هل نحن طائفيون؟

كنت طفلا عندما سمعت صديقي يتحدث عن ان سعر منزل يشير اليه مرتفع لان “البناية موحدة” وعندما سألت ماذا يعني هذا المصطلح قال لي هذا يعني ان كل سكانها “مسيحيين” لا يبيع السكان الشقق فيها لـ “المسلمين” ..
لاحقا في اول سنوات المراهقة في زيارة لجدتي كانت محتدة وتصب لعناتها وتعلن غضبها على خالي لانه تزوج من “علوية” ..

عندما كبرت واصبحت في سن الشباب واحيل والدي الى التقاعد المبكر ، وسألت عن السبب فهمت انه وصل في المستوى الوظيفي لمكان ، إما ان يُرفّع ليستلم منصبا مهما او يحال للتقاعد .. ولما كان هذا المنصب لا يمكن ان يستلمه مسيحي فقد احالوه للتقاعد .. لا يوجد حل اخر ..

وخلال ممارستي العمل كمستشار ومدير مركز دراسات ومن ثم رئيس تحرير موقع منتشر والفرصة التي حظيت بها لاكون على معرفة بتفاصيل كواليس المناصب .. فهمت ان هذه المناصب موزعة حسب الطوائف والمناطق والاعراق من الوزارات ( وانت نازل ) ..

هل نحن طائفيون ..؟

لاحقا عندما عندما بدأت احاول ايجاد تفسير لهذا الانقسام في دولة يفترض بانها “علمانية ” وبدأت بقراءة التاريخ وعلمت بان الاقليات في بلادنا منذ زمن بعيد وضعت في حماية الدول الاجنبية كل طائفة تتبع لدولة بحسب المرجعية الدينية ( وما زال هذا حالها ) .. واستخدمت الدول هذه الذريعة لاضعاف الدولة العثمانية وتفكيكها ..
وفهمت ان الوهابية كانت وسيلة لال سعود لتأسيس دولتهم وان الاخوان المسلمين بدعة اسسها الانكليز لمواجهة الوهابية وشق الصف “الاسلامي” في المنطقة .. وبعدها ظهور القاعدة وداعش .. ولحقه تغذية الصراع المذهبي الشيعي السني .. في المنطقة

كنت اعتقد بان لا طائفية في سوريا ولكن مع اشتعال فتيل الازمة .. انكمشت الطوائف والاعراق والمذاهب والمناطق في اصطفاف سياسي في مواجهة بعضها البعض ..
واصبحت أفهم لماذا قرى شيعية في محيط سني كامل اصطفت مع النظام وحاربت معه ضد محيطها الجغرافي .. وافهم لماذا الشمال الشرقي اختار “الانفصال” وتحقيق مشروع قديم على اساس عرقي

وافهم لماذا اصبحت الحرب بشكل واضح وجلي بين فصائل” طائفية” و “مذهبية” و “عرقية” خالصة .. تتخذ مواقفها فقط وفقا لتلك المرجعيات الخارجية .. التي يكون بعضها في ايران والاخر في تركيا وبعضها في السعودية .. ولكن كلها اساسها يرتكز الى تقسيمنا الى جماعات وطوائف ..

اذاً هل نحن طائفيون ؟
الحقيقة ان كل شعوب الارض مقسمة الى طوائف ومذاهب وجماعات واعراق .. هذا موجود في كل دول العالم .. ولكن لا نقول عن شعب اميركا مثلا او فرنسا او بلجيكا انه طائفي لان هذا التقسيم لا يستغل سياسيا ..

فالطائفية ليس عملية الفرز والتوزع على جماعات بكل المسميات بقدر ما هي استخدام هذه الجماعات في سياق المشاريع السياسية للسيطرة على النفوذ .. وهي وسيلة شبه مجانية تجعل الافراد يصطفون ويتراصون في خدمة المشروع السياسي ويقدمون كل التضحيات بناءا على “ايديولوجيا” معينة وليس وفق حسابات المصالح الفردية والمجتمعية .. بل مع الاسف غالبا ما يكون تحقيق اهداف هذه المشاريع السياسية ضد مصالح الافراد والمجتمع ..

وعليه فان الحفاظ على هذا الوضع كان اولوية بالنسبة للقوى العظمى المتصارعة ، فمهما تضاربت مصالحها هي متفقة ان تبقي على مشاريعها الطائفية السياسية .. وتحافظ كل قوة على حصتها ( الغوتة ) لها من شعوب المنطقة لتستخدمها وتوظفها بما يخدم خططها واهدافها .. وهذا حال قديم كما ذكرت يقترب عمره من 200 عام مضت حتى اليوم ..

هل نحن طائفيون .. ؟ الحقيقة انه ليس قرارنا وهذا يعتمد على حالة الاستقطاب وفقا لاستخدام القوى الخارجية كلا لجماعته ..

هل نحن طائفيون ؟ كأفراد الموضوع فيه كلام وربما يكون الجواب لا .. ولكننا كجماعات اعتقد باننا نشكل اليوم اقبح نموذج طائفي سياسي موجود في كل العالم.

الكاتب: نضال معلوف

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق