بداية الثورة.. ونهاية التاريخ

وائل الزهراوي٭

يؤمن معظم البشر أن لهم قيمة محددة يرون أنها معيار ردود أفعالهم، فإذا ما عاملهم الآخرون كأن قيمتهم أقلَّ من ذلك؛ فإنهم يشعرون بالسخط الذي يتبدى على أنه غضب تختلف درجاته ونتائجه. وكذلك الحال حين يعجز البشر ذاتهم عن بلوغ ما يعتقدون أنه معادل لهم في القيمة؛ فإنهم يشعرون بالخجل. بينما يكون معظم البشر مملوئين بالرضى حين يحصلون على ما يعتقدون أنهم يستحقونه من التقدير فيشعرون بالأعتزاز.

إذا ينزع البشر إلى إيجاد صيغة تُشعرهم أنهم يستحوذون على ما يتصالحون معه من احترام للذات، ونرى أن هذا الشعور هو رحم التطلع الفطري إلى المساواة.

يرى هيغل (Georg Wilhelm Friedrich Hegel) توفي 1831 أن المصدر الأساس لرغبة الإنسان بتحديد حواف كرامته هو حاجته لوجود (اعتبار) يكون صورته عند الآخرين. هذا الاعتبار، على حد قول الفيلسوف الألماني الشهير، هو السبب الأول في الصراعات البشرية المبكرة التي يبدو أنها مازالت مستمرة وستبقى أبدا.

يذهب هيغل أبعد من هذا، فيرى أن هذا الصراع يقسم المجتمع إلى قسمين: الأول مجموعة الأسياد الذين “لم يترددوا بالمخاطرة بأوراحهم لأجل الحصول على تيك الإعتبارات، والتي بطبيعة الحال هي امتيازات عليا”؛ والمجموعة الثانية هم العبيد الذين رضوا بكم أقل من احترام الذات بسبب خوفهم العميق من الموت.

ورغم أننا نختلف هنا مع العظيم هيغل، إلا أننا نستميحه عذرا لنستعمل منهجه في رؤية ما كنّا فيه قبل فعل الشرف الذي بدأ حين صرخنا أول مرة في درب ثورتنا المغدورة، لنصل إلى ما نصبو إليه من مقالنا هذا.

ولنترك مولانا هيغل وفوقيته علينا كعرب، ونذهب لنعزز نظرته تلك، لنراقب ملامحه وهو يرانا في أول مظاهرة مشينا فيها في مدينة حلب، حيث كانت الكثير من ملامحنا وأسمائنا دون أيةِ أهمية تذكر.

فمنذ أول خطوةٍ صرخنا فيها في شوارع حلب، راحت تتساقط في دواخلنا هياكل الخوف، وبتُّنا نتعرفُ على ذواتنا من جديد، وكأن كل هتاف نردده يكشف بعضا من أعماقنا، وشعرت أني لأول مرة أمتلكُ إسما وأنتمي لوطن، وأن هذي الشوارع التي مررت بها ألاف المرات راحت تمد أيديها كي تعانقنا، ورائحة الدروب بدت أكثر قدما في أرواحنا، والصرخات عزلتنا عن الكون، فكنا خائفين حد الموت ومسرورين حد الحياة. وازداد صدى هتافاتنا فكان أعظم من كل صوت سمعته في حياتي، وبدأت أرى ملامح رفاقي كأنني أراهم أول مرة، لقد عدنا للحياة يا رفاق العمر والحنين، كنّا نصرخ وننظر وجوه بعضنا كأننا نرانا لأول مرة، بتنا نتعرف على حقيقة كل منّا، تلك الحقيقة التي يحتاج سوانا لعمرٍ بأكمله ليعرف بعضا منها.

راح أناس كثيرون ينضمون إلينا ويذوبون بيننا، كل من يدخل بيننا يفقد قدرته على النطق بأي شيء سوى بهتافاتنا التي كانت دموع الوطن المطعون منذ عقود وعقود، وكأنه كان يشتاق إلى خطواتنا التي أوقفت نزفه الطويل، حتى رحنا نظن أن الجدران والأماكن والمفارق والأحجار والأرصفة… وكل من في الأرض يهتف معنا. لقد كان ذاك الشعور خدرا غرائبي اللذة، لو ذاق بعضه أهل الثراء لتسابقوا إليه حفاة عراة.

إن للوطن نفحات لو سكنت ذرة منها فينا لأثملتنا بقية العمر القصير، لقد كانت مظاهراتنا ليست فقط أعظم ما عرفته في حياتي من شرف وإباء، لقد كانت على ذاك أعمق لذةِ عاينتها في حياتي، وأقصى سرورٍ ملأنى مرات ومرات، وأبعد شعور أخذني مني حتى بتُّ أرى الكون منه بقية عمري المحطم.

لقد كنا نسهر كل الليل لنمشي في الصباح، ننتظر ونحن نعد الثواني لنتحدى الموت.

بعد شهور أمسينا في كل مرة نحدد موعدا جديدا لمظاهراتنا، نودع بعضنا البعض، ويحضن كل منّا صاحبه، ونحن نعلم أنَّ بعضنا لن يعود.

ومع أول شهيد منّا سُفِحَ دمه على ضفاف صرخاتنا؛ انتهى الحلم المسجى بملامح الآتي المكدس بالحرية. أمسينا نهتف ليرانا أولئك الذين يعتبرون أن حناجرنا ودماءنا وأعمارنا وخطواتنا وأقدرانا وأسماءنا ومدننا وشوارعنا وموتنا؛ ملك لهم وحدهم فقط.

وعرفنا بعد شهور طويلة أنهم بكل ما فعلناه خلال كل ما مضى لم يرونا أبدا.

لقد كانوا يسمعون من هتافاتنا أصوات رصاصهم فقط، لقد رأوا في خطواتنا رخصة للموت ليس أكثر، لقد عرفنا أخيرا أنهم أقبح مما تصورنا بكثير، وأبعد في الخيانة بكثير، وأن مصابنا فيهم بحجم غدرهم بنا.

والحقيقة أن قتلهم لنا في الشوارع كان محزنا ومؤلما في آن معا، لكنه بذات الوقت كشف لنا كم هم ضعفاء ومفلسين، ما كانوا يملكون سوى القبور ليعطونا إياها، لم يخبئوا لنا، طيلة تلك السنوات التي حكموا وظلموا فيها، سوى الموت. لم يستطيعوا أن يقدموا أي شيء سوى الفناء والدمار، إن هذا بحد ذاته طاعن في الخيبة.

الحقيقة التي لم يعرفوها أننا كنّا محتاجين لاعتراف بحجم الوطن بأننا مرئيون، بأننا لسنا عبيدا لأحد، بأن صمتنا عنهم لم يكن ضعفا بل نبلا لكنا حين صرخنا أسمعنا الكون كله؛ كنا نهتف ونحن نعلم أننا سنموت، لكن الهتافات أمست أكبر من رغبتنا بالبقاء، فدونها سنتحول لعبيد جبناء ثاروا ثم صمتوا مرة أخرى، لقد كانت جرائمهم فيها هي الدافع الأعمق لاستمرارنا، إلا أن الطغاة لا يسمعون.

إن نهاية التاريخ في تصور الكثيرين هي توقف الحياة بكل مظاهرها على هذه الأرض. والحقيقة أنها ليست كذلك، فنهاية التاريخ هنا هي مآله لسكون مطلق لا يُبقى له أي سبب ليستمر في كونه تاريخا من حيث أنه يفتقد لأي حدث يحركه.

إن أعظم ما فعلته في حياتي كانت تلك الخطوات في ثرى الأرض التي دُفن تحتها كثيرون ممن أحبهم، لكنها لم تذهب هباءً لقد كان ذروة ما فعلناه أنا وأبناء جيلي؛ أننا، رغم كل دماءنا التي سكنت جدران الشوارع وعتمات الزنازين، كشفنا لكل هذا العالم الوجه الحقيقي لهم؟

لقد أجرم نظام الأسد فينا كما لم يفعل أحد في التاريخ، وبهذا فقد توقف تاريخه مذ أول قطرة سُفحت على درب حريتنا، وأسدلت الستائر عليه لأنه انكشف على حقيقته وأنتهى مذ حينئذ. لم تذهب صرخاتنا دون ثمن، لقد أمسى لدينا حضارة من تضحيات وعطاء، وأكوان من خالدين وسماوات يملؤها الشرفاء، لقد أسقطناهم بحق أننا مواطنون سوريون، بقوا هم بحق أنهم غرباء ومجرمون.

نحن من أوقف التاريخ حين هتفنا أول مرة لنعلن للعالم أن التاريخ، الذي نبدو دونه كالأشياء لا ذاكرة لها، ولدَ منذ الأزل في وطننا العظيم سوريا، لقد أوقفنا التاريخ لنستعيد هويتنا وتاريخنا ووطنا المغدور.

وسنبدأ التاريخ من جديد حين نسترد وطننا الذي بات يئن من وقع سياط المحتلين على قدر ما يوجعه لهاث الخائنين.

بداية الثورة كانت بداية الحقبة التي سنكون فيها ذواتنا، ننتمي فيها لأسمائنا وأوطاننا وتاريخنا وشهدائنا و هتافاتنا العتيقة وخطواتنا الأولى، وحين يكون كل هذا فأننا نقول أن بداية ثورتنا كانت نهاية تاريخٍ كنا فيه لا نشبه أنفسنا أبدا، تاريخ لن نسمح له بالعودة مهما فعل الطغاة.

٭كاتب سوري

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق