هل ينقلب أردوغان على سياساته.. ويقبل بالمنطقة الأمنية؟

رأي- عبدالناصر العايد
ذات ليلة من أواخر أيلول/سبتمبر 1998، حين كنت ضابطاً حديث التخرج مناوباً في مطار تفتناز العسكري في إدلب، دَخَلَ قائد القاعدة الجوية إلى “كبين” توجيه الطيران، والاضطراب والقلق باديين عليه. أَمَرَ قائد القاعدة مساعدي الفني بالخروج من الكبين، وطلب مني شرحاً مفصلاً للموقف الجوي، مركزاً على منطقة شمال غربي حلب. في النهاية، قال لي “ستتلقى أمراً عسكريا من درجة سري للغاية”، وأشار بيده إلى منطقة عفرين قائلاً: “يحتمل أن يشن الطيران التركي هجوماً هنا”. وأضاف: “مطلوب منك مراقبة الأجواء على الجانبين، وابلاغي فوراً على الهاتف المشفر بأي تطور”.
قائد القاعدة لم يترك لي فرصة إعلامه بشيء، إذ مكث إلى جانبي نحو ثلاث ساعات متابعاً ومستفسراً بقلق عن أي تغيّر يطرأ على شاشة الرادار.

كنا، كعسكريين، على علم بالتهديدات والتحشدات التركية على الحدود القريبة، لكن عدم تلقينا لأي أمر برفع الجاهزية، وعدم تحريك جندي واحد من مكانه، جعلنا غير مبالين بتلك التهديدات، واعتبرناها مظاهر لصراع سياسي اعتيادي ستحلّه “القيادة السياسية” بطرقها.

لكن ما جرى عقب تلك الليلة التي لم يحدث فيها شيء، اثبت أن الأمر لم يكن محض تصعيد اعلامي وسياسي تقليدي، وأن ظروف الحرب الباردة وتجاذباتها التي تنتهي بردع متبادل يمنع كافة الأطراف من استخدام الجيوش، قد ولت مع زوال الاتحاد السوفياتي، وأن النظام الإقليمي في منطقتنا قد تغيّر ودخل في حقبة تشكل نظام جديد، لم يتبلور حتى اليوم.

كان الرئيس التركي سليمان ديمريل، وبالتوازي مع خطابات تهديده الحادّة، قد شكّل خلية عسكرية لإدارة الأزمة، وحشد 10 آلاف جندي على الحدود السورية، وقطع مياه نهر الفرات منقلباً على اتفاق 1987. وزار رئيس الوزراء التركي مسعود يلماظ، إسرائيل، ليبرم معها اتفاق تعاون عسكري، وليُعلن عن مناورات عسكرية مشتركة. اللوبي الإسرائيلي أعطى يلماظ وسام “خيرة السياسيين في العالم” بعد زيارته لمقره في واشنطن. ثم أُعلِنَ عن زيارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي واخرى للرئيس الإسرائيلي عيزرا وايزمان، إلى تركيا.

إزاء كل تلك الجدية، المدعومة على الأرجح بمعلومات استخباراتية دقيقة بقرب الهجوم التركي، هرع حافظ الأسد إلى مصر والسعودية مستنجداً ومخوفاً من قيام نظام إقليمي جديد، يفقد فيه العرب أي مكانة. وتحرك الرئيس المصري حسني مبارك بسرعة، فزار دمشق ثم الرياض، ثم توجه إلى أنقرة حاملاً “سلّة” من تنازلات من دمشق، لتحاشي المواجهة مع تركيا، على رأسها رأس عبدالله اوجلان، موضوع الغضب التركي، وكذلك مشروع الاتفاق الذي اشتهر لاحقاً باتفاق اضنة، الذي يسمح لتركيا بالتوغل مسافة 5 كيلومترات داخل الأراضي السورية لملاحقة “العمال الكردستاني”.

ما يدفعني لاسترجاع تلك الحقبة القريبة من تاريخ منطقتنا، هو التهديدات التركية التي اطلقها مسؤولون أتراك باجتياح ما يعرف بـ”شرق الفرات”. إذا لم تتوصل أنقرة لاتفاق مع واشنطن بخصوصها حتى الآن. الرئيس أردوغان اجتمع بمجلس الأمن القومي التركي، أعلى هيئة عسكرية في البلاد، وسط تحشيد متزايد للقوات التركية على الحدود، وتزايد عمليات استهداف مقرات “قوات سوريا الديموقراطية” داخل الأراضي السورية. تركيا رفعت مستوى الجاهزية لدى الفصائل السورية الموالية لها في منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، وعدد كبير منهم من أبناء الشرق السوري. هكذا، تبدو أنقرة ذاهبة إلى الحرب هذه المرّة، بجدية غير مسبوقة، لوضع حدّ للكيان الكردي الناشئ على حدودها الجنوبية.

لكن المقارنة بين الظروف في المناسبتين، تقول إن التاريخ لا يمكن أن يعيد نفسه، خاصة إذا كانت الشروط مختلفة. فالتهديدات التي وجهها ديمريل لنظام الأسد الكرتوني، يقابلها اليوم تهديد تركي لقوة عظمى لديها قواعد وجنود في المنطقة. وتركيا التي تطلقها بلا حليف موثوق. حلف الناتو غاضب بسبب توجه تركيا عسكرياً وأمنياً إلى روسيا، ما تكلل بشراء منظومة الصواريخ أس 400. وقيصر روسيا الذي يأمل بأن تثمر سياسته الهادئة بانتزاع تركيا من الغرب ليوسع دائرة إمبراطوريته، لن يقدم دعماً حاسماً يسمح لتركيا بمواجهة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا في سوريا. فتركيا الضعيفة المحتاجة لروسيا، هي تركيا التي يريدها بوتين، تماماً على شاكلة ايران المحاصرة. في حين تحلم طهران بدورها بتفجر صراع على حدودها الغربية يزيح عنها جانباً من عبء التركيز الغربي ضدها، على نحو يمكنها من ضم تركيا لحلفها “المقاوم”. أما إسرائيل فقد انقلب موقفها كلياً من تركيا، بعد نحو عقدين من الزمان. والدول العربية من مصر إلى السعودية لا توارب في اظهار معاداتها لحزب “العدالة والتنمية” ورئيسه.

بهذا المعنى، لا يشبه موقف اردغان اليوم، موقف سليمان ديمريل، قبل عقدين. وسيزداد موقفه غرابة فيما لو نفذ ما هدد به من اجتياح لمنطقة شرق الفرات، ليتصادم مع القوات الأميركية والغربية هناك، ما قد يتسبب فعلياً بتصليب المواقف الغربية الداعمة للعمال الكردستاني في سوريا، بحيث تُصبح حماية الكيان الكردي جزءاً من الصراع والمصالح الدولية الغربية، ما يرغمها على دفع مزيد من القوات والأسلحة إلى ذلك الجيب.

نظرياً، ليس من المتوقع أن يسلك اردغان سلوكاً اندفاعياً مغامراً، لكن الرجل وحزبه يعانيان من ضغط داخلي جدي. وغالباً ما دفعت الضغوط الداخلية زعماء كثر إلى تفجير الأزمات على حدود بلدانهم الخارجية.

في المقابل، سيكون من الجيد لأردوغان لو توقف عن اطلاق التهديدات العسكرية غير المجديّة التي تستهدف الولايات المتحدة، والتفكير بسبل استعادة حلفائه الغربيين، خاصة أن ظهور الكيان الكردي في سوريا يعود في أحد أسبابه إلى احجام تركيا عن الانخراط في الحرب ضد “داعش”. الأمر الذي ارغم واشنطن، أو أعطاها الذريعة، للتحالف مع حزب “الاتحاد الديموقراطي”. وسيكون جيداً إذا ما قبلت تركيا المنطقة “الأمنية”، ما سيمنح ترامب فرصة انسحاب “مُشرف” من شمال شرقي سوريا، فهو لا يرغب في البقاء فيه وقتاً أطول. وعند زوال الغطاء الاميركي، ربما ستجد أنقرة حلولاً أقل كلفة، إذ ستبدي “قسد”، ومن خلفها حزب “العمال الكردستاني”، مرونة أكبر للتفاوض. كما سيحافظ بذلك أردوغان، على انجاز سلفه ديمريل.

المدن ٣ آب/اغسطس ٢٠١٩

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق