مآلات اشتراكية أنظمة عربية.. سورية مثالاً

عبد الباسط سيدا

جسر: متابعاتاعتمدت الأنظمة العسكرية التي حكمت مجموعة من الدول العربية (العراق وسورية وليبيا والجزائر والسودان منذ بداية الستينيات، ومصر منذ صيف 1952) تقسيماً شعبوياً وزّعت بموجبه الدول العربية بين “الأنظمة التقدمية” و”الأنظمة الرجعية”. والقاسم المشترك بين المجموعة الأولى تبنّيها الأيديولوجية القومية الاشتراكية لشرعنة سلطتها، والزعم بأنها جاءت لإنصاف العمال والفلاحين أو المنتجين، وتحقيق الوحدة العربية الشاملة من المحيط إلى الخليج. وكانت المجموعة الثانية التي غالباً ما كان يعرّفها الباحثون المحايدون المعتدلة تستمد قوّتها وشرعيتها من مجتمعاتها الأهلية، ومن قدرتها على التحكّم في الآليات التي توزّع النفوذ، والقدرة على التوجيه والضبط ضمن المجتمعات المعنية. وكانت هذه المجتمعات هي الأخرى تسترشد بالأيديولوجيا القومية الموشّاة إسلامياً، ولكن من دون أي التزام صارم إلى الحد الذي يجعلها أنظمة عقائدية، تتخذ من الأيديولوجيا المعنية مذهباً دوغمائياً صارماً، تستند إليه في عملية تكريس السلطات، والتخلص من الخصوم الآنيين والمحتملين.

وبالتناغم مع ظروف الحرب الباردة التي سادت العالم ومعادلاتها، وضمناً المنطقة العربية، بعد الحرب العالمية الثانية، اصطفّت “الأنظمة التقدمية” مع المعسكر الاشتراكي، في حين أن “الأنظمة الرجعية”/ المعتدلة، بنت، ووثّقت، علاقاتها مع المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. ومع مجيء أنور السادات إلى الحكم في مصر عام 1970، بدأ الخط العام للأنظمة العسكرية يتحوّل تدريجياً، ولم تعد العلاقة مع الروس تمثل المحور الناظم لعلاقات تلك الأنظمة الخارجية؛ أو لبعضها على الأقل. وكان توجه السادات نحو أميركا تحت شعار 99.99% من أوراق الحل هي بيد أميركا. وبعد طرد الخبراء الروس في 1972، وزيارته القدس المحتلة في 1977، والتوقيع على اتفاقية السلام مع إسرائيل في كامب ديفيد في 1978؛ أخذت الأمور منحى جديداً بالنسبة لتلك الأنظمة الثوروية التي كانت قد شكّلت جبهة الصمود والتصدي عام 1977 (ضمت ليبيا وسورية والعراق والجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية واليمن الديمقراطية الشعبية). ونتيجة الضغوط التي مارستها الجبهة المعنية، اتخذ مجلس جامعة الدول العربية في بغداد ربيع 1979 قرار تعليق عضوية مصر في الجامعة، ونقل المقر مؤقتا إلى تونس.

أما في سورية، فقد أخذت الأمور توجهاً أكثر تعقيداً، بفعل المتغيرات الداخلية في صفوف المجموعة التي كانت تتحكّم في سلطة “البعث” بعد انقلاب 1963، إذ تمت عمليات إبعاد وتغييب وتصفية داخل تلك المجموعة، حتى استقرت الأمور أخيراً لحافظ الأسد الذي قاد انقلابه على رفاق الأمس تحت اسم الحركة التصحيحية عام 1970. فمع وصول حزب البعث إلى حكم سورية، تبنّى الشعارات الاشتراكية. وبناء عليها، طبق الحزب المعني مشروع الإصلاح الزراعي الذي كان قد بوشر العمل به منذ أيام الوحدة مع مصر، ولكن السلطات البعثية الجديدة عمدت إلى تطبيقه بحماس أكبر، وبصورة أكثر جذرية. وقد حققت تلك السلطات بذلك أمرين، على صعيد إضعاف خصومها الفعليين، والمتوقعين، وإبعادهم عن ميدان التهديدات التي يمكن أن تتعرّض لها على المستوى الداخلي، فالإصلاح الزراعي فكّك بنية المجتمع الأهلي في الريف، ولم تعد الزعامات العشائرية والإقطاعية، وحتى الدينية، قادرةً على التأثير في مجتمعاتها المحلية، كما كانت تفعل في السابق، بل بات الفلاحون من خلال الجمعيات التي تشكلت لهم، يمثلون السلطة الجديدة في الريف، بدعم وتوجيه مباشريْن من منظمات حزب البعث، والأجهزة الأمنية التابعة للنظام الجديد.

وفي الوقت ذاته، وضعت إجراءات الإصلاح الزراعي حداً لتمدّد البرجوازية المدينية نحو الريف، إذ كانت هناك استثمارات كبيرة في ميدان زراعة القطن، لأهمية هذه المادة للصناعات النسيجية السورية، وهي الصناعات التي امتازت بشهرة واسعة واعدة على المستويين، المحلي والدولي، في ذلك الحين. ومما ترتب على تطبيق الإصلاح الزراعي مصادرة احتمالات التفاعل بين المدن السورية الكبرى، خصوصا حلب ودمشق والريف السوري الزراعي، وهي احتمالات كان من شأنها، في حال تحققها، تشكيل تهديد فعلي لسلطات “البعث” في ذلك الحين. وكانت الشعارات المطالبة بضرورة محاربة الرجعية الداخلية، المتمثلة في الإقطاع، والاستعداد لمواجهة مؤامرات الرجعية العربية المتعاونة مع المشاريع الاستعمارية، هي المادة الإعلامية اليومية الشعبوية التي كانت تُستخدم لتجييش الفلاحين الفقراء، والبسطاء من الناس، ضد المالكين الكبار، والزعامات المجتمعية. والطريف هنا أن سياسة البعث لم تلحق الأذى بالمجتمع الأهلي في الريف أو التجار وأصحاب مصانع النسيج في المدن فحسب، بل حدّت كثيراً من درجة التأييد للحزب الشيوعي السوري نفسه الذي كان له نفوذه الشعبي الكبير في ذلك الحين، فبينما كان يدعو نظرياً إلى سلطة العمال والفلاحين، تمكّن حزب البعث عملياً من توزيع الأراضي على الفلاحين، واستطاع، عبر عمليات التأميم، إقناع العمال، في مختلف المصانع والمؤسسات في المدن، بأنهم أصبحوا المالكين الجدد لها، باعتبارها أصبحت من ملكية الدولة، والدولة تمثل سلطة العمال والفلاحين. وكان النموذج الاشتراكي السوفييتي المثال الذي تم تبنّيه، لتكون التجربة الاشتراكية البعثية في سورية نسخة عنه.

وهكذا حلّت الجمعيات والنقابات التي شكلتها سلطات “البعث” في الريف والمدينة محل المجتمع الأهلي في الريف، والتجار وأصحاب المصانع والمؤسسات التجارية في المدن؛ وباتت الكوادر الأساسية ضمن تلك الجمعيات والنقابات مرتبطةً عضوياً بحزب البعث الذي كان يشرف على انتخاباتها، ويحرص تدريجياً على جعلها منظماتٍ رديفة تابعة لحزب البعث، مع أنها كانت تضم مستقلين عديدين، ومن أعضاء الأحزاب الشيوعية والقومية، العربية والكردية.

ومع سيطرة حافظ الأسد على مقاليد الحكم في سورية عام 1970، انتقلت سورية إلى مرحلة جديدة، فبعد أن تمكّن من إقصاء رفاقه، والتخلّص منهم بمختلف الوسائل، توجّه نحو التأسيس للدولة الأمنية الشمولية، ولم يعد تعبير الحكم البعثي قادراً على توصيف طبيعة الحكم في سورية، بل باتت الطريق سالكةً أمام التمهيد للحكم الأسدي الذي تُوّج في الثمانينيات بشعار: “قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد”.

في ظل حكم حافظ الأسد، باتت النقابات واتحادات الطلبة والنساء والفلاحين، ومختلف الروابط، جزءاً عضوياً من النظام الأمني. ولم يعد للأحزاب دور عملي في الحياة السياسية، بعد موافقتها  على مشروع الجبهة الوطنية التقدمية في سورية بقيادة حزب البعث، وبعد إقرار المادة الثامنة من الدستور، وهي التي كانت تنصّ صراحة على أن حزب البعث هو الذي يقود الدولة والمجتمع. ولم يشأ حافظ الأسد أن يترك الأوضاع الداخلية بكل تفصيلاتها للمصادفة، فقد كان يتحسّب دائماً لزعامات المجتمع الأهلي ورجال الدين وتجار المدن. فهم نتيجة عوامل النقمة، ومشاعر الإحباط، كانوا مادة قابلة للاستثمار من خصومه في الدول العربية، خصوصا من العراق في عهد صدام حسين، ودول الخليج وحتى مصر. وهي الدول التي كانت تهدّد، وفق منظوره، مشروعه على المستويين، المحلي السوري والإقليمي، ومن أجل ذلك عمل على استيعابهم، ولكن بمقاييس ومعايير أمنية دقيقة، لا تترك أي مجال للمجازفة. وكان ذلك عبر استمالة رجال الدين، وإتاحة المجال أمام تجار المدن المقرّبين لممارسة نشاطهم بمزيد من الحرية تحت شعار تشجيع القطاع المشترك؛ وعلى قاعدة التشارك بين أهل الحكم وأهل المال. وتمكّن بذلك من جذب زعامات مجتمعية عديدة في الريف عبر إشراكها في المجالس المحلية ومجلس الشعب؛ وإعادة الاعتبار لبعضها بأساليب مختلفة، منها إعادة قسم من الأراضي التي كان قد تم الاستيلاء عليها. وقد أدت جمعية الإمام مرتضى التي أسسها جميل الأسد عام 1981 دوراً كبيراً في هذا المجال، إذ تمكّنت من ربط الزعامات العشائرية والمناطقية في أرياف محافظات الحسكة ودير الزور والرقة وحماة وحمص وغيرها من المناطق، بعجلة المشروع الأسدي في صيغته الطائفية، الأمر الذي فتح المجال الواسع لاحقاً أمام حملات التبشير الإيرانية، في ظل التحالف الوثيق بين نظام حافظ الأسد العلماني في سورية ونظام ولي الفقيه الإسلامي في إيران.

وتجلت النتيجة على المستوى السوري في الضبط الأمني الصارم للمجتمعين، المدني أو المديني والأهلي أو الريفي، واتخاذهما ساحتين رئيستين من ساحات تسويق ديماغوجية “القائد الملهم” – المؤلّه، والذي تمكّن من الوصول إلى مستوى قياسي من التحكّم، استطاع بموجبه فرض بدعة التوريث وإلزام بطانته الفاسدة، المنقسمة على مصالحها، بالرضوخ لمشيئة القائد “الأبدي الاستثنائي” حتى وهو في قبره.

العربي الجديد 10 أيلول/سبتمبر 2019

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق