سهيل الحسن: نمر من ورق أم قطعة غيار؟

صبحي حديدي

لعلّ العميد سهيل الحسن (1970 ــ )، قائد ما يُسمّى بـ«قوّات النمر»، التي استمدت اسمها من لقب الحسن نفسه، بات اليوم الرجل الثالث في سلّم الحلقة الأضيق، العسكرية ـ الأمنية، التي تدير هيكلية النظام السوري؛ بعد بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، وقبل جميل حسن، مدير مخابرات القوى الجوية. وإلى جانب الفيلق الخامس، الذي أشرف الاحتلال الروسي على تشكيله مؤخراً ليكون قطباً موازياً للفرقة الرابعة والحرس الجمهوري في قلب ما تبقى من جيش النظام، وأسند قيادته إلى الحسن؛ تتولى موسكو تهيئة جيش ثانٍ مواز، تحت سلطة الحسن، هو «قوّة المهامّ الصعبة»، التي سوف يقارب عديدها 10 آلاف مقاتل، غالبيتهم الساحقة من أبناء الطائفة العلوية ومن العشائر المعروفة بولاء أقلّ للبيت الأسدي ورجالاته في قرى وبلدات ومدن الساحل السوري وسهل الغاب.
وهذه الوحدات التابعة للحسن تتلقى من الاحتلال الروسي دعماً لوجستياً خاصاً، تتقصد موسكو أن يكون مميزاً تماماً بالقياس إلى ما تتلقاه الوحدات في الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري؛ سواء لجهة المعدات العسكرية، أو الغذاء واللباس والمثوبات، فضلاً عن أفضلية ملحوظة في تأمين التنقل ومنح الإجازات، وهذه يُراد منها أيضاً بلوغ احتكاك أوسع مع المدنيين، وممارسة مقادير أعلى من الترويج والدعاية. وليس خافياً أنّ هذا التمييز لا يشكّل أنموذجاً مغرياً في حملات التجنيد والتطويع واجتذاب العناصر الشابة، خاصة في ضوء المعدلات العالية للعاطلين عن العمل في هذه المناطق، فحسب؛ بل يصنع، في الآن ذاته، نموذجاً مناقضاً للحال اللوجستية المتدنية التي تعيشها القطعات النظامية، بما فيها وحدات الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري التي اعتادت على معاملة أكثر ترفيهاً في الماضي.
والتقارير المتقاطعة، وبينها تلك التي تتمتع بمصداقية جلية، أشارت وتشير إلى صدامات مباشرة، دامية وشرسة، بين قوات ماهر الأسد وقوات النمر، قبيل ثمّ خلال جولات القتال الأخيرة في جنوب إدلب وغربها، وفي شمال محافظة حماة وسهل الغاب. وكان القتال يندلع أحياناً لأسباب ميدانية طفيفة، لكنه كان يتطور سريعاً إذْ يتغذى من الحساسيات المتعاظمة بين الأسد والحسن، على خلفية مساندة موسكو للثاني، وعزوفها عن التعاطي مع الأول؛ وكذلك على خلفية الإجراءات التي يضطر بشار الأسد إلى اتخاذها بناء على توصيات القيادة العسكرية الروسية في قاعدة حميميم، قرب مدينة جبلة، على الساحل السوري (مثل ترفيع الحسن إلى رتبة عميد، بعد تمنّع طويل؛ أو وضع العميد غسان بلال، مدير مكتب ماهر الأسد، تحت الإقامة الجبرية بناء على تقارير روسية تضمنت لائحة مخالفات فادحة).
الخلفية الأخرى التي لا تقلّ أهمية، هي أنّ الحساسية بين ماهر الأسد والحسن تصبّ، أيضاً، في ولاء الثاني لموسكو وتبعيته لأوامر قاعدة حميميم؛ مقابل قناعة الأوّل بأنّ هذا الولاء إنما يضرّ بالوجود العسكري للميليشيات الإيرانية وقواعد «الحرس الثوري» و«حزب الله»، وبالتالي يُضعف قدرات جيش النظام عموماً، ووحدات الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري خصوصاً. ومن نافل القول إنّ هذا التباين في الولاء لا يعني بالضرورة أنّ ماهر الأسد متورط في اصطفاف مباشر مع إيران لأسباب سياسية أو عقائدية أو مذهبية، بل هو بالأحرى يُضمر التخوّف من أغراض موسكو في تصعيد الحسن وترقيته ومساندته على هذا النحو. كما يعكس عدم تعوّد البيت الأسدي على القبول بصعود شخصية عسكرية، يحدث أنها من باطن الطائفة العلوية وذات شعبية ميدانية عالية، تُفرض فرضاً على بيت النظام من خارج لوائح أتباعه وأزلامه، حتى إذا كان الحسن لا يكفّ عن تمجيد «القائد المجاهد بشار الأسد».

وليس أمراً مألوفاً على أمثال ماهر الأسد، وكذلك شقيقه رأس النظام في الواقع، أن يرسل وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو سيفاً قيصرياً مرصعاً هدية إلى «النمر»، وأن يقلده ثاني أرفع وسام في روسيا الاتحادية؛ من دون علم أجهزة النظام، وبتغطية مكثفة واحتفالية انفردت بها وسائل الإعلام الروسية. كذلك لم يكن حدثاً مألوفاً أن يمتدح بوتين ضابطاً من ضباط النظام، خلال اجتماع في قاعدة حميميم أواخر العام 2017، وبحضور الأسد نفسه، الذي اضطر إلى مداراة حرجه عن طريق المشاركة في امتداح الحسن، والتذكير بأنه لم يأخذ إجازة منذ زمن طويل. وأخيراً، منذ متى كان أيّ ضابط من ضباط النظام، وليس رأس النظام حصرياً، يبادر باسمه إلى تهنئة رئيس دولة عظمى مثل روسيا، بمناسبة إعادة انتخابه؛ وأن يردّ الأخير، شاكراً و… واعداً المهنّئ بأخبار سارّة؟
وقد تتعدد دوافع موسكو في احتضان الحسن وتصعيد المجموعات العسكرية المنضوية تحت أمرته، وربما تكون حكاية تهيئته كبديل عن بشار الأسد هي الأضعف قوّة ودلالة في حسابات الكرملين؛ إذا جاز التفكير بأنّ تلك الحسابات سوف تتخذ مسارات أكثر تعقيداً، وبالتالي أشدّ احتواء على الخيارات، في مراحل الذروة من اعتماد الحلول التوافقية الإقليمية والدولية للمستنقع السوري الراهن. فمن جانب أوّل، للمرء أن يرجّح مقدار حاجة موسكو إلى تطويع خياراتها بما يلائم المعادلات التي سوف تستحدثها تلك المراحل، وخاصة لجهة إرضاء الأطراف الإقليمية والدولية الداخلة في اللعبة؛ ومن جانب ثانٍ، وفي حال تحقّق الحدّ الأدنى من التراضي ضمن تلك المعادلات، فإنّ إيجاد البديل عن الأسد لن يشكّل معضلة مستعصية على موسكو، ولعلّ الحسن عندئذ لن يكون أفضل المتوفر في جعبة بوتين، بل قد يكون الأردأ!
الغالب أكثر، وقد يكون الأقرب إلى المنطق السليم، هو أنّ الأطوار اللاحقة من استئثار موسكو بمعظم ملفات المستنقع السوري سوف تتطلب، أيضاً، الإمساك بعناصر تحكّم حاسمة تخصّ مؤسسات الجيش وأجهزة الأمن والطائفة، بقدر ما تتيح هذه آليات فعلية وفعالة لضبط الدولة في مستوياتها الكلاسيكية والبيروقراطية. وبذلك فإنّ الكثير من المغزى يكتنف جهود موسكو في تلميع شخصية الحسن، عسكرياً أولاً وبالعلاقة مع سلسلة «انتصارات» تحققت من دير الزور إلى ريف حلب، وصولاً إلى الغوطة وإدلب اليوم؛ ثمّ بشرياً، إذا جاز التعبير، عن طريق الإكثار من اللقطات المصوّرة وأشرطة الفيديو التي تُظهره في صور من البساطة أو التواضع أو السذاجة او حتى الاستهبال (كما في شريط اجتماعه مع والد أحد عناصره القتلى، وخطبته عن النمر والفهد والغضنفر والطرماح، ومباركته بعض ضباطه بمسح الرأس باليد على طريقة المشايخ…). وهذا، غني عن القول، سلاح يمكن أيضاً أن تستخدمه أجهزة النظام لأغراض نقيضة، جوهرها الحطّ من شخصية «النمر».
وقد يكون الحسن نمراً من ورق، تشهد عليه في هذا عشرات المواقف التي لا تشيّد صفة بطولية بقدر ما تقوّض أيّ معنى للجدّية والدهاء والحسّ السياسي والعسكري الجدير بقائد، أو حتى بمجرم حرب؛ أو قد يكون قطعة غيار قابلة للتدوير، تستخدمها موسكو في مرحلة انتقالية لاختبار حقيقة التراصّ العسكري والطائفي حول آل الأسد في صفوف ما تبقى من وحدات عسكرية نظامية، ثمّ تغذية المزيد من موجبات الشقاق والتصارع مع الولاءات الأخرى المختلفة في قلب أجهزة النظام، وخاصة تجاه المحور الإيراني. وبين هذا وذاك، ليس مستبعداً أن يقفز النمر، أو يتقافز، إلى صيغ أخرى ثالثة أو رابعة أو خامسة، عمادها في كلّ حال حاجة موسكو إلى لاعب موازٍ، قابل للتدوير أوّلاً وآخراً.

القدس العربي ٥ تموز/يوليو ٢٠١٩

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق