وسّوف مكرماً في سوريا: ما المعايير؟ “صح النوم” ومهباج العنف البدوي… ونواف الموسوي بطل أم ضحية؟

راشد عيسى

ثلاثة أشياء تجعل فيلم نتفليكس الجديد «منتجع غطس على البحر الأحمر» عسيراً على الهضم (يتناول قصة تهريب يهود أثيوبيا زمن الحرب الأهلية إلى فلسطين في ثمانينيات القرن الماضي): أولاً يقينك كمشاهد، حتى لو لم تكن تعرف وقائع الحكاية الأصلية، أن العملية ستنتهي بنجاح عملية التهريب، من دون أن يجري تعويض الحكاية المحروقة سلفاً بتفاصيل إبداعية في الصورة والحوار والتمثيل، وثانياً تصوير جهاز الموساد الإسرائيلي كبطل ومخلّص، وثالثاً دفع المشاهد للتعاطف مع ضحايا الحرب الإثيوبية، اللاجئين الهاربين من جحيمها، في وقت هم ذاهبون فيه كي يحلّوا محل بشر اقتلعوا من أماكنهم وجرى التنكيل بهم على مدار عقود.
هكذا، سيصبح لدى الفلسطيني خصوصاً سبب واحد فوق كل الأسباب، كي يصاب بالحنق ويشعر بطعم المرارة في الحلق حتى لو كان الفيلم في غاية الإبداع، يكفي أن يلاحظ أن هذه العملية «الخيرية!» لم تكن إلا لاستكمال جريمة العصر.

وسّوف مكرماً

كثر ضحكوا لخبر جائزة الدولة التقديرية للعام 2019 التي منحتها وزارة الثقافة السورية لثلاثة أسماء: الباحثة والمترجمة لبانة مشوح، وزيرة الثقافة السابقة، وشاعر البعث ورئيس اتحاد الصحافيين السوريين التاريخي السابق صابر فلحوط، إلى جانب المطرب جورج وسّوف. ما أضحكهم هو وجود اسم وسّوف، على اعتبار أن الاسمين السابقين ينتميان بجدارة إلى وسط الثقافة التي تستحق التقدير، فيما ينتمي أبو وديع إلى عالم الطبل والزمر.
ما يجمع بين الأسماء الثلاثة واضح لا لبس فيه، وهو الولاء غير المشكوك فيه للنظام، الأمر الذي يجعلهم على قائمة المكرمين، لا الشعر، ولا البحث والترجمة، ولا الغناء والطرب كذلك. لكن لا شك أن المثقفين الآن، ألمعهم على الأقل، في «حيص بيص»، يتساءلون في ما بينهم ما الذي يجعل أبو وديع مفضلاً عليهم عند وزارة الثقافة، التي يرأسها الناقد السينمائي السابق محمد الأحمد.

هؤلاء رأوا في صورة وسّوف إلى جانب المثقفين المكرمين إنقاصاً من قدر الثقافة والمثقفين، غير أن كثيرين غيرهم، وربما من بينهم المكرمون أنفسهم، قالوا إن جورج في الواقع قد رفع من قدر المكرّمين، على الأقل لم يكن أحد ليسمع بخبر الجائزة التقديرية لولا اسمه وصورته.

أصل المهباج

بالعودة إلى أطروحة الباحث الموسيقي السوري الشاب علي أسعد، والتي حملت عنوان «الموسيقى والعنف في سوريا»، والتي تطرّق فيها لبعض الآلات الموسيقية السورية أو المشرقية وما تحمله من «رمزية عنفية»، وخلص إلى أن المهباج (أداة طحن البن التقليدية البدوية) «تحوّل من أداة لطحن البنّ إلى آلة إيقاعية»، مضيفاً «هو رمزية لكي أسلط الضوء على انعكاس ثقافة البدو على المجتمعات العربية»، ومستنتجاً أن عام الـ 2011 أي عام الثورة السورية «هو ذروة لسياق عربي موجود أصلاً، إنها ذروة لسلوك المجتمعات العربية عموماً».. ثبت أن أصل هذه النظرية الموسيقية موجود في فيلم «صح النوم»، في محاولة أبو عنتر التشويش على عزف حسني البورظان – جاره في الأوتيل – على آلة القانون.

حسني يصعد إلى غرفة أبو عنتر: بتوقّف لنا دق عالمهباج؟
أبو عنتر: لتوقّف لنا دق ع القانون.
البورظان: هلق القانون متل المهباج؟
أبو عنتر: المبهاج أحنّ.
وهنا ينقضّ البورظان على مهباج أبو عنتر، يلقيه من الشباك، يسقط فوق إحدى كفّتي ميزان أو كاسم بيّاع الخيار، فيطير سطل الحليب من الكفة الأخرى ليسقط فوق رأس بدري بيك أبو كلبشة، رئيس مخفر الحارة. أبو عنتر بدوره يلقي بقانون البورظان من الشباك، فيلبس كذلك رأس بدري بيك. تنقلب الحارة رأساً على عقب.
في المشهد التالي نرى الحارة كلها (بما فيها حمار أبو كاسم) وراء قضبان السجن. عندما يسأل كل منهم عن ذنبه، يقول أبو كلبشة لغوار «أنت اللي سعيت له بالمهباج»، ولياسينو «أنت اللي سلمته المهباج»، ولأبو عنتر «أنت اللي دقيت عالمهباج»، وللبورظان «أنت رميت المهباج»، ولأبو كاسم «على ميزانك إجا المهباج»، وللمرأة «طار سطلك بالمهباج».. وفي النهاية يتوعدهم بدري بيك جميعاً «والله لأهبجكن هبج».
هكذا يتضح أن الموسيقي السوري لم يضيع وقته، لقد درس التراث على أحسن وجه، ومنه استنبط أمتع النظريات.

«أحبائي» جوليا في عيد الجيش السوري

بمناسبة عيد الجيش أجرى موقع «سانا»، وكالة أنباء النظام السوري، ريبورتاجاً متلفزاً استطلع فيه آراء الناس ورسائلهم لجيش النظام. اللافت هو الأغنية المختارة في خلفية التقرير، وهي «أحبائي» لجوليا بطرس والمستلهمة من خطاب لزعيم حزب الله حسن نصرالله. أيام زمان، وفي تقارير مماثلة، كنا نسمع أغنيات وأناشيد كـ «حماة الديار»، «بكتب اسمك يا بلادي»، «موطني».. هذه الأيام لا يخفى المعنى من استخدام النظام لكلام زعيم ميليشوي في أكثر الأماكن رسمية.

الموسوي بطل أم ضحية؟

إثر انشغال لبنان بحادثة نواف الموسوي، وقد باتت تفاصيلها معروفة ومتداولة، هناك من يصف الموسوي متأثراً بحكايته بـ «البطل التراجيدي». المصطلح، في المسرح، يعني مواصفات محددة: للبطل التراجيدي سلوك نبيل، وهو متحدّر أساساً من أصل ملكيّ نبيل (أوديب كما كتبه سوفوكليس في «أوديب ملكاً» حكاية نموذجية). هذا النبل هو ما يهيئ المتلقي للتعاطف مع زلّته، ولهذه الزلة اسم هو «العيب التراجيدي»… المهم، نواف الموسوي رجل ميليشا «حزب الله» المخلص، أداؤه في البرلمان أداء بلطجي على طول الخط، وهو تقريباً عكس البطل التراجيدي، سلوك بلطجي، فيما تبدو زلّته، أو عيبه التراجيدي، أي فزعته لابنته، هي الشيء الوحيد الذي يستحق التعاطف، لكن حتى هذه الفزعة جاءت برفقة عشرين بلطجياً مسلحاً، مع ضربة مفك سببت جرحاً لطليق ابنته، وإطلاق نار.. أي أن الاستثناء يعزّز الصورة الأصلية ولا ينقلب عليها. باختصار لا بطولة في المسألة، ولا تراجيديا. إن لم نقل إنها أقرب إلى القصاص القدري، حيث ترفض كتلة «حزب الله» البرلمانية، ومن ضمنها نواف الموسوي، إقرار قانون عصري للأحوال الشخصية، فتأتي النتيجة أن أحد البرلمانيين نفسه يصبح (عبر ابنته) ضحية لهذا التعنّت.

كاتب فلسطيني سوري

القدس العربي ٦ آب/اغسطس ٢٠١٩

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النص محمي !!
إغلاق