صراع السياسي والروائي  في رواية (ذاكرة العوسج والصبار) لإسماعيل خليل الحسن

إبراهيم العلوش

صدرت رواية ذاكرة العوسج والصبار، للكاتب اسماعيل خليل الحسن، عن دار نون4 في عام 2018م وقد تم الاحتفاء بها في الرقة، رغم الخراب والدمار، وأجواء اليأس والاستلاب، فكان صدور الرواية رمزاً لقدرة المثقف على الاستمرار ومعاندة الظروف، خاصة وأن الكاتب معتقل سياسي سابق، لم تثنه سنوات السجن الطويلة عن مساندة الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة ضد نظام الأسد الغاشم.

تبدأ الرواية بمشهد مؤثر وجوهري في المجتمع القبلي، حيث يتم تخيير البطل سالم بين حياة ابنه وحياة زوجته (العالية) التي تصارع في غرفة المخاض لتلد طفلها، يختار الزوج حبيبته (العالية)، ويرفض أبوه جدعان ذلك، ويجبره على اختيار الابن، حامل النسب والأسطورة القبلية، فيتحطم شيء كبير في نفس بطل الرواية، وتتغير الحياة أمامه وتفقد طعمها، بعد أن فقد زوجته وحبيبته (العالية).

ولكن الرواية سرعان ما ترجع بنا إلى سورية الخمسينات والستينات، قبل أن تتمكن مخابرات الأسد من الاعداد لتدمير سورية، وتتحدث عن الشام وعن السيرانات، والنقاشات السياسية بين النخب، فحتى الشيخ البدوي راسم لا يقبل تنبيه المخابرات له، بان سائقه جدعان يتعامل مع البعثيين، ويرد عليهم بأننا في بلد ديمقراطي ولا أقبل التدخل بمعتقدات سائقي جدعان.

وتعج الرواية بالشخصيات السياسية كخالد بكداش الذي يتهمه الصحفيون بأنه يلبس الثياب الثقيلة لانها تثلج في موسكو، ولا احد يصدقه بأنه مصاب بالرشح، ولذلك يلبس هذه الثياب، بالاضافة الى أعداد كبيرة من الصحفيين والتجار والسياسيين كفارس الخوري والحوراني ومحمد عمران والقوتلي وغيرهم الكثيرون ممن تسجل الرواية مرورهم على صفحاتها بلا هوادة.

يهرب سالم بن جدعان الهواش عن طريق بيروت الى ايطالية ويحاول الانتساب الى الحزب الشيوعي الايطالي بعد أن لقنه الاستاذ نادر مباديء الشيوعية في قريته الحدرة، وتشبع بها حتى ظن أن أهل حمص التي أتى منها الاستاذ نادر كلهم شيوعيون، وأعضاء في خلايا الحزب البكداشي، ولكن زيارته لحمص تبين له ان عائلة الاستاذ نادر شوقي هي الشيوعية البكداشية بين عدد محدود من الشيوعيين، فحمص تعج بالبشر من مختلف التوجهات الدينية والطائفية، وما الاتجاه الشيوعي الا خط واهن من مساحات عريضة للحياة.

جدعان يستمتع بخدمة الشيخ راسم ويعيش حياة البذخ والرفاهية ويدخل في العلاقات التي يمتلكها الشيخ القبلي راسم في المجتمع الدمشقي، وتستعرض الرواية الكثير من مشاهد الشام كما أسلفنا، ومن مشاهد العائلة البدوية التي تمتلك بيوتا في الشام وتتمتع بارقى العلاقات السياسية والاجتماعية التي اتاحها مجتمع الديمقراطية في الخمسينيات. وعن طريق زياراته مع الشيخ راسم يحب كوثر الدمشقية ويؤمن أكرم الحوراني واخته لقاءاته معها، بعد أن انتسب جدعان إلى حزب البعث.

الاستاذ نادر شوقي يعلم الاطفال القراءة والكتابة ويعلمهم التمرد والشيوعية، ويندمج في المجتمع القروي والبدوي في قرية الحدرة، الذي رمزت له الرواية بمجتمع العوسج، مقابل مجتمع الصبار الدمشقي، اذ يحب الاستاذ نادر الفتاة جازية التي يرفض أهلها تزويجها منه، ويبلغ التحصيل التعليمي أوجه عندما يسكر الطالب سالم عند استاذه، وتتهيج نقمته على أبيه جدعان الذي كان يرفض تزويجه من حبيبته (العالية) ابنة خاله، فبعد أن يشرب من العرق يعلن الابن تمرده الثوري الصريح على الأب:

  • (المشكلة هي أبي، أبي استغلالي، أبي طاغية..أبي عدو الشعب، يجب عرض أبي على محكمة ثورية.

استلقى نادر على قفاه من الضحك، ولكن سالماً رفع عيار السباب:

– أبي حقير..) ص43

ولعل هذا من أهم تشخيصات الرواية، وحكمها على جدعان الهزاع  خادم الشيخ راسم، وعضو فرع حزب البعث في حلب، وقاتل (العالية) زوجة ابنه.

ولكن دولة الوحدة ترسل فيما بعد أستاذا مصريا متدينا هو سيد المنياوي، حيث يتعاون مع شيخ الجامع، ويصفي التركة الشيوعية للأستاذ نادر شوقي، ومن بعده استاذ متدين من ادلب، ولا يبقى الا ويس وبعض المؤمنين بأفكار الشيوعية، معزولين عن المجتمع، وليتحولوا في عصر البعث الى مشبوهين بنظر المخابرات.

ومن المشاهد المؤثرة في الرواية مشهد المحاسب فواز العليوي وهو يقدم تقرير محاسبة الأراضي للشيخ راسم، والقسوة الشديدة التي يرد بها الشيخ راسم على تمرد جعفر الضبعان، وطريقة معاقبته المذلة، رغم ان الرواية لم تمهد لمشهد القسوة هذا من قبل، ولم تدخل في شخصية الشيخ راسم بشكل يقودنا الى هذه النتيجة غير المتوقعة، والتي تهيج الشعور البعثي عند جدعان الذي يكاد ان يخاطر بتسريب الخبر الى الصحافة عن طريق أكرم الحوراني.

ولكن الزمن الروائي يدور وتنقلب الأدوار في المجتمع وفي الرواية، ويصبح جدعان عضوا مهما في حزب البعث في حلب، ويستمتع باستملاك أراضي الشيخ راسم سيده، مع فواز العليوي وجعفر الضبعان، الذين يطلقون احقادهم تجاه الشيخ راسم، الذي كان شخصية مهمة في المجتمع المحلي، وفي المجتمع السوري اذ كان يتردد على فارس الخوري وخالد بكداش ورموز الدولة كلها تعرفه ناهيك عن الشخصيات الفنية السورية مثل نزار قباني وعبد السلام العجيلي، واللبنانية مثل صباح وفيروز،

والمطربة البدوية نزهة التي قد تكون المطربة الاردنية الشهيرة نزهت يونس وابنتها، ولكنها فرت من الشيخ بعد ابتزاز جدعان لها جنسيا، ومحاولة الشيخ راسم التقرب من ابنتها التي ما تزال في طور الطفولة.

وبعد ثورة البعث والتأميم، لم يبق لدى الشيخ من دخل ينفق به على نفسه، مما اضطره الى الاستعانة بابنه هايل الذي درس في بيروت ويعمل صحافيا، فرغم الخيرات التي اغدقها على جدعان، فانه تنكر لها وصادر أراضيه وأملاكه، رغم أنه زوجه من قريبته ماسة، التي قبلت بجدعان الخادم والسائق، والذي اطاحت به الشامية كوثر ورمته في الشارع بعدما ولعته بها، وبمركزها الاجتماعي، وبمركز ابيها الاقتصادي الذي كان من مرتبة شيخ كار في الحميدية.

في الرواية الكثير من المشاهد المحببة والمشوقة، وكادت صنعة الرواية ان تأخذ مداها لولا الهاجس السياسي الذي احتل اركانا كثيرة في الرواية، الى درجة حولها في بعض الأحيان الى منشور سياسي، وتعريف سياحي بالطوائف السورية، وهذا التعريف لم يمد الرواية الا ببروشورات سياحية، لا تقدم ولا تؤخر في سير الرواية، وكانت حملا ثقيلا على السرد الروائي، وقد احتلت هذه الاستعراضات الطائفية والتاريخية نصف الرواية تقريبا مما أضر بها كثيرا، رغم أن بعض الاحداث السياسية كانت تأتي على شكل محبب كسيرة حياة مدينة دمشق، وفترة الديمقراطية في الخمسينيات، وتفتح البلاد السورية على الحرية، لتنقلب فيما بعد الامور بشكل مفجع، فالشيوعي سالم بن جدعان صار مهرباً للآثار، ولم يوفر أهله وقريته من سرقة الآثار، فالمال صار هدفه الأهم، ووالده جدعان امتص البعث، مثلما كان يمتص خيرات الشيخ راسم، وجال اوروبا، وعمل  في مناصب عالية، وصار مرجعا لدى حكام البعث، ولكنه يدرك متأخرا الخراب الذي ألحقه بالشام، هو وزمرته المخابراتية، عندما يرجع الى دمشق إبان حكم البعث وعلو شعاراته:

(غالباً ما كان يمشي على غير هدى في أماكن ذكرياته القديمة في دمشق، لكن ليس بالبذخ الذي عهده معارفه عندما كان بإمرة الشيخ راسم، خيل إليه أن دمشق تشيح بوجهها عنه كلما نظر في عينيها هي ليست دمشق التي أحبها وأحبته بألوان البروكار والأغباني وترصيع الخشب والنحاس، دمشق اليوم مجبرة على لبس الكاكي وتتدرب على المشية العسكرية، هي مجرد عريف في الحرس القومي، لقد اشتهى حبات من الصبار الباردة، فمن عجبه أن الصبار، رغم أشواكه، فيه ما يؤكل أما العوسج في الصحراءفلا يصلح حتى لرعي الغنم.) ص 111

ورغم قسوة هذا الحكم على بيئة العوسج وأهله، فان الكاتب كتب هذه الرواية الجميلة، وهو من أبناء هذه البيئة، ورواية ذاكرة العوسج والصبار هي باكورة كاتبها اسماعيل خليل الحسن، وتاريخ كتابتها في أواخر العام 2009، وهو أول من أصدر رواية جديدة في الرقة، بعد عام اندلاع الثورة 2011 وبعد أن صمت كتاب الرقة وأجّلوا مشاريعهم، بانتظار زوال هذا الخراب الذي لن ينتهي قريبا كما يبدو، لكن اطلالة الكاتب وروايته من الرقة نفسها، تعتبر بشارة خير وبداية عودة الروح الى الرقة، والى مثقفيها الذين مزقتهم ويلات الحرب والتهجير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق