آل الجربا وحلم الإمارة المستحيلة

ريهام منصور/ نقلاً عن المدن
عندما سقط نظام صدام حسين في العام 2003، وتولى الشمّري غازي مشعل الياور، رئاسة العراق، عَبَرَ حميدي الدهام الهادي الحدود، لينفخ في نار حلم إمارة شمّر القديم. وظهر حميدي في لقاءات فضائية وقبلية، مقدماً نفسه كزعيم للعراق، وداعياً إلى سلطة عشائرية في سوريا والعراق بقيادته، بعد اسقاط نظام الأسد.

وأغاظ ذلك شمّر العراق، الذين يدينون بالمشيخة لآل عجيل الياور، فنبذوه. ولم تواصل الولايات المتحدة طريقها إلى دمشق لتسقط نظام الأسد كما تنبأ حميدي، فوقع في فخ الحسابات الخاطئة. فلا عشيرته في العراق احتضنته، ولا هو بقادر على العودة لعشيرته السورية بعدما ركب الموجة الأميركية. وعاش متجولاً بين إقليم كردستان ودول الخليج والأردن وايران، حتى تفجرت الثورة السورية، التي انعشت آماله مجدداً، فعاد على عجل إلى قرية اسلافه، تل علو.

آل الجربا

ينحدر آل الجربا، وزعيمهم حميدي الدهام، من قبيلة شمّر، وهي احدى قبائل الجزيرة العربية المعروفة. وَفَدَ الجزء الذي يتزعمونه من القبيلة إلى الجزيرة السورية مطلع القرن العشرين. وتزامن مجيئها مع انشاء اندادها من القبائل في الجزيرة العربية لإمارات وممالك مشيخية، أبرزها المملكة السعودية، والتي تمثل بالمعنى القبلي مملكة قبيلة عنزة، المنافس التاريخي لشمّر، والتي اسقطت امارة آل الرشيد، أو امارة شمّر في نجد.

وصار آل الجربا بعد سقوطها، شيوخ شمّر الفعليين في المشرق العربي بكامله. وقد عرفت سوريا والعراق، نشاطاً سياسياً مميزاً لشيوخ هذه القبيلة، تحت عنوان “العشائرية السياسية”، فقد انخرط عجيل الياور في ثورة 1920 في العراق، واحمد عجيل الياور في ثورة عبدالوهاب الشواف الفاشلة سنة 1959، وترأس غازي مشعل الياور عقب سقوط نظام صدام حسين. وأصبح أحمد الجربا رئيساً للائتلاف السوري في سنة 2013، فيما صار شيخ مشايخ شمّر حميدي الدهام الهادي رئيساً مشتركاً للإدارة الذاتية بشمال سوريا.

ليس آخر الحالمين

يظهر أحمد الجربا ببذلة رسمية وكرافات، لكن حميدي، الأكبر سناً لا يظهر إلا مرتدياً أعرق نسخة من الثياب البدوية التقليدية، ولا يتردد بإعلان طموحه بشكل مباشر: إمارة لشمّر تتزعمها أسرته، على طريقة مشيخات الجزيرة العربية.

بدأ حميدي الدهام بالظهور على الساحة السياسية السورية منذ تسعينيات القرن العشرين، عندما قام وبشكل مفاجئ بجمع عدد من شيوخ القبائل، التي تنتمي نسباً لآل البيت، وقيادتهم في رحلات متكررة إلى طهران.

وتقول مصادر قبلية مجاورة إنه بنى في تلك الفترة قصره الواسع في بلدة تل علو، من أموال كثيرة حصدها من إيران بطرق غير معروفة، ولأسباب غير مفهومة، حينها.

وسارت أموره على ما يرام، وبدأ يبزغ نجمه في ساحة “العشائرية السياسية” في سوريا على نحو متصاعد، وأصدر في التسعينيات مجلة محدودة التوزيع تدعى “الصناديد”، تعنى بشؤون الخيل العربية الأصيلة، وفق التصريح الرسمي لها، لكنها في الواقع كانت منبراً اعلامياً لعائلة الجربا وقبيلة شمّر. لكن خطأ حساباته بعد العام 2003، الذي اغضب نظام الأسد، قاده في رحلة تشرد طويلة، تنقل خلالها بين دول الخليج العربي، ليستقر به المقام اخيراً في قصر شمالي الأردن. ولم تعرف تفاصيل تحركاته في تلك الحقبة، لكن مطلعين على الشأن العشائري أشاروا إلى تنامي صلاته بـ”شمّر الشرقية” وهو الجزء العراقي من قبيلته، الذي اعتنق المذهب الشيعي.

الثورة السورية تنعش الحلم

عند قيام الثورة السورية عاد إلى محافظة الحسكة، واستقبله مسؤولون في نظام الأسد. ثم شكل بعض اقاربه فصيلاً من فصائل الجيش الحر، اسموه “أحرار الجزيرة”، قاتل قوات النظام، بمعزل عن حميدي وبعيداً عنه، رغم أن قائده عبدالرحمن نواف العاصي، من آل الجربا أيضا. وقد اختفى عبدالرحمن في ظروف غامضة، ويقال إن تنظيم “داعش” قد أعدمه.

أما حميدي فشكل فصيلاً يدعى “الصناديد” بعد سيطرة “وحدات حماية الشعب” الكردية على منطقة شمّر الأساسية في سوريا، وهي ناحية اليعربية، وكان على تفاهم مطلق مع تلك “الوحدات”، التي منحته حصة من آبار النفط لتمويل “جيشه”، الذي قال في مقابلة مع احدى الفضائيات يوماً إن عدده كبير، وأن “حرس الفيلا وحدهم يبلغون 3 آلاف رجل”. وقد موّل رواتب هذه القوة من حصته في 13 بئر نفط، تقع بين تل العرب “كر هوك” وعلي اغا وتل مشحن، وبلغت حصته فيها 20 بالمئة من انتاجها، إضافة لتوليه منصب الرئاسة المشتركة في الإدارة الذاتية، وهو أعلى منصب مدني في مناطق سيطرة الأكراد.

لكن حميدي سرعان ما راح يبدي ميلاً واضحاً لنظام الأسد وايران، بعدما تبنت السعودية ودول في الخليج منافسه في زعامة القبيلة أحمد عاصي الجربا، الذي عين رئيساً للائتلاف الوطني. ومع تشكيل احمد الجربا لقوته الخاصة المسماة بـ”النخبة”، وعملها إلى جانب قسد، بدأ الجفاء يتنامى، حتى وصل إلى حد القطيعة عندما أوقفت “قسد” مخصصات مليشيا “الصناديد”، وحرمت حميدي من حصته في آبار النفط. فتفرق شمل تلك القوة، وبدأت بالتلاشي، وانضم جزء كبير منها إلى أحمد الجربا، الذي دخل ميدان العمل في الجزيرة السورية بقوة، من خلال مشروعه “المنطقة الأمنية”.

بحثاً عن حل لمأزقه، توجه حميدي إلى العراق مرة أخرى، وزار بغداد، وتقول مصادر عشائرية إنه أحيا علاقاته الايرانية، وقدم تعهدات لقادة في “الحشد الشعبي” من خلال اقاربه النافذين في بغداد، ومهّد بذلك الطريق لذهابه إلى قاعدة حميميم الروسية أولاً، للحصول على ضماناتها أيضاً، ومنها انتقل إلى دمشق، حيث عقد اتفاقات مع الطرف الايراني ومخابرات الأسد، وعاد إلى مقره في تل علو ليعقد مؤتمراً صحافياً يرد فيه تعليقاً على تساؤل: “هل عاد إلى حضن الأسد؟” بالقول:” أنا لم اغادره اصلاً”.

من يغذي الحلم؟

لا أحد يعرف ما هي الالتزامات التي تم التوافق عليها في دمشق، لكن الأكيد ان حميدي لن يتخلى عن نزعته إلى السيادة على مكان ومنطقة، تتسع أو تتضاءل، وذلك ليس بمشكلة بالنسبة لشيخ قبيلة بدوي لا يؤمن بحدود ثابتة. وسواء خصص له نظام الأسد إمارة غير معترف بها، في قريته تل علو وما حولها، أم تم توسيعها لتشمل مناطق وقبائل أخرى، فأن هاجس “الإمارة الشمّرية” لن يتلاشى في المدى المنظور، إذ لا يقوم عليه حميدي فقط، بل يلاحقه ابن عمه أحمد، والأهم من ذلك أن “ظرفاً” ما في الاقليم يحفزه بشدة.

شارك المقال :

  • 0

  • Google +0
  • 0

شارك المقال :

  • 0

  • Google +0
  • 0

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق