تساؤلاتٌ.. منطقة آمنة أم أمنيّة أم عازلة!

 

المقدم عبدالله النجّار

ضابط منشقّ عن الأمن السّياسيّ السوري

باتَ واضحاً ، أن ماتسعى إليه الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيّة ، عبرَ مفاوضاتها مع تركيا ، هو منطقةٌ آمنةٌ لا أمنيّة ، آمنةٌ بالهدف ، لا بالأركان والشروط المطلوبة لإقامة المناطق الآمنة عادة ، أي أنها تهدفُ إلى حمايةِ قواتِ الحمايةِ الكرديّة YPGمن هجومٍ تركيّ محتمل ، وهو مايتعارضُ مع أبسطِ الشّروط المتعارفِ عليها دولياً لإقامة المناطقَ الآمنة.

فالمناطقُ الآمنةُ بتسمياتها المختلفة ، ذاتُ مغزىً إنسانيّ ، يستهدفُ حمايةَ المدنيّين فقط ، ولا تجري فيها أيةُ مناقشاتٍ حولَ ترتيباتِ التواجدِ العسكريّ ، ضمنَها أو على حدودِها ، لأن وجودَ أيّ طرفٍ عسكريّ ، يعني احتمالَ دخولِها حالةَ الحربِ في أيّة لحظة ، وتكونُ عادةً تحت حمايةٍ دوليّة ، وتجري فيها مناقشةُ سبلِ إيصالِ الدّعم الطبّيّ والإنسانيّ للمحاصَرينَ فيها أو اللّاجئين إليها ، وهو مالايتوفرُ أيّ منها في المفاوضات الجّارية.

المنطقةُ ُالتي تريدُها الولايات المتحدة آمنةً ، لاتهدفُ إلى حمايةِ المدنيّين ، وإنّما تهدفُ إلى حماية ميليشيا عسكريّة حليفةٍ لها ، وتجري فيها مناقشةُ ترتيباتٍ عسكرية، كإبعاد قوات ” قسد ” عن المنطقةِ الآمنة ، وإبقاء هياكلها الأمنيّة والإدارية ، كما أنّها سوف تكون تحت حمايةِ أطرافٍ من بينها على الأقل أحدُ طرفيّ النّزاع ، ولا يتم فيها مناقشةُ سبلِ إيصالِ الدّعم الانسانيّ ، وغير ذلك مماتستلزمهُ حمايةُ المدنيّين.

النقطةُ الأخرى التي لابدّ من معرفتها أيضاً ، هو أن المستهدفَ الحقيقيّ بالحماية هي قواتُ الحماية الكرديةYPGفقط ، لأن باقي مكونات “قسد” من العربِ والتركمانِ والسّريان ، لايشكلون خطراً على الأمن القوميّ التركيّ ، وهم غير مستهدفين من قبل تركيا ، وبالتالي فإن الزّجّ باسم ” قسد ” كتحالف عسكريٍ في المفاوضات الجارية أمرٌ مقصود ، يهدف إلى التغطية على العنصر الحقيقي الذي تبحث الولايات المتحدة عن حمايته.

وهكذا ، فإن المنطقةَ الآمنة التي سوف يتمّ تحديدُها بحدودٍ معلومة ولا تتوافر فيها أي شرط من شروط المنطقة الآمنة ، تخدمُ فصيلاً عسكريّاً بعينِه ، يتمثلُ في قواتِ الحماية الكردية YPG.

وقد حاولت الأخيرة الزّجّ بباقي المكونات في مواجهة التّهديدات التركيّة ، فأخرجت قبل أيام العرب في دير الزّور والرّقة ، في مظاهراتٍ مناهضةٍ للتّدخل التركي ، بينما لاتزال تمنعهم من دخول محافظة الحسكة بدون كفيلٍ كردي ، الأمر الذي يُذكرنا بالمسيراتِ المصطنعةِ التّي كان ومايزال نظامُ الأسد يخرجُها من حينٍ لآخر، فهل تستحقُ هكذا مليشيا حمايةً دوليّة بالفعل؟!

كما دفعتْ مؤخراً بعددٍ من الوجهاء العرب لإطلاق تصريحاتٍ معادية للدولة التركية ، ومعارضة للتدخل العسكري ، في الوقت الذي ماتزال تحتجز الآلاف من إخوانهم في مخيماتٍ قسرية ، وتمنعهم من العودةِ إلى منازلهم.

الجديرُ بالملاحظة أنّ المجلس الوطنيّ الكرديّ ،  يُحمّل PYDو  YPG  ومظلّتهما “قسد” مسؤولية التّدخل التّركي ، بسبب سياستها المتعنّتة ، ويرى غالبيةُ قادته أن المنطقة الآمنة سوف تكون في صالحهم.

الحلّ المتعارف عليه دولياً لهكذا حالاتٍ من الصّراع ، هو المنطقة العازلة ، التي تشغلها قواتُ حفظ سلامٍ دولية ، تفصلُ بين قوّتين عسكريتين ، فلماذا تصرّ الولايات المتحدة على المنطقة الآمنة إذاً؟ ولماذا جاءت تغريدةُ الرئيس الأمريكي نهاية العام الماضي محدّدة المنطقة الآمنة ، وهل سوف تكون آمنةً فقط قِبَلَ الأتراك ، أم أنّ هذه الحماية موجهةٌ ضدّ كلّ الأطراف الأخرى.

إنها المرة الأولى في تاريخ الأمم المتّحدة التي يجري فيها الحديث عن منطقةٍ آمنة لحماية ميليشيا عسكرية.

الحلّ الذي يخدمُ الأتراك ، ويلبّي طموحاتِهم ، هو المنطقةُ الأمنيّة فقط ، وقد كانوا صادقينَ مع أنفسهم ومع غيرهم ، فعدوّهم التاريخيّ حزبُ العمال الكردستاني PKKوفروعه الأخرى ، أيّاً كانت مسمياتهاPYD,YPG,YPJ,QSD، لايمكن أن يُتركَ ليقوى ثم ينقضُ عليهم.

حربُهم المستمرة ضدّه منذ أربعةِ عقود ، لم تنحصرْ في جبالِ قنديلَ فقط ، بل تعدّتها إلى داخل إقليمِ كردستان العراق ، فلماذا لم تشكّل لهم الولايات المتحدة منطقةً آمنةً هناك؟!

إن التوسّل الذي تبديه الولاياتُ المتحدة للوصولِ إلى اتّفاقٍ مع الأتراك ليس بلا ثمن ،  خاصةً إذا أضيفَ له التجاوبُ المرنُ الذي يبديه المسؤولون الأكراد تجاه التدخل التركي ، الذي يعتبر من كبائر المحرمات في قواميسهم ، وموافقتهم على الانسحاب بضعة أميالٍ عن الحدود ، فمالذي يدفعهم إلى ذلك؟

إن القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة والتي تجاوزت الخمس ، فضلاً عن مئات الجنود الأمركيين الذين من المقرر إبقاؤهم إلى أجل غير مسمى ، كفيلةٌ لوحدها بضمان الأمان لقوات الحماية الكردية YPGتجاه أي هجوم ، فلم الاتفاقية إذاً ؟

صحيحٌ أن الاتفاقية تأتي استجابةً لمخاوف الرئيس الأمريكي من مهمة استقرار لانهاية لها تقوم بها قواته ، وصحيح أنه يريد سحب قواته والإبقاء على عدد قليل من الجنود ، وصحيح أنه يريد التركيز على القوة الجوّية فقط ، غير أن الصحيح أيضاً أنهم يعوّلون “أي الأمريكان ” على اتفاقيةٍ تحقق تجاوراً هادئاً ، يؤدي إلى تبادلٍ تجاريٍ بين العدوّين ، لن ينتهي عند حدود مصالح اقتصادية كبيرة – كما هو الحال في إقليم كردستان العراق ، وجيمس جيفري تحديداً يؤمن بهذه الفكرة – بل يمكننا إضافة الخدمات الأمنية إليها أيضاً.

وأخيراً لابدّ من التساؤل عن المدة الزمنية لهذه الاتفاقية ، وفيما إذا كانت محدودة بنطاقٍ زماني بالفعل ، أم أنها سوف تتركُ مفتوحةً ، ومن هو الوريثُ الشرعي لها في حال انهيار تحالف “قسد”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النص محمي !!
إغلاق