إدلب التي صارت وراءنا

عمر قدور

جسر: متابعات:

بعد السيطرة على خان شيخون اتجه ثقل القصف الوحشي الروسي والأسدي إلى معرة النعمان. الأخبار الواردة من هناك تفيد بتعرض المنطقة لأعنف استهداف، بحيث أن النزوح منها أيضاً يتعذر في أغلب الأحيان. بعد المعرة من المرجح أن تكون سراقب هي الوجهة التالية، لأن هذه الجولة من الهجوم حققت هدفها الأول بالسيطرة على ريف حماة وبقي تحقيق الهدف الثاني بالسيطرة على الطريق الدولي الذي يربط دمشق بحلب.

القراءات المتفائلة تتفق على استبعاد الهجوم على إدلب لسببين، أولهما أن مثل هذا الهجوم ينذر بانهيار كلي لتفاهمات بوتين-أردوغان، وثانيهما الأزمة الإنسانية الخطيرة التي يُتوقع حدوثها جراء الهجوم، وتحديداً أزمة اللاجئين التي لا يريد الغرب تدفق مزيد منهم. بمعنى آخر، أقصى ما تصل إليه القراءة المتفائلة هو النظر إلى إدلب كمخيم ضخم للنازحين، على أمل أن يضغط هذا العامل الإنساني على الدول الفاعلة سورياً.

لكن فشل مراهنات متفائلة سابقة يجيز لنا عدم الوقوع في فخها من جديد، ففي مناسبات عديدة كانت مستبعدة المواقف الدولية والإقليمية التي ظهرت وأسفرت عن لامبالاة شديدة. أن ننتظر مرة أخرى من العالم سلوكاً يخالف ما كان عليه طوال ثماني سنوات ونصف أمر فيه الكثير من الانفصال عن الواقع، وفيه عدم فهم للمصالح الدولية التي لا تقيم وزناً لا للسوريين ولا للقيم الأخلاقية والإنسانية التي نفترض وجود تأثير عالمي لها.

في المدلول السياسي والعسكري، في وسعنا القول أن معركة إدلب صارت وراءنا، وما تبقى هو تدبير إخراجها الذي لن يخلو من وحشية ودموية. يلزمنا وجود قوى سياسية وعسكرية تعلن ذلك صراحة، إلا أن القوى التي تتصدر تمثيل المعارضة أو قادة الفصائل العسكرية لن يفعل أحد منهم هذا. نتحدث الآن عن إدلب لأن الوضع بات يفقأ عين كل صاحب وهْم، ولأن ما كان واضحاً منذ التدخل العسكري الروسي “متبوعاً بتفاهمات أستانة” يصعب إنكاره اليوم. الاعتراف بالفشل الذريع للخيار العسكري على النحو الذي شهدناه صار ملحاً، فوق أنه صار من البديهيات التي لا يضيف إليها شيئاً شرح الفجوة الشاسعة في تسليح الطرفين.

في سياق التذكير بالبديهيات، من نافل القول أن الفصائل الموجودة في إدلب لن تتمكن من حماية المدنيين، بل إن المدنيين كالمعتاد أول من سيتضرر من وحشية القصف الروسي والأسدي بغرض إبادتهم وترويعهم. شراسة المعركة أو صعوبتها أمر منفصل تماماً، ويخضع لحسابات لا تتعلق فقط بمستوى التفاهمات الدولية وإنما أيضاً بقرار التخلص من بعض الفصائل، والذين لا يكترثون بمصير المدنيين ليسوا أكثر اكتراثاً بمصير المقاتلين. لقد جرى الانقضاض من قبل على مناطق عديدة بذريعة وجود مقاتلين لجبهة النصرة فيها، وستكون الخاتمة أسهل تبريراً في إدلب “لمن يبحث عن تبرير” حيث تتمتع النصرة بأقوى وجود لها.

ثمة حافز قوي جداً لدى موسكو للسيطرة على إدلب، فهي منذ تدخلها العسكري تتاجر بموضوع محاربة الإرهاب رغم استهدافها أولاً الفصائل التي كانت تصنّف معتدلة. القضاء على النصرة فيه إنجاز إعلامي يوازي القضاء على داعش، والتمهيد الروسي أتى بإعلان موسكو سيطرة النصرة على 90% من محافظة إدلب. هناك حافز آخر، فإدلب هي المنطقة الوحيدة الباقية خارج سيطرة موسكو، وخارج السيطرة والمظلة الأمريكيتين، واتفاقات أستانة وسوتشي انتهى دورها لجهة قضم المناطق على دفعات، أي أن الضامن التركي لم يعد له لزوم وفق الصيغة السابقة، والتفاهمات الجديدة معه ستُبنى على أساسات مختلفة تماماً.

بالضغط على إدلب لا نعدم وجود مساحة مشتركة بين أنقرة وموسكو، من بوابة اللاجئين تحديداً. بلا شك تفضّل أنقرة الاحتفاظ بنفوذها في إدلب مع اكتساب موقع نفوذ جديد شرق الفرات، إلا أن تغليب هاجسها الكردي يشجع على مقايضة تكسب فيها في شرق الفرات على حساب الميليشيات الكردية مقابل التخلي عن إدلب. بعبارة أخرى، سيكون الهجوم على إدلب، أو الاكتفاء بقصفها باستمرار لخلق مأساة إنسانية، نوعاً من الضغط على واشنطن لتقبل بالمنطقة الآمنة التي تطالب بها أنقرة. موسكو، التي لا تستطيع الاقتراب مباشرة من المناطق التي تسيطر عليها واشنطن، قد تفضّل الوجود التركي في قسم منها على الأقل.

من جهتها، ليس لواشنطن مطامع استراتيجية شرق الفرات، وبقاؤها ودعمها الميليشيات الكردية يقتصر بعد هزيمة داعش على إبقاء المنطقة حاجزاً أمام طهران التي تتوق إلى فتح مجالها الحيوي البري بين العراق وسوريا. التخلص من النصرة وحل مشكلة لاجئي إدلب وإرضاء الحليف التركي قد تكون مجتمعة رزمة مقبولة لإبعاد الميليشيات الكردية عن شريط يُتفق عليه في شرق الفرات، مع التنويه بأن واشنطن لا تملك تصوراً استراتيجياً للعلاقة مع الأكراد، وسبق لها في العديد من المناسبات أن خذلتهم إرضاء لأنقرة وسواها من حكومات المنطقة المعنية بالملف الكردي.

جدير بالذكر أن واشنطن لم تكن في أي وقت بعيدة عن توزيع مناطق النفوذ، ومع عدم حضورها في مسار أستانة فهي كانت مواكبة له، ومواكبة لتسليم العديد من المناطق لقوات الأسد، بما فيها الجبهة الجنوبية التي كانت تحت سيطرتها. إن عدم التدخل الأمريكي لعرقلة المسار الروسي يصعب فهمه إلا على محمل الموافقة، بل أبعد من ذلك يجوز فهمه على محمل التنسيق بين الجانبين، على الأقل التفاهم الضمني بينهما.

لقد استهلك مسلسل إعادة السيطرة إلى الأسد، فوق كلفته الباهظة من الدم والأرواح، وقتاً من أعصاب وعقول سوريين لم يتجرؤوا على مواجهة أنفسهم أو الآخرين بالمآل الكارثي الذي وصلنا إليه. القول أن إدلب صارت وراءنا يبدو اليوم واجباً لمنع جولة جديدة من الأوهام، ومن ثم الاستفاقة منها بدهشة أو ذهول متجددين. وهو قول بما يرمز إليه يصحّ إذا بقيت إدلب بمثابة مخيم ضخم للنازحين، أو في حال اعتماد مخيم بديل عنها. مع تثمين قيمتها كأي أرض سورية، ربما علينا الإقرار بأن أفضل ما يمكن تقديمه لإدلب هو البدء بالتفكير مما بعدها.

المدن 27 آب/أغسطس 2019

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق