مصرع آخر الخلفاء

جسر: رأي:

البغدادي يعلن خلافة داعش من على منبر جامع النوري الكبير في الموصل/انترنت

لم يغرز عدو سيفاً في صدره، ولا أصابه رمح في معركة، ولا ابتلع سمّاً كان يحتفظ به في خاتمه تحسباً لهذه اللحظة حسبما يحيل إليه المخيال عن معارك الخلفاء ونهاياتهم. بحسب الرواية الأمريكية، فجّر “الخليفة” أبو بكر البغدادي السترة الناسفة التي كان يرتديها، بعدما حاصرته مجموعة كوماندوس أمريكية في نفق المجمع السكني الذي كان يختبئ فيه، لنصل إلى النهاية المتوقعة لأحد أغرب فصول الإرهاب منذ نشأة تنظيم القاعدة وتفرعاته.

نهاية البغدادي كانت قدراً معروفاً للجميع مثل نهاية دولته، وسيكون من المستغرب حقاً لشخص على شاكلته ألا يعرف خاتمة مغامرته، وأن يكون قد مضى بها عن قناعة وإخلاص. على الأقل من المستغرب ألا يكون قد قدّر عواقب ذبح جيمس فولي على الرأي العام الأمريكي والغربي، وكيف أن معركة الجيش الأمريكي ضد داعش في شمال العراق ستتحول إلى معركة شاملة لا قدرة لتنظيمه على مجابهتها.

لو قُتل البغدادي قبل خمس سنوات لكان ذلك حدثاً مدوياً، أما مقتله بعد انهيار مغامرته فلم يعد له ذلك الوقع القديم رغم محاولة ترامب تفخيم الحدث على طريقته. رأينا مصرعاً مشابهاً قبل نحو ثمانية سنوات ونصف، عندما قُتل أسامة بن لادن بعملية مشابهة، وأيضاً بعد انهيار إمارة طالبان وتحوله من قائد وملهم للإرهاب إلى متوارٍ عن الأنظار يتدبر أمر نجاته يوماً بيوم. القدر المحتوم يربط بين الواقعتين، لا على الصعيد الشخصي فحسب وإنما أيضاً على صعيد تكرار المآل البائس للمشروع ذاته الأشبه بأسطورة سيزيف إذا أخذنا جانب حسن الظن.

لذا سنحظى اليوم بوفرة من التحليلات التي لا ترى في مقتل البغدادي نهاية لمشروع، والمؤسف فيها ما تحتمله من صواب. قبل التحليلات، سارعت جهات رسمية غربية إلى القول أن مقتل البغدادي لا يعني نهاية داعش، ولا يعني نهاية الإرهاب، وهي قراءة باتت معتادة من دون أن تُستأنف بتقديرات غربية تتعلق بالحرب عليه ومتى تنتهي، ومن دون جديد في ما يتعلق بأسبابه المباشرة وغير المباشرة. أهم من ذلك أننا، خارج إلقاء مسؤولية الإرهاب على الطرف الآخر، لا نحظى بروايات موثوقة عن الاستثمار فيه والاستثمار في الحرب عليه، ليبقى الشرق بطبيعته من وجهة نظر غربية مولّداً للإرهاب بحكم الثقافة الإسلامية، وليبقى الغرب من وجهة نظر مشرقية مولّداً للإرهاب بسياساته غير العادلة.

في الجانب المتعلق بنا، ثمة تفريق مغيَّب بين غضب قد يكون محقاً من سياسات غربية وطرق التعبير عن ذلك الغضب، فالغضب المشروع يفقد أحقيته وأخلاقيته عندما يسلك طريق الإرهاب الأعمى الذي يذهب ضحيته مدنيون ليسوا أصحاب قرار في مجتمعاتهم. هذا ما رأيناه في التفجيرات الانتحارية في أوروبا، حيث لم يحقق داعش أي نتيجة سوى ترويع الأبرياء، وبينما كان يتلقى الضربات الأقسى من القوات الأمريكية لم يتمكن حتى من ترويع المدنيين في الولايات المتحدة على النحو الذي فعله في أوروبا. وإذا أخذنا الحصيلة الكلية للضحايا في الجانبين، لا شك في أن الضحايا المحليين في الحرب على تنظيم القاعدة ومن ثم داعش، في أفغانستان والعراق وسوريا، أعلى بكثير جداً من مجموع الضحايا الغربيين، وكلفة هذه المواجهة غير المتكافئة على المنطقة واضحة جداً.

الواقع أن حرب التنظيمات الجهادية على المجتمعات المحلية لا تقل شراسة عن “الحرب على الإرهاب”، فحيثما تحكمت هذه التنظيمات أتت بمشروعها الخاص للهندسة الاجتماعية، ولم تجد طريقها إلى فرضه بـ”الحسنى” بل فرضته بممارسة أبشع أنواع القمع والإرهاب الداخليين. ذلك ينقض فكرة كونها تعبيراً عن حاضنة اجتماعية إسلامية، وحتى إذا كانت من قبل تلقى شعبية في بعض الأوساط فإن استلامها السلطة وممارستها الإرهاب ضد المجتمع يكشفان عن كون تلك الشعبية السابقة تعبيراً عن غضب من واقع سياسي سابق أكثر مما هو تعبير عن قناعة بالمشروع الجهادي.

في كافة التجارب أثبت الإسلام الراديكالي أنه لا يمكن إلا أن يكون ديكتاتورياً أو توتاليتارياً، ومن المعتاد في المقابل أن يقوى في ظل أنظمة ديكتاتورية أو توتاليتارية من نوع آخر. التجربة الوحيدة التي كُتب لها عمر مديد هي تجربة حكم الملالي في إيران، ويجوز لنا اعتبار ولاية الفقيه المعادل الشيعي لفكرة الخلافة، وكانت قوة الملالي قد انتعشت وتعيشت على ديكتاتورية الشاه وفساد حكمه قبل تسلم السلطة وتكرار أساليب القمع التي كان يمارسها مع تدخلات أشد عنفاً في الحياة الاجتماعية، فضلاً عن عسكرة أوسع للمجتمع عبر تنظيمات الحرس الثوري وغيره. من المحتمل جداً أن “نجاح” ثورة الملالي قد أعطى جرعة أمل للتنظيمات الجهادية التي تكاثرت في العقود الأربعة الماضية، وإذا كان يُحسب للأولى انضباطها فقد دلّ سلوكها اللاحق على أن النزعة التوسعية العابرة للحدود مشتركة بين الإسلاميين الذين لا يكنون احتراماً للدول القائمة، أو لمفهوم الدولة نفسه.

أن تتولى الميليشيات الشيعية والتنظيمات الجهادية، فضلاً عن الأنظمة الديكتاتورية، مهمة الإجهاز على المطالب الديموقراطية لثورات الربيع العربي أمر أبعد من المصادفة، من دون ردّه مباشرة إلى مؤامرة تجمع هذه الأطراف. تقاطع المصالح، والعداء الأصيل للديموقراطية، يكفيان ليعمل الثلاثي المذكور بتناغم تام، وتبدو التيارات الجهادية هي الأقل حنكة بسبب نشاطها الإرهابي الخارجي، لا بسبب إرهابها المحلي الذي يجمعها مع الطرفين الآخريْن. في الميزان السياسي، تظهر الجهادية السنية أكثر عدمية إذ تخوض ضد الغرب حرباً خاسرة، بينما تكتفي نظيرتها الشيعية بالشعارات المناوئة للغرب ما لم يضطرها الأخير إلى الدفاع عن نفسها.

أبعد من المصادفة أيضاً أن تنكشف في السنوات الأخيرة التنظيمات الإسلامية “بشقيها السني والشيعي” مع انكشاف الأنظمة، لأن قوى الماضي تبرز بكل قوتها في لحظات التغيير الكبرى. وبخلاف الفكرة التي تخلط بين الثورات والانقلابات فإن الثورات تجنح عادةً وبدايةً إلى السلم، على عكس قوى الماضي التي تقابلها فوراً بمختلف أشكال العنف. إن الحفاظ على الحاضر أو استعادة الماضي غير ممكنين إلا باستخدام المزيد من العنف تجاه المجتمع، وهذا ما رأيناه خلال السنوات الأخيرة حيث لم يكن العنف يُمارَس فقط، وإنما يُصوّر ويُوثّق من قبل ممارسيه كعتبة إضافية من الإرهاب.

لقد كان الفكر القومي العربي يصور الوحدة العربية قابلة للتحقيق لولا الإرادات الاستعمارية التي تعيق مشروعه، وكذلك هو الحال مع التنظيمات الجهادية التي تعتبر استعادة الخلافة ممكنة لولا تآمر الغرب “المسيحي-الصليبي” المعادي للإسلام. كانت التكلفة باهظة جداً باختبار مآل الفكر القومي مع الصدامية والأسدية، كذلك كانت التكلفة باهظة باختبار فكرة الخلافة مع البغدادي، والقول أن صدام والأسد لا يمثلان الفكر العروبي من طينة الظن بإمكانية ظهور خليفة جديد ينجح فيما فشل فيه البغدادي. إذا لم يكن لدى البعض قناعة من قبل بأن عصر الخلافة قد انتهى مع مقتل عبدالله بن المستنصر بالله على أيدي التتار، القادمين من الشرق لا من الغرب، فلعل قسماً من هذا البعض يرى في مقتل البغدادي نهاية لعصر الخلافة حيث لا يشفع للخليفة أن يلبس سترة ناسفة بدل العباءة.

 

(المدن)

قد يعجبك ايضا