“أم يوسف” ضحية صامتة للعنف الزوجي وتنتظر “الحياة الآخرة” لتحصيل حقها

"لم يعد يناديني هند أصبح اسمي (الساية) أي المصيبة"

في زمن الحرب والثورة تغيب الكثير من القضايا والظواهر الخطيرة التي تهدد المجتمعات، نظراً لكونها لم تعد أولوية، فتطوى بصمت ليقبع ضحاياها في سكون وذل ويسلمون أنفسهم للزمن، أو لله، كأم يوسف وهي من محافظة درعا، التي قالت “سلمت نفسي لله، لا حول ولا قوة”.

رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على زواجها، ما زال الألم يقبع في صدر أم يوسف الستينية التي تقول “لم تشفع سنوات عمري الستين كي أحظى بمعاملة حسنة من زوجي او احترام او حتى اهتمام، تزوجت في سن مبكرة وبعد فترة بسيطة بدأ زوجي بتعنيفي سواء بكلامه أو تصرفاته، فلم يعد يناديني باسمي ولطالما ناداني بـ (الساية) أي المصيبة في اللهجة الدارجة لدى أهل درعا، وبألقاب اخرى تخطر على باله مما يثير سخرية اهله وقهقهتهم، وإن حاولت الاعتراض كان ينهال بالضرب علي مثبتاً لأهله أنه رجل العائلة، كيف لا وهو الوحيد بين اخواته!”.

تعمد زوج أم يوسف إلى إذلالها في كل المواقف حيث كان يقلل من شأنها أمام الجميع، فيبدأ بموجة من المسبات والشتائم ليتبعها بضربات مؤلمة مبرحة، لجأت إلى والديها في البداية لطلب الطلاق لكنها قوبلت بهجوم شديد منهما ومن أقاربها، قائلين “لا يجوز، نحن لا نسمح بوجود فتاة مطلقة في عائلتنا”، وحاولوا امتصاص غضبها مؤكدين أنه سيكون على ما يرام إذ أنه من أقاربهم.

تقول هند أم يوسف “توالى الضرب وتوالت الاهانات، ولكنني لم أعد ألجأ الى اهلي فاكتفيت بنفسي خاصة عندما أصبح لدي اطفال، آثرت الصبر على الكلام، ولكن ذلك لم يزده الا تعنتاً وعنفاً”.

تتابع “كان عندما يمرض أحد أطفالي ينعتني بالمهملة والمبذرة ويقول انت تريدي ان يذهب مالي إلى الاطباء وثمناً الأدوية، فيغادر البيت ويتركنا لفترة تتجاوز الاسبوع أحياناً، فألجأ لأمي للحصول على مال يكفي العلاج”.

“لا انسى ذلك الموقف عندما كنت امشط شعري وسقطت المرآة امامي فلم يكن منه الا أن قص لي شعري كله حتى بدوت بمنظر غير مقبول، وبالرغم من هذا كله كنت آمل أنه سيتغير، وسنكبر سوياً حيث سيكون السند لي يوماً من الأيام، لكن الآن بعد أن كبرنا، تلاشت آمالي وتبددت، فهو كما هو لم يتغير”.

كبر أطفال أم يوسف ليتزوجوا وينجبوا أطفالاً، فبدأت تشعر بالخجل من زوجات أولادها، وخاصة عندما تهان أو تتعرض للضرب لأتفه الأمور، فعند عودته من صلاة الفجر إن وجد أحد مصابيح المنزل ما زال مضاءاً، يقوم بضربها، واليوم بات أولاده يقفون حائلاً بينهما، إلأ أنهم لا يستطيعون ردعه، ولكنهم يخففون من الأذى الذي يطال والدتهم.

بعد أكثر من ثلاثين عاماً تصف أم يوسف الحال فتقول “له غرفته الخاصة فهو منفرد بطعامه وشرابه، يتناول طعامه بمفرده يجلب لنفسه مايشاء، أما أنا فيجلب لي الخبز فقط، بينما يحاول ابنائي بالرغم من ضعف وضعهم الاقتصادي، توفير بعض احتياجاتي من الطعام او بعض الدواء، وبحكم مرضي وهزال جسمي وسوء التغذية، التزمت ابنتي المهاجرة بمتطلبات علاجي والتي لا تنتهي، ولكن ذلك كله بتم بسرية تامة لانه لو علم بذلك لصب جام غضبه عليها، ومنعها من مساعدتي او إرسال اي مبلغ مالي”

لم تفكر يوماً واحداً أن تلجأ أم يوسف إلى قسم شرطة، أو جمعية تدعم المرأة، ففي مجتمعها الريفي المحافظ الادعاء على الزوج أمر غير مقبول اجتماعياً، كما أنها لن تحصل على الطلاق فأهلها يرفضون أن تحصل ابنتهم بعد كل هذه السنوات على لقب “مطلقة”.

تقول منهية حديثها “الحق دائماً على الزوجة، وهي غالباً ما تكون المخطئة، إن تكلمت سأكون خائنة للخبز وللحياة الزوجية، فأصبح ظالمة بعد أن كنت مظلومة، صمت وسكت وتحملت، إن لم أستطع تحصيل حقي في هذه الحياة ربما أجده في الحياة الآخرة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق