كيف حاولت الاستخبارات التركية اغتيال أوجلان في دمشق؟

بكر صدقي

(قراءة في كتاب مراد يتكين: “الفخ الكردي”)

كانت عملية فاشلة جديرة بهواة، لكنها ستأتي أكلها لاحقاً. هذا ما يمكن استخلاصه من السرد التفصيلي الذي جاء في كتاب يتكين.

في الخلفية السياسية لقرار الاغتيال، يورد يتكين الخلافات بين أركان السلطة في تركيا التي كانت في حالة من التنافس على استثمار الأمر سياسياً. فقد كانت رئيسة الوزراء تانسو تشيلر تريد حصر العملية في جهاز الأمن التابع لها لكي تقدمها كإنجاز شخصي لها على أمل استثماره في الانتخابات العامة الوشيكة. في حين أن من شأن إدخال رئاسة الأركان في العملية أن يحولها إلى إنجاز لقيادة الجيش ورئيس الجمهورية سليمان دميريل. لذلك فشل السياسيون في اتخاذ قرار الاغتيال، أواخر 1995، ليعود الموضوع إلى طاولة البحث، مجدداً، بعد أشهر قليلة، فيتولى العملية، تخطيطاً وتنفيذاً، جهاز الاستخبارات القومي mit.

“كانت الخطة بسيطة” يقول يتكين “تقوم على تفجير سيارة مفخخة بمتفجرات ذات قدرة عالية على التخريب، أمام أحد الأبنية التي يرتادها أوجلان في دمشق، فينهار البناء ويقتل الهدف بداخله”.

دخلت الخطة مرحلة التنفيذ في 15 نيسان 1996، بقرار تم التوافق عليه بين رئيس الجمهورية ورئيسة الوزراء ورئيس أركان الجيش معاً. وسميت بـ”عملية المرسيدس” نسبةً إلى السيارة العتيقة التي كان يستخدمها أحد عملاء الاستخبارات التركية في جولات الاستكشاف التي قام بها قبل العملية.

لكن الخطة لم تسر كما خطط لها. فقد رفض العميل المكلف القيام بالعمل المطلوب، حين تم إخباره بشأن العبوة. فتم تكليف عميل آخر، سوري الجنسية أيضاً، سيسجل فشلاً من نوع آخر.

اشترت الاستخبارات التركية سيارتي مازدا متماثلتين، من ذلك النوع المستخدم بكثرة على خطوط النقل الداخلي في المدن السورية (الميكروباص أو الصالون المغلق). أدخلت إحداهما إلى سوريا حيث تم تزويدها بلوحة مرورية سورية، ثم أعيد إدخالها إلى تركيا بعبور نظامي عبر الحدود، حيث تم استبدالها بالسيارة الثانية المزودة تحت أرضيتها بطن من المتفجرات، ومحملة ظاهرياً بشحنة من البطيخ، عبرت الحدود مجدداً إلى الأراضي السورية وتابعت طريقها، من دون عقبات، إلى دمشق.

كان على سائق المازدا أن يركنها أمام باب البناء الذي يتردد عليه أوجلان لإجراء اتصالاته اليومية، ثم يرخي براغي بابها الخلفي لتتجه قوة الانفجار نحو الهدف بصورة رئيسية. لكن السائق العميل الذي سيطر عليه الهلع ركنها على مسافة بعيدة، نسبياً، من بوابة المبنى، ولم يرخ البراغي كما في التعليمات التي تلقاها. وجرى تفجير العبوة عن بعد، لكنها لم تحقق شيئاً من هدفها.

كان ذلك في يوم السادس من أيار 1996، بعد تأكد مركز المراقبة من دخول أوجلان إلى المبنى. فقد كانت اتصالاته الفضائية مراقبة من قبل جهاز الاستخبارات التركي، بصورة دائمة.

لهذا التاريخ رمزية لم يفت يتكين الإشارة إليها. وإذا كان عندنا معروفاً باعتباره “عيد الشهداء” بالإحالة إلى تاريخ إعدام عبد الغني العريسي ورفاقه في العام 1916، فهو معروف في تركيا باعتباره تاريخ إعدام القائد اليساري الطلابي البارز دنيز غيزمش ورفاقه في العام 1972. المصدر الاستخباراتي الذي سأله مؤلف الكتاب عن المغزى من اختيار هذا اليوم بالذات لعملية اغتيال أوجلان، نفى أن يكون هناك أي تعمد في ذلك، مبرراً الأمر بـ”المصادفة البحتة”. لكن العارف بسوابق عناية الدولة التركية بالرمزيات التاريخية، سيعرف أنها ليست مصادفة على الإطلاق. يكفي للتدليل على ذلك النظر في توقيت إعدامات 1972 المذكورة بما يطابق تاريخ إعدامات جمال باشا السفاح في بيروت ودمشق.

العملية الفاشلة ستتحول، بواسطة الإيحاء غير المقصود، إلى قصة نجاح ستحصد الحكومة التركية نتائجها بعد عامين. صحيح أن أوجلان لم يقتل، واقتصرت الأضرار على بعض الدمار في واجهة المبنى وبقربه، لكن عالم الاستخبارات وحكومات الدول أخذت انطباعاً فحواه قدرة المخابرات التركية على اختراق القلعة الأمنية العصيّة لدولة حافظ أسد التي أقوى ما فيها أجهزة استخباراتها!

جهاز الاستخبارات الأسدي الذي تعرض لهذا الاختراق، فعلاً، راح يعتقل عدداً من المجموعات اليسارية التركية من تلك التي هرب أعضاؤها إلى سوريا بعد الانقلاب العسكري للعام 1980، بحثاً عن عملاء جهاز الاستخبارات التركي. وقد ظل بعض من هؤلاء في معتقلات النظام لسنوات عديدة من غير أن يثبت عليهم أي تورط في عملية التفجير، ولم تقبض على أي من العملاء الحقيقيين ممن شاركوا في العملية في جميع مراحلها.

ولكن، بالمقابل، تفرض نفسها المقارنة التالية بين المخابرات التركية والمخابرات الأسدية: فمقابل الفشل الهزلي للجهاز التركي في عملية الاغتيال المذكورة هنا، نجد “النجاح الباهر” للمخابرات السورية في الاغتيالات العديدة التي قامت بها في لبنان، بما في ذلك التفجير الضخم الذي أودى بحياة رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ومرافقيه في قلب بيروت، في 14 شباط 2005.

المهم أن قدرة المخابرات التركية على تنفيذ تفجير داخل العاصمة دمشق، قد خلقت انطباعاً لدى حكومات دول عديدة بقوة الجهاز التركي وإمكاناته الكبيرة. ومن بين من انطلى عليهم هذا الانطباع حافظ الأسد بالذات الذي سيتوقف، في خريف العام 1998، عن الكذب كلما سأله الأتراك عن أوجلان المقيم في دمشق، فيأخذ تهديدات سليمان دميريل بإشعال الحرب على محمل الجد، ويأمر بطرد أوجلان خارج الأراضي السورية، ويوافق، بعد ذلك، على جميع الشروط الأمنية التركية فيما عرف باسم “اتفاق أضنة”، كل ذلك بسبب عملية التفجير الفاشلة التي أثارت خوفه.

هكذا يكون الجهاز التركي قد حقق هدفاً كبيراً من حيث لم يقصد ذلك!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النص محمي !!
إغلاق