التحالف الدولي: دوره وأثره في ريف دير الزور

دراسة ميدانية أعدَّها ناشط من دير الزور

احتفالات قسد بـ”تحرير الرقة” من داعش، دوار النعيم/انترنت

منذُ الإعلان عن تشكيل تحالف دولي لمحاربة تنظيم الدولة في سورية والعراق العام 2014، والذي ضمّ في صفوفه أكثر من عشرين دولة، وبداية الحملة العسكرية ضد هذا التنظيم في العاشر من أيلول من العام نفسه، وبمشاركة دول عربية كمصر وقطر والبحرين والسعودية…، بدأت طائرات التحالف تدك مواقع التنظيم بلا هوادة. ومع اشتداد قصف التحالف لجأ التنظيم إلى تغير خططه، فانزوى إلى المدن المكتظة بالسكان للاختباء من ضربات الطيران، ومع هذا التكتيك الجديد للتنظيم عمدت قوات التحالف إلى ضربه أينما وجد، مستخدمة أحدث صنوف الأسلحة وأكثرها فتكا وتدميرا، فزاد الدمار دمارا، والخراب خرابا في بلادي…

وبعد طرده من الرقة وهزيمته هناك وانحساره إلى محافظة دير الزور، كثّف التحالف من قصفه وضربه لمواقع التنظيم؛ أملا في القضاء عليه بأقصر الطرق وأسرعها، وقد أدى ذلك كلّه إلى تدمير الشجر والحجر وقتل البشر، فسقط مئات القتلى من المدنيين، ودُمرت البُنى التحتية المدمرة أصلا جراء قصف النظام لمناطق سيطرة المعارضة منذ 2011، مضافا إليها ما قام به التنظيم من هدمٍ للمؤسسات الحكومية من خلال تدميره للجدران، والأبنية المرتفعة، وخزانات المياه، وغيرها ما تبقى من الأجهزة والأدوات والمصانع والمعامل؛ بل كل شيء يباع، أملا منه في توفير سيولة مالية لتغطية تكلفة قتاله وثباته أمام قوات التحالف الدولي، وأمام هذه المعطيات تمّ تدمير المدن والبلدات والقرى، فسوّيت حارات بأكملها جراء ذلك، ودُمرت البُنى التحتية في هذه المناطق.

أطفال شرق الفرات إلى جانب إحدى عربات التحالف/انترنت

وفي قراءة سريعة لما حلّ في ريف دير الزور، كونه أصبح المعقل الأخير لتنظيم الدولة قبل انكفائه إلى البادية، حاول التنظيم حتى اللحظات الأخيرة أن يدافع عنه بكل ما أوتي من قوة، هذه القوة ظهرت آثارها ومعالمها، ونتائجها بعد انتهاء المعركة.

هُنا وبعد الانتهاء من العمليات القتالية ضد تنظيم الدولة، وإعلان النصر عليه بشكل رسمي، كان التحالف قد قدم نفسه للمنطقة وأهلها كحامل لقيم الديمقراطية والحرية، ومدافع عن حقوق الإنسان، ومحقق للأمن والأمان للمنطقة وأهلها… وغيرها من الشعارات التي تغنى بها، وروّج لها قبل وصوله إلى مناطقنا.

فعمد في البداية إلى تشكيل المجلس المدني في دير الزور في مناطق الريف الغربي، والتي تم تحريرها للتو في عام 2017، وقد ضم هذا المجلس أربع عشرة لجنة؛ كالزراعة والصحة والدفاع والمرأة والتربية…. برئاسة د. غسان اليوسف، وبعُجالة نقول إن هذا المجلس شكّل على عجل نظرا لطبيعة المرحلة، بيد أنه منذُ لحظة تأسيسه أصبح أداة تتحكم فيه وتقوده كوادر قسد التي تتولى زمام الأمور فيه، فأصبح هذا المجلس رهن هذه الكوادر ما أدى إلى تهميش المكون العربي تهميشا مُمنهجا، أدّى إلى طمس ومسح الهوية العربية ودورها في عقر دارها؛ في رقعة ينعدم فيها تواجد الأكراد؛ بل كانوا يحلمون في الوصول إليها لولا ظهور تنظيم الدولة ومساعدة التحالف ودعمهم غير المحدود لـ “قسد”، كل ذلك مكّن قسد من السيطرة والتحكم بالقيادة والإدارة ومفاصل الأمور كلها، وعمدت قسد إلى الزج بشخصيات سيئة الصيت من المكون العربي، شخصيات ليس لديها من القدرة والخبرة ما يكفي لتولي المسؤولية، رغبة منها في تصوير المشهد وتقديم المكون العربي بصورة سلبية لدى التحالف ليتيح ذلك لها استمرار تسلّطها وتحكمها بمفاصل الأمور، فمازال المجلس الذي شكل على عجل وبصورة غير صحيحة يتابع مهامه على الرغم من المطالبات بتغييره في احتجاجات شهدتها المنطقة، هذه الاحتجاجات لم تفلح في مسعاها، ﻷن المرحلة التي تمر بها منطقتنا ليس لصالح أصحابها؛ فانعدام التنظيم لدى المحتجين، ووجود خلايا التنظيم، والفئات التي تروّج للنظام، والقبضة الأمنية التي تشدها قسد بحجة ملاحقة خلايا التنظيم… كل هذه العوامل، وغيرها الكثير، أجهض الحراك.

دورية أمريكية عند الجدار العازل على الحدود السورية التركية شرق الفرات/انترنت

فالمجلس المدني الذي تسيطر عليه مجموعة المكون العربي؛ جماعة من المنتفعين ببقاء الوضع على حاله، وتدعمهم طبقة من الوجهاء الفاسدين الذين سعوا ويسعون لمكاسبهم الشخصية، وقد ثار الشارع ضدهم ورفع لافتات تندد بهم وتفضح سلوكهم…

هُنا وأمام هذه الاحتجاجات لجأ التحالف إلى التخفيف من امتدادها وأثرها، فعمد إلى عقد لقاءات واجتماعات مع أبناء المنطقة، والطريف في هذه اللقاءات والاجتماعات أن الحضور هم نفس الوجوه التي يلتقي بهم في كل مرة؛ في حركة محبوكة الجوانب، فالطروحات نفسها والمطالب نفسها التي في أغلبها شخصية نفعية ليس غير، وعندما يطلب التحالف توسيع رقعة هذه اللقاءات مع أبناء المنطقة، تقوم قسد بنفسها باختيار شخصيات محسوبة عليها، وما لقاء المسؤول الخليجي “ثامر السبهان” الذي حضر إلى المنطقة إلا نموذجا عن ذلك…

وعمل التحالف ودفع المنظمات للعمل بالمنطقة رغبة منه في تجميل صورة قسد من خلال المساعدة والمساهمة في تقديم الحاجات الأساسية للسكان.

مقاتلون من قسد وعربات للتحالف شرق الفرات/انترنت

وإذا تجاوزنا هذا الملف إلى ملفات أخرى، نجد فيها من السوء ما يشي بأوضاع مزرية وكارثية على المنطقة وأهلها، ففي وقت تدعي فيه قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية محاربتها للنظام سياسيا واقتصاديا؛ ففي الجانب الاقتصادي، على سبيل المثال لا الحصر، عمدت قسد إلى دعم النظام عبر وسطاء محليين كـ”القاطرجي”، إلى مدّ مناطق سيطرة النظام بالنفط في وقت تعاني المنطقة وزراعتها من أزمة خانقة في الحصول عليه إلا بسعر مرتفع من السوق السوداء، حيث يصل سعر الليتر الواحد إلى 140  ليرة سورية، في وقت تتوفر فيه هذه المادة في معقل قسد في محافظة الحسكة بسعر متدن، 55 ليرة لليتر الواحد، في مفارقة تبعث على الاستهجان والغرابة، فالمنطقة تعوم على نهر من النفط، فيُحرم أهلها منه على مرأى ومسمع من التحالف، ما يضع مئة إشارة استفهام حول هذه القضية، إشارة زادت من غرابة المشهد وتعقيده، مشهد دفع السكان إلى الاحتجاج على ما تقوم به قسد وسط تجاهل مقصود من قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

مدرعات أمريكية تابعة للتحالف/انترنت

وهذا يقودنا إلى ملف آخر أكثر أهمية وهو الملف الأمني ملف تشرف عليه قوات التحالف إشرافا مباشرا، فبعد انتهاء العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة وإعلان ترامب المُفاجىء الخروج من سورية، استفادت قسد من هذه القضية في الضغط على المنطقة وأهلها ووضعتهم بين خيارين أحلاهما مرُّ؛ قسد بفسادها وتهميشها للمكون العربي، أوالنظام وحلفائه الإيرانيين والروس الذين يتحينون الفرص للانقضاض على المنطقة، فأصبح السكان بين فكي كماشة وسط تجاهل الولايات المتحدة لهذه الظروف، ومعاناة السكان ومطالبتهم بالتغيير وتحسين الوضع المعيشي. وأمام كل هذه المعطيات عمدت قسد إلى حملات المداهمة في المنطقة كلّها بحجة البحث عن خلايا التنظيم، هذه الخلايا خرجت من السجون بأمر منها؛ تسرح وتمرح في المنطقة بمباركة من قسد، فهذه الخلايا دفعت الرشا لقيادات قسد عشرات الآلاف من الدولارات مقابل إطلاق سراحهم، وقد تخلل هذه الحملات أخطاء قاتلة أدّت إلى قتل عشرات المدنين الأبرياء في المنطقة، من خلال الإنزالات الجوية الفاشلة بامتياز، فهذه العمليات إمّا أن تستهدف المدنيين، وإما أن يتمّ الإفراج عن الشخصيات المعتقلة، والتي ثبت انتماؤها لتنظيم الدولة، نتيجة للفساد المستشري في صفوف قسد، وقد استفادت قسد من هذه الحملات في فرض سلطتها وسيطرتها على الجانب الاقتصادي فهي تتحكم بمفاصله وتفعل ما يروق لها، فنقلت المعدات الثقيلة، والأجهزة الدقيقة من المنشآت النفطية على مرأى ومسمع الجميع بمن فيهم التحالف نفسه.

وإذا انتقلنا إلى وضع التعليم في ريف دير الزور فقد أهمل إهمالا كبيرا، فالمدارس مدمرة، ونقص المستلزمات والكوادر التعليمية، وعدم وجود منهاج في المنطقة، والفساد، وسوء الإدارة، وإشراف شخصيات ليست من قطاع التعليم، كلها أمور أفرزت وضعا مزريا في القطاع التربوي. واللافت للنظر أن المنظمات الدولية نفسها تتجاهل هذا القطاع بالرغم من أنه يمثل ركيزة أساسية في بناء المجتمع؛ خلا بعض أعمال الصيانة التي تقوم بها هذه المنظمات والتي لا تمثل الحد الأدنى المطلوب، بل لا تسمن ولا تغني من جوع بالنسبة لهذا الملف.

ومثله ملف الزراعة، العماد الرئيسي للاقتصاد المحلي، فقد أهملت إهمالا كبيرا، فلا دعم للفلاحين من المازوت، وارتفاع تكاليف الحصاد والتسويق، والفساد الذي شاب عمليات التسويق والسعر المتدني للقمح، كل ذلك أدّى إلى ازدياد نسبة البطالة، وخروج مساحات واسعة من الأرضي الزراعية، وهجرة سكان المنطقة ﻷراضيهم.

أمّا الخدمات فشبه معدومة، تحسنت تحسنا طفيفا بعد موجة الاحتجاجات ووعود المسؤولين الأمريكيين الموجودين في المنطقة بدعمها وتوجيه المنظمات الدولية للمساعدة والمساهمة في تحسين الوضع المعيشي، ولكن التحسن بقي خجولا لا يلبي الحد الأدنى للمطلوب.

وأمام هذه المعطيات وتلك نقول؛ إن التحالف بات في وضع لا يحسد عليه، ففي كل يوم يفقد مصداقيته المفقودة أصلا دون تحقيق نتائج ملموسة على الأرض، فلا شيء ينبىء بواقع جديد يحلم به سكان هذه المنطقة.

عسكري أمريكي شرق الفرات/انترنت

وعليه فإننا نرفع توصيات ومقترحات جُمعت من خلال لقاءات الفئات الأكاديمية، والناشطين والفعاليات الاجتماعية مع وفود التحالف، ومن خلال قراءة المشهد الحاضر، والتقصي والبحث، ومن خلال تصوّر مرحلي للخروج من الوضع الراهن، نلخصها في اﻵتي:

  1. رسم صورة واضحة وجلية عن شكل العلاقة والشراكة بين قسد والسلطة المحلية، السلطة التي يجب أن تشكل اعتمادا على الكفاءات وأهل الخبرة والدراية، وبالتالي بين المكون العربي والمكون الكردي، بإشراف وضمانة التحالف الدولي.
  2. إعطاء المكون العربي دوره كاملا في إدارة وقيادة مناطقه، والعمل على تهيئة الظروف لذلك، من خلال إشراف التحالف نفسه.
  3. العمل على معالجة الوضع الأمني المتردي كونه يمثل الهاجس الأكبر والأهم في حياة سكان المنطقة واستقراها.
  4. العمل على إعادة تأهيل قطاع “النفط والغاز”، بما يمكّن من الاستفادة من هذين القطاعين، من خلال إعطاء المنطقة حصتها من الناتج المحلي، والاستفادة من هذا الناتج في إعادة الإعمار وفي إعادة تأهيل البُنى التحتية المُدمرة، لضمان استقرار المنطقة، و يسمح و يهيئ الظروف والأجواء لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم.
  5. محاربة الفساد والمفسدين، فـ”قسد” وطوال الفترة الماضية أنتجت طبقة من المفسدين الذين يتحكمون بمفاصل الأمور في المنطقة، طبقة نمت ثروتها على حساب الغالبية من السكان.
  6. إيلاء ملفات التعليم والزراعة والصحة… الأهمية القصوى في المرحلة القادمة كونها تمثل الركيزة الأساسية لضمان أمن واستقرار المنطقة.
  7. العمل على محاربة الوجود الإيراني وتمدده الشيعي في المنطقة، بدلا من مغازلته، وطرده من شرق الفرات، وفتح الطرق أمام اتصال المناطق مع بعضها البعض، فوجوده في شرق الفرات قطّع أوصال المنطقة، وأفسح له المجال للمحاولة عدة مرات للتمدد وتهديد الأمن والاستقرار، وطرده من غرب الفرات بما يسمح بعودة السكان إلى قراهم وأرضهم.

فمازال الشعب العربي في هذه المنطقة يدفع ويلات الحرب المستعرة منذ 2011، حرب دمرت وقتلت وشردت مئات اﻵلاف من سكان هذه المنطقة، ومازال شعب هذه المنطقة ينظر بعين الشك والريبة، وهو ينتظر ويتأمل ويأمل من التحالف أن يفي بما وعد به، وعود يبدو أنها ذهبت أدراج الرياح، ومع هذه الرياح سيطرق أبناء المنطقة وسكانها أبواب أوروبا بحثا عن الأمن والأمان اللذين يفتقدهما في كل لحظة من لحظات وجوده على أرضه في ظل وجود التحالف وتمركزه على هذه الرقعة الجغرافية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق