كيف يُهرّبُ القاطرجي النفط عبر الفرات؟

محمد حسان/ نقلاً عن المدن

 

على الضفة الشرقية لنهر الفرات، بالقرب من بلدة الشحيل شرقي ديرالزور، يجلس أبو خلف ممسكاً بعود حطب قام بتدبيب رأسه بسكين ليصبح اشبه بالرمح. ينظر أبو خلف حوله بتمعن، وما أن يتأكد من خلو المنطقة من المتطفلين حتى يعود لاستكمال مجموعة من الخطوط يرسمها على الأرض بعود الحطب الرُمحي.

جلوس أبو خلف الحذر ينتهي مع وصول صهريج أبو صالح المملوء بالنفط الخام، ليبدأ العمل؛ ضخ النفط الخام عبر أنبوب يقطع النهر إلى الضفة الثانية، الخاضعة لسيطرة النظام.

انشغال أبو خلف بإفراغ الحمولة، يعطي أبو صالح، سائق الصهريج، قليلاً من الوقت لشرب الشاي، وغسل ثوبه الأبيض الذي تلطخ ببقع الزيت الأسود.

بعد أكثر من 45 دقيقة يوقف أبو خلف آلة الضخ، ايذاناً بانتهاء العملية، فيرتدي أبو صالح ثوبه الأبيض ويتجه بصهريجه إلى داخل الشحيل. أبو خلف، يعود لمراقبة المنطقة واستكمال رسم الخطوط برأس العود المدبب.

أنابيب وعّبارات

عمليات تهريب النفط بين مناطق سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” ومناطق النظام، ليست أمراً جديداً، لكنها تعيش حالة ازدهار منذ شهور. ويُنفّذُ عمليات التهريب مهربون محليون من أبناء المنطقة، تقتصر مهمتهم على نقل النفط بين ضفتي الفرات، مقابل أجور تدفعها الجهات المشرفة على تلك العمليات.

وتتركز معظم المعابر لتهريب النفط في ريف ديرالزور الشرقي، وأهمها مظلوم حطلة، ودرنج صبيخان، وذيبان الميادين، ومعبر الكشكية. ويعتبر معبر الشحيل بقرص، أهم نقاط التهريب وأكثرها غزارة من حيث كميات النفط المهرب، بسبب قربه من حقل العمر.

عمليات نقل النفط المهرب تتم بشكلين؛ خزانات كبيرة موضوعة على عّبارات تنتقل على جانبي النهر، أو عبر أنابيب مدّها المهربون عبر النهر يتم ضخ النفط عبرها بواسطة مضخات تعمل على الديزل.

وتتم تعبئة النفط الخام بعد وصوله إلى مناطق سيطرة النظام بصهاريج تنقله إلى مصفاة حمص أو بانياس، للتصفية والفرز، قبل طرحه في أسواق المناطق الخاضعة للنظام التي تعاني شحاً خطيراً بالمشتقات النفطية.

قاطرجي ورجاله

معظم شبكات تهريب النفط الخام شرقي ديرالزور، تعمل لصالح رجل الأعمال السوري وعضو مجلس الشعب حسام قاطرجي. ويتولى وكلاؤه المنتشرون في ديرالزور مهمة شراء النفط من التجار المحليين، بأسعار تتفاوت بين 25-28 دولاراً للبرميل الواحد، ثم نقله وتهريبه إلى مناطق النظام.

ويدفع الوكلاء لأصحاب المعابر المخصصة للتهريب مبلغ 1500 ليرة سورية (3 دولارات) عن كل برميل. مصدر خاص كشف لـ”المدن”، أن “الشخص الموكل بإدارة عمليات شراء النفط عن شركة القاطرجي في ديرالزور خليل حمدان العطيش، من أبناء بلدة بقرص فوقاني، كما يوجد محاسبون له يعملون في منزل ببلدة الشحيل، مهمتهم دفع ثمن النفط المنقول”.

تجارة قاطرجي ووكلائه، تتم بتسهيل من قادة “قوات سوريا الديموقراطية” وضباط من قوات النظام، مقابل حصص مالية. وتكتفي قوات “التحالف الدولي” بالمراقبة.

“المرصد السوري لحقوق الإنسان” كان قد أكد أن 16 ألف برميل يتم تهريبه يومياً، 90% منها من النفط الخام، والبقية من مشتقات متنوعة، أبرزها المازوت والبنزين والغاز.

آثار الازمة وموقف الأهالي

عمليات تهريب النفط ومشتقاته من مناطق سيطرة “قسد” إلى مناطق النظام، تسببت بارتفاع أسعاره شرقي الفرات بنسبة 40%، ما أثار سخط الأهالي الذين طالبوا بإيقاف عمليات التهريب.

وبلغ سعر برميل البنزين أكثر من 40 ألف ليرة بعدما كان لا يتجاوز 28 ألف ليرة، وبرميل المازوت وصل إلى 28 ألف ليرة.

في آذار/مارس خرجت مظاهرات في مناطق مختلفة منها بلدتي الكسرة وغرانيج، احتجاجاً على قلة المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها، وطالبت بوضع حد لعمليات التهريب التي تعتبر السبب الرئيسي للمشكلة.

أحمد من أبناء بلدة الكسرة، قال لـ”المدن”، إن الاحتجاجات ستستمر حتى استجابة المسؤولين لمطالب المحتجين، ووقف عمليات التهريب وتوفير المشتقات النفطية بأسعار تتناسب مع دخل الأهالي.

آثار أزمة تهريب النفط لم تقتصر فقط على قلة المشتقات النفطية وارتفاع أسعارها في مناطق “قسد”، بل تسببت عمليات التهريب بتلويث مياه النهر، نتيجة تسرب النفط. وتسبب ذلك بحالات تسمم نتيجة شرب الماء، كان آخرها نقل ثلاثة أطفال إلى مشفى الشحيل التخصصي. وأكد الطبيب المشرف على حالتهم، أن التسمم ناتج عن شربهم المياه الملوثة بالنفط.

كما يشكل تلوث التربة الزراعية وتخريب الطرق الإسفلتية غير المجهزة لمرور آليات بحمولات ضخمة، أضراراً إضافية تسببها عمليات تهريب النفط.

اقتصاد حرب

كبير المفاوضين سابقاً لدى “هيئة التفاوض السورية” محمد صبرا، قال لـ”المدن”، إن عمليات التهريب من مناطق “قسد” إلى مناطق النظام تتم بعلم التحالف الدولي، رغم أنها تخالف سياسته المعلنة بحصار النظام السوري اقتصادياً.

وأضاف صبرا: “حصيلة هذه العمليات تشكل مصدر تمويل مهم لقسد، ولذلك تغض قوات التحالف الطرف عن هذه العمليات، كنوع من تسهيل تمويلها، خاصة بعد رفض الرئيس الأميركي تقديم زيادة تمويل لها”.

وأكد صبرا: “التهريب الذي يحدث في هذه المنطقة هو شكل من أشكال اقتصاد الحرب الذي برع به النظام وإيران، ويبدو أن النظام يستلهم تجارب المليشيات العراقية ولا سيما بدر والمجلس الإسلامي وعصائب أهل الحق، التي تمارس التهريب أيضاً بين إيران والعراق وبين العراق وسوريا، وكذلك تجربة حزب الله اللبناني، الذي يمول جزءا كبيرا من احتياجاته عبر إدارة عمليات تهريب بين لبنان والعالم الخارجي”.

وتسأل صبرا “إذا كانت الولايات المتحدة جادة بحصار النظام وإيران وحلفائهما من المليشيات التي صنفت بعضاً منها كحركات إرهابية، فيفترض أن تقوم قوات التحالف بمنع تهريب النفط إلى مناطق النظام، وذلك حتى تثبت مصداقيتها”.

ابو خلف “الضحية”

لم تكتمل الخطوط التي يرسمها أبو خلف أثناء انتظاره لصهريج أبو صالح، وقد تختفي آثارها المتروكة على بقعة الأرض التي كان يجلس عليها دائماً.

في مطلع نيسان/أبريل، وأثناء مداهمة شكلية شنتها دورية لـ”قسد” على نقاط تهريب النفط في بلدة الشحيل، اعتقلت أبو خلف، ونقلته إلى سجن الأمن العام في مدينة الشدادي، بينما تُرِكَ وكلاء قاطرجي وعرابو عمليات التهريب ليستأنفوا أعمالهم بعد ساعات بشكل اعتيادي.

لا أحد يعرف ما الذي يفعله أبو خلف في سجنه. ربما نجح بتدبيب قطعة خشبية ما وشرع يرسم بها خطوطاً جديدة على أرض زنزانته الصلبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النص محمي !!
إغلاق