التدخل الروسي في سوريا.. كشف حساب 4 سنوات

مع قرب انتهاء السنة الرابعة للتدخل الروسي بالأزمة السورية، تظهر تساؤلات بشأن خسائر موسكو ومكاسبها، وآفاق المشاركة العسكرية المباشرة، فضلا عن أهدافها الحقيقية.

فقد أقدمت موسكو على الخطوة رغم دخول البلاد في أزمة اقتصادية جراء انخفاض أسعار النفط بشكل حاد عام 2015، وفرض الغرب عقوبات قاسية عليها جراء تدخلها في أوكرانيا، وهو ما بعث إشارات بوجود مخاوف كبيرة لدى الكرملين إزاء التطورات في الشرق الأوسط، ومصالح أكبر يرجوها من تلك المغامرة.

وقدر معدل إنفاق موسكو على تلك الحرب بنحو 3.2 مليون دولار يوميا، بحسب صحيفة فاينانشال تايمز.

وخسر الجيش الروسي أكثر من ١١٦ عنصراُ نظامياً، وعددا غير محدد -رسميا- من مسلحي الشركات العسكرية المتعاقدة، فضلا عن خسارة نحو 21 طائرة ومروحية، وفق رصد “عربي21” اعتمادا على بيانات رسمية.

في المقابل، لا تزال الحرب مستمرة في الشمال، ومرشحة لدخول منزلقات جديدة مع وجود قوى على الأرض محسوبة على مختلف الدول المنخرطة بالأزمة، لا سيما الولايات المتحدة، وربما إيران، في ظل حديث عن مرشرات منافسة بين الجانبين على النفوذ في المرحلة المقبلة.

 

في حديث لـ”عربي21″، قال المحلل السياسي الروسي أندريه أونتيكوف إن موسكو تمكنت من تحقيق الهدف الرئيسي لتدخلها في سوريا، والمتمثل، بحسبه، في “إبعاد الإرهابيين عن السيطرة على العاصمة دمشق”.

وأوضح أنه “من المبكر الحديث عن انتصار أو فشل، نظرا لاستمرار وجود بقايا لتنظيم الدولة وسيطرة النصرة (هيئة تحرير الشام) على إدلب، واستمرار الأزمة على المستوى السياسي”.

وأضاف: “أود التذكير، في المقابل، بأن الإرهابيين كانوا يقتربون، عام 2015، من العاصمة دمشق، وكان هنالك خوف حقيقي من تحول سوريا إلى دولة يقودها الإرهاب، وهو ما يشكل خطرا لعموم المنطقة”.

وتابع: “يمكنني القول إن ما حققته روسيا هو إبعاد الإرهابيين عن العاصمة وتفكيك ما يسمى بالدولة الإسلامية، وتشكيل الظروف الملائمة لدفع العملية السياسية الفعالة إلى الأمام، ونشاهد اليوم الاقتراب من تشكيل لجنة دستورية، وبعد ذلك سيتم تشكيل حكومة انتقالية وتنظيم انتخابات عامة”.

وأكد “أونتيكوف” استمرار “جهود إعادة الأمور إلى طبيعتها”، وهو ما سيتطلب المزيد من الوقت، بحسبه، و”ضمان منع عرقلة الإرهابيين لذلك المسار”.

واعترف المحلل الروسي بأن بلاده تدفع ثمن المشاركة، إلا أنه تحدث عن اضطرارها للمواصلة نظرا لخشيتها من تأثير التطورات في الشرق الأوسط على أمنها القومي.

وأوضح: “كان من الممكن أن تتحول سوريا إلى مصدرة للإرهاب نحو وسط آسيا، وتهديد الأمن القومي الروسي، ولو حدث ذلك لكانت التكاليف أكثر بكثير.. يمكنني القول إن موسكو أطفأت الحريق قبل تمدده”.

وألمح أونتيكوف إلى أن الولايات المتحدة ساهمت في مضاعفة فاتورة الحرب، ولم يستبعد أن واشنطن أرادت أن تجعل منها فخا لاستنزاف موسكو، مشددا على فشل ذلك الرهان.

وقال: “روسيا صمدت رغم العقوبات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، والتي هي في الواقع لم تتعد المستويات الطبيعية التي نشاهدها في كثير من الدول حول العالم، وفي النهاية لم تؤد الحرب والخطوات الأمريكية والأوروبية إلى انهيار النظام الروسي كما حدث مع الاتحاد السوفييتي”.

بدوره، اعتبر الباحث في العلوم السياسية، محمد الجمل، أن روسيا حققت خلال السنوات الأربع الماضية جزءا هاما من الهدف الرئيسي لتدخلها العسكري في سوريا، وهو “تعزيز مكانتها في النظام الدولي، وملء الفراغ الذي يصنعه تراجع المكانة والنفوذ الأمريكي في مناطق عديدة من العالم، منها الشرق الأوسط”.

وفي حديث لـ”عربي21″، أوضح الجمل أنه “بالفعل أصبحت روسيا فاعلا إقليميا له دور هام ليس في سوريا فحسب، بل في الصراع العربي الإسرائيلي أيضا، وتعزز نفوذها في شرق المتوسط، وهو ما يكسبها ورقة هامة في طريق تعزيز مكانتها في النظام الدولي”.

وتابع: “في المقابل، فإن الخسارة الأساسية لموسكو في تدخلها، الذي كان دمويا للغاية ومخالفا لرغبة غالبية الشعب السوري، هو خلق حالة عداء مع شعوب المنطقة، وهو أمر ستدفع ثمنه حينما تنجح شعوب المنطقة في بناء أنظمة سياسية تعبر عن مصالحها، وهو أمر مرجح على المديين المتوسط والبعيد”.

ورفض “الجمل” نظرية الفخ الأمريكي، مؤكدا أن “نفوذ الولايات المتحدة كان يتراجع بالفعل منذ أن غاصت في وحل العراق، وكانت متجهة للخروج من المنطقة وكان لا بد من أن يملأ الفراغ الذي تتركه أحد ما”.

وأضاف: “إلا أن مخاطر الغوص في وحل سوريا حاضرة بفعل طبيعة الصراع المعقد فيها، وتبدو روسيا حريصة على تحقيق أكبر قدر من المكاسب مع أقل قدر من الانخراط الميداني والمواجهة السياسية مع الأطراف المعنية بالصراع، إلا أن النجاح بهذه السياسة أمر يزداد صعوبة مع طول مدة الصراع وتعارض مصالح الأطراف وعدم وجود أفق للاستقرار السياسي والميداني على المديين القصير والمتوسط”.

مستقبل التدخل؟

“التحدي الأساس لروسيا يتمثل في الحفاظ على المكاسب التي حققتها”، كما يؤكد الباحث السياسي، موضحا أن ذلك “منوط بتسوية سياسية يقبلها الشعب السوري والنظام، ولا تعارضها إيران أو تركيا أو إسرائيل”.

ويشير “الجمل” إلى أن فرص تحقيق ذلك ضئيلة، “ولذلك فمن المرجح أن تستمر روسيا لسنوات قادمة في دفع ثمن تدخلها من خلال الاحتكاك السياسي والميداني مع الأطراف الأخرى في الصراع”.

ويضيف: “لا يبدو أن لدى موسكو خطة ناجحة للخروج من الوضع الحالي، ولا خطة بديلة، إلا أنه في حال تصاعد حدة الصراع فمن المتوقع أن تستمر في حماية موقعها المتقدم في سوريا مع ما يعنيه ذلك من تقديم ثمن سياسي وعسكري قد يكون باهظا”.

بدوره، اعتبر أونتيكوف أن موسكو لم تأت لدعم نظام الأسد، بل “لدعم الدولة والسلطة الشرعية وهي لا تفرق بين الأسد أو أي شخص آخر يمكن أن يفوز بانتخابات رئاسية”.

وأضاف: “ميدانيا، لم تنه روسيا مهمة القضاء على الإرهاب، كما أنها على المستوى السياسي معنية بتحقيق تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، لا سيما أنها عضو في المجلس، وهي تبذل الكثير من الجهود في هذا الإطار بالتنسيق مع تركيا وإيران”.

وتابع: “كما أن موسكو معنية بمواصلة العمل نحو خروج كامل للقوات الأجنبية، لا سيما الموجودة بشكل غير شرعي، وعلى رأسها القوات الأمريكية.. كل ذلك يعرقل وصول الأزمة إلى نهاية، ويجبر روسيا على البقاء”.

وأوضح أنه “من وجهة نظر روسية، هنالك ترابط في الكثير من المصالح الإقليمية والدولية في سوريا، ومن الضروري احترام كل تلك المصالح لتحقيق مخرج آمن وكامل، لا سيما إيران وإسرائيل، فموسكو حريصة على أن لا تتحول البلاد إلى ساحة لاصطدام الجانبين”.

وأكد المحلل السياسي الروسي في المقابل أن بلاده تدرس كل الاحتمالات وتعتقد بأن جميع السيناريوهات مطروحة، بما في ذلك تحول الصراع الداخلي إلى حرب إقليمية.

وقال: “اللعبة الأجنبية في سوريا مستمرة، وروسيا تراقب بحذر لتتمكن من مواجهتها، لا سيما محاولة واشنطن فرض التقسيم عبر دعم الأكراد”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النص محمي !!
إغلاق