في البؤس الثقافي للراديكالية: استعادة الديمقراطية أم تجاوزها؟

محمد سامي الكيال

جسر: متابعات:

شهدت مدينة فرانكفورت الألمانية مؤخراً مشهداً لا يخلو من طرافة، يطرح عدداً من الأسئلة المهمة عن الممارسة السياسية والثقافية المعاصرة. في المعرض الدولي للسيارات الذي يقام سنوياً في المدينة، وهو أحد أهم المعارض في مجاله على المستوى العالمي، أعلن الناشطون البيئيون «عصياناً شاملاً» ضد قطاع صناعة السيارات الألماني، والدولة الألمانية نفسها، التي ليست، حسبهم، إلا وكيلاً وراعياً مخلصاً لهذه الصناعة. إلا أن بعض المعلقين لاحظوا أن اثنتين من أهم المنظمات «غير الحكومية» التي نظمت الاحتجاج، مدعومة وممولة بشكل مباشر من الدولة ذاتها.

هكذا كان على المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن تحضر افتتاح المعرض، على عادة أسلافها، لتشرف على أحد أهم أعمدة ازدهار دولتها ومشروعها السياسي، وتتحدث في الوقت نفسه عن «الانتقال البيئي»، وسط غضب المحتجين، الذين يدينون لمن يتمردون عليهم بجانب كبير من قدرتهم على الحشد والنشاط. قد يبدو مشهداً مغرقاً في النفاق، ولكن لا يمكن بالتأكيد اختزاله في هذا الجانب. فنحن لا نشهد هنا ازدواجية السياسيين والناشطين وحسب، بل نمطاً متكرراً لما يسميه البعض «راديكالية» في أيامنا، يبدو فيه الخارجون على المنظومة جزءاً عضوياً منها. ولا يغادر الاحتجاج الأفق الذي تحدده قيم السلطة نفسها. فما هو سبب انسداد أفق الراديكالية، حتى على مستوى المخيلة السياسية والثقافية؟ وهل يمكن أن نمتلك تصوراً نظرياً لتجاوز هذا الانسداد؟

مشكلة الدولة والطبقة

حسب المخطط الماركسي اللينيني الكلاسيكي للثورة والتغيير، كانت الأمور أكثر وضوحاً: توجد طبقة اجتماعية ذات مصلحة وقدرة على قلب منظومة العلاقات الاجتماعية، أي علاقات الإنتاج وما يرتبط بها من سلطة سياسية وحقوقية وثقافية، وتسعى للاستيلاء على جهاز الدولة لتحقيق ديكتاتوريتها – ديمقراطيتها الطبقية، وتنفيذ التغييرات الاجتماعية اللازمة على كل المستويات. اليوم تبدو الأمور أكثر تعقيداً، فلا الطبقات الاجتماعية قادرة على تحديد نفسها، وامتلاك وعي مناسب لتصبح «طبقات لذاتها»، ولا الدولة تحتل مواقعها القديمة، بوصفها مجموعة من الأجهزة العنفية والأيديولوجية المسيطرة ضمن نطاق وطني مؤطر بحدود واضحة. محاولة الاستيلاء على جهاز الدولة، لتحقيق برامج سياسة طموحة، لم تثبت فائدة كبيرة في عصرنا، فسواء في حالة حركات «اليسار الجديد»، مثل سيريزا في اليونان، أو نجاحات اليمين الشعبوي الانتخابية، كما في بريكست في بريطانيا، وحركة النجوم الخمسة في إيطاليا، لم يغيّر الحكّام الجدد إلا نبرة الخطاب السياسي، في حين بقيت معظم القضايا المهمة تدار بالطريقة المعتادة نفسها.

لا يعني هذا أن سلطة الدولة تضاءلت، أو أننا نعيش في مجتمع بعد طبقي وبعد أيديولوجي، فالعولمة، بما يشاع عن مرونتها وحدودها المفتوحة، لا يمكن أن تعمل بدون أجهزة دولة قوية وهيمنة أيديولوجية وسيطرة طبقية. ما حدث أن موقع الدولة اختلف ضمن المنظومة العالمية، فلم تعد سلطة فوقية ذات مؤسسات انضباطية صارمة، بقدر ما صارت وكيلاً لتنظيم وتوجيه التدفقات المختلفة في عالم أكثر ترابطاً: حركة رأس المال والمعلومات والبشر، حتى الحروب التجارية والجمركية التي نشهدها مؤخراً لا تخرج عن هذا الإطار التنظيمي. الأيديولوجيا النيوليبرالية واكبت هذا التغيير لتجعل «الإدارة» بديلاً عن السياسة. وتم تعميم إسلوب إدارة الشركات الخاصة على العمل الحكومي. يبدو السياسيون المعاصرون أقرب لمديرين تكنوقراطيين من كونهم أصحاب دعاوى اجتماعية وسياسية. في حين لم يطل التفكك الاجتماعي الطبقة العاملة فقط، بل البورجوازية الصناعية نفسها. اليوم أصبحت فئة المديرين وأعضاء مجالس الشركات والموظفين ذوي الدخل العالي هي الأكثر تأثيراً في صياغة التوجهات العامة، وهي فئة تكتسب حيثيتها من وظيفتها الإدارية أكثر من حجم ملكيتها، وقادرة على تغيير مواقعها وولاءاتها بسهولة. نموذج غيرهارد شرودر، المستشار الألماني السابق، شديد الدلالة في هذا السياق، فذلك السياسي الديمقراطي الاجتماعي سابقاً، صاحب «أجندة 2010»، التي نالت من حقوق العمل المترسخة في بلاده، لم يجد حرجاً كبيراً في أن يصبح مديراً في شركة نفط روسية، في المعسكر المضاد لحلف الناتو، الذي كان من قادته يوماً ما.

الأيديولوجيا الشاملة

ضمن هذا الشرط توجد أيديولوجيا واحدة، هي في جوهرها ضد سياسية وضد اجتماعية، ما يمكّنها من إخفاء طابعها الأيديولوجي وراء ضرورات العقلانية الأداتية: معايير الكفاءة ومراقبة جودة المعايير والأداء. فيتخذ التحكم السلطوي طابعاً محايداً، ومنتشراً بمرونة على امتداد الجسم الاجتماعي: أضبط نفسك وراقبها كي تجد لنفسك مكاناً في السوق! أن تكون بورجوازياً اليوم يعني الانتماء إلى نمط حياة وأسلوب تفكير يحقق معايير الكفاءة هذه. والأفكار لم تعد «قناعات» يمكن نقاشها وتغييرها، بل مؤسسات اجتماعية لا مفرّ من الخضوع لها. أخلاقيات نمط الحياة هذا صارت مدمجة في السلع نفسها: الأغذية العضوية، الطاقة «النظيفة»، العمارة «المستدامة»، السيارات الهجينة، إلخ. وتساهم المؤسسات الثقافية والإعلامية والمنظمات غير الحكومية في هذا التسليع للقيم الأخلاقية والثقافية. هكذا يمكن للدولة، بدون نفاق كبير، أن تدعم في الآن نفسه كارتلات صناعة السيارات، ذات الميل الشديد لإنتاج سلع جديدة أكثر «نظافة»، والأجهزة الأيديولوجية التي تحدد معنى هذه النظافة. لا مكان للسياسيين الأيديولوجيين التقليديين في هذه البنية، أما الشعبويون فيملكون كفاءتهم الخاصة ضمن المعايير النيوليبرالية، فهم أشبه بأبطال ناجحين لبرامج تلفزيون الواقع.

إلا أن الدولة لا تهيمن على كل أشكال الاحتجاج، ولا تعتمد فقط على التحكم المرن، فقد شهدنا خلال مظاهرات السترات الصفراء في فرنسا مظاهر مقلقة لعنف الدولة «الصلب»: رصاص مطاطي موجه لعيون المتظاهرين، حالة ذعر في الإعلام البورجوازي، وميل شامل لتشويه صورة المحتجين. مثل معظم الحركات الاجتماعية في عصرنا لم تمتلك «السترات الصفراء» ومثيلاتها أفقاً واضحاً، إلا أنها أتت من خارج نطاق الهيمنة الأيديولوجية السائد. ما يطرح سؤال التغيير الراديكالي من جديد.

ديمقراطية أم ازدواجية سلطة؟

توجد حالياً، بين مفكري اليسار الأكثر تأثيراً، ثلاث وجهات نظر لتجاوز الانسداد في أفق الاحتجاج الراديكالي. الأولى هي استعادة الديمقراطية والسياسة من خلال التكتيك الشعبوي: خلق مفهوم جديد للشعب، عن طريق تأسيس ائتلاف واسع بين فئات ذات مطالب متعددة، يحدد نفسه بمواجهة خصوم هذا «الشعب»: المديرون والسياسيون النيوليبراليون. يجب على الائتلاف أن يسعى لفرض هيمنته على مؤسسات الديمقراطية الليبرالية، واستعادة مفهوم «السياسة التصارعية»، التي تطرح عدداً من البدائل السياسية الفعلية، يمكن للمواطنين الاختيار بينها، بدلاً من أحادية مفهوم الإدارة النيوليبرالي. أفضل من عبّر عن هذا الموقف الديمقراطي الراديكالي في أيامنا البلجيكة شانتال موف، والأمريكية نانسي فريزر. إلا أن هذا المفهوم لا يلحظ كثيراً التغيرات الموضوعية في الإمكانيات الفعلية للمؤسسات الديمقراطية، ولا يقول شيئاً عن ماهية «البدائل» المتعددة، التي يجب أن تعيد السياسة الشعبوية تقديمها لتجاوز مأزق الراديكالية. وهذا يقودنا إلى الموقف الثاني الذي يعبّر عنه سلافوي جيجيك. فالحلول الديمقراطية، حسبه، لم تعد قادرة على مواجهة المشاكل العالمية الكبرى، كما أنه لا توجد ضمانة، حتى بدون التحكم الأيديولوجي السائد، لأن يختار الناس الحلّ الأنسب. «الشيوعية» حسبه اليوم لا يمكن أن تكون إلا عالمية، تتجاوز محدودية الدول الوطنية، التي باتت في طريقها للانحلال. يلمّح جيجيك أيضاً إلى أهمية «القادة الحقيقيين»، الذين يبتكرون الحلول ثم يتركون الناس للتأقلم معها واكتشاف فاعليتها. بدون أن يوضّح بشكل جدي طبيعة القوى الاجتماعية التي ستنتج هذا الحل العالمي، والأسس الموضوعية التي سيقوم عليها.

على الرغم من انتقاداته للفلسفة الهيغلية، يبدو موقف المفكر الإيطالي أنطونيو نيغري أكثر ديالكتيكية. في مقال نشره حول احتجاجات السترات الصفراء، يتحدث نيغري عن «تحويل الجمهور إلى طبقة قادرة على تغيير العلاقات الاجتماعية». إلا أنه لا يعني بذلك إعادة استنساخ التكتيك اللينيني القديم في الاستيلاء على جهاز الدولة، فمن الصعب، حسبه، إرجاع الجمهور إلى السلطة. الأجدى إيجاد تنظيمات للبشر، قائمة على التسيير الذاتي، تنتزع مساحات من سلطة رأس المال، وتجبرها على تقديم تنازلات، ومنح مكاسب أكبر للجمهور المنظم. إنها حالة «سلطة ضد سلطة»، تذكّر بوضع ازدواجية السلطة في روسيا قبيل الثورة البلشفية، حين تجاورت سلطة ثورة فبراير/شباط البورجوازية، ومن ثمَّ الجمعية التأسيسية المنتخبة، مع سلطة المجالس العمالية. بالنسبة لنيغري تطبع هذه الازدواجية شرطنا التاريخي المعاصر، والعمل في إطارها هو ما يمكن أن يقي من عبثية الحلول الشعبوية اليمنية واليسارية.

لا يمكن الجمع بين وجهات النظر آنفة الذكر، فكل منها قائم على موقف نقدي واضح تجاه البقية. ولا نظن أنها قادرة على تجاوز بؤس المخيال الراديكالي المعاصر، إلا أنها مجتمعة قد تبثُّ بعض الحيوية بالجانبين الاجتماعي والسياسي في عالم الهيمنة النيوليبرالية.

القدس العربي 20 أيلول/سبتمبر 2019

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق