابعة أوراق رسمية عائلية ولأهل مدينته، والخوف من أن كشف شخصيته يمكن أن يعرضه للاعتقال على حواجز النظام وبالتالي الهلاك.
أبو خليل ناولهم خمسين ألفاً أملاً في أن يتركوه فيما أسلحتهم موجهة إليه وأحدهم يقول له “وحق الإمام علي إذا منفتشك ومنلاقي عندك ليرة غير اليي عطيتنا ياهين لناخدك بتعرف وين”، فاستجمع الرجل قواه، قال لهم بهدوء: كيف سأعود لمدينتي وأنتم أخذتم كل ما أملك؟ فرق قلب الشبيح عليه وأعطاه 2000 ليرة لكي يعود لمدينته فوراً.
أبو خليل الذي تعرض للتشليح والسلب تحت تهديد السلاح في وسط العاصمة دمشق جهاراً نهاراً دون أن يتمكن حتى من الاستغاثة بأحد، لم يكن الضحية الوحيدة في شوارع العاصمة فعصابات الشبيحة تستهدف كثيراً من المارة في عمليات التشليح وخاصة في سوق الصالحية وساحة المرجة التي يتوافد إليها الكثير من أبناء المنطقة الشرقية، حيث تذكر أنباء عن تعرض الكثير منهم للتشليح على يد تلك العصابات منها رجل سلب منه الشبيحة وسط ساحة المرجة 700 ألف ليرة وأبقوا على حياته.
التشليح على الحواجز
لحواجز القوات النظامية واللجان الشعبية والشبيحة حكاية أخرى في التشليح، تشليح يأخذ شكل الأتاوة لمرور السيارات الخاصة والشاحنات وحافلات نقل الركاب ولكل منها تسعيرته الخاصة للمرور.
ووفق ركاب يسافرون بشكل دوري ويمرون من تلك الحواجز فإن كثيراً منها وخاصة حواجز اللجان الشعبية والشبيحة تفرض غرامات على الأوراق الرسمية الناقصة، فعلى الراكب أن يبرز للشبيح على الحاجز دفتر خدمة العلم ووثيقة تأدية الخدمة العسكرية والهوية الشخصية وجواز السفر إن كان مسافراً خارج البلاد، ونقصان أي منها يعني ألف ليرة سورية غرامة تذهب لجيب الشبيح.
وخير مثال عما سبق ما يذكره أبو محمد الذي قدم منذ عدة أسابيع براً من الخليج في حافلة ركاب، حيث تحدث عن التشليح الذي تقوم به بعض اللجان الشعبية في الطريق بين السويداء ودرعا، إلا أن أبا محمد أكد أن عناصر اللجان الشعبية ليسوا جميعاً بذات السوء فمنهم من يساعد الركاب ويدلهم على الاستراحات والمطاعم ويعاملهم باحترام، ومنهم من يشبح بطريقة بشعة.
ويروي كثير من الركاب عمليات التشليح التي تقوم بها حواجز القوات النظامية حيث تفرض أتاوة على كل راكب أو سيارة أو حافلة أو شاحنة تنقل الخضار أو أي مركبة تعبر من الحاجز وتتراوح بين ألف ليرة وعشرة آلاف ليرة وفق مزاج القائمين على الحواجز، وطبعا، هذا كله يحصل مع الأشخاص الذين يعبرون من تلك الحواجز وهم غير مطلوبين للجهات الأمنية، ولا ترد أسماؤهم في كشوف المطلوبين.
تشليح ذوي القربى
على طريق دير الزور تدمر وتحديداً عند منطقة هريبشة، بعيداً عن أي حاجز للجيش النظامي أو الحر تنتشر مجموعات تشليح على دراجات نارية تقوم بسلب المارة وسرقة السيارات الصغيرة من أصحابها تحت تهديد السلاح، وعلى طريق دير الزور – الحسكة بعيداً عن حواجز الجيش الحر تنتشر عصابات أخرى تقوم بتشليح السيارات المارة على الطريق.
وغالباً ما يكون اللصوص من سكان المنطقة أو القرى المحيطة بمنطقة نشاطهم وغالباً ما يكونون معروفين لدى السكان المحليين دون اتخاذ تدابير حقيقية اتجاههم من قبل كتائب الجيش الحر أو النظام على حد سواء، فالعامل العشائري والقبلي يطغى على أي اعتبار آخر.
ووفق مصادر مؤكدة، قتل شخصان بدم بارد بداية شهر أيلول وأصيب آخران بجروح وألقيت جثثهم في الصحراء على يد عصابة تشليح على طريق بئر نفط الملح في ريف دير الزور الشرقي (100 كم شرق دير الزور)، وسلب صهريج نقل النفط الذي كانوا قادمين لملئه من البئر، وحجة التشليح والقتل التي تعرضوا لها هي أنهم غرباء!.
فالغريب وفق التعريف المحلي في تلك المنطقة، هو كل شخص ليس من القرى المحيطة بالبئر، سواء كان من قرى بعيدة أو من مدينة دير الزور أو أي مدينة أخرى من المحافظة، أو من محافظة أخرى من سوريا، حتى أن حاجز “المشلحين” يوقف السيارة أو الشاحنة التي تمر في طريقهم ويسألونهم عن أصلهم وفصلهم ومكان سكنهم قبل اتخاذ القرار بالسلب والقتل أو السماح لهم بالمرور.
وأما ابن المنطقة فسيمر دون التعرض لأذى، يحميه عرف العشيرة وسلاحها المتوفر بغزارة، وأما الغريب فلا بأس من تشليحه بل حتى قتله في عرف العصابات المحلية المعروفة في المنطقة، دون الخوف من أي محاسبة، بل أن هنالك من يذهب إلى تبرير ذلك الفعل بأنه من حقهم أن يسطوا على الغريب.
انتشار التشليح ظاهرة مرعبة تجتاح المشهد السوري، وإن كان المواطن السوري تحت سطوة النظام في دمشق وبقية المناطق الخاضعة له، بلا حول ولا قوة أمام التشليح على يد الشبيحة وحواجز اللجان الشعبية والجيش، فإن ظاهرة التشليح التي تنتشر في المناطق الخاضعة للثوار تحتاج علاجاً مستعجلاً ولو كان اللص ابن عم أو من ذوي القربى!..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق