الضرب الأميركي في العراق.. والارتجاج في لبنان

جسر: متابعات:

لا يمكن فصل الملف اللبناني عن الملف العراقي. مع تسجيل بعض الفوارق الموضعية. لكن التظاهرات التي يشهدها العراق تتشابه مع التظاهرات التي يشهدها لبنان، لذلك فإن قراءة حزب الله لما يجري، تخلص إلى استنتاج واحد لم يخفه الحزب. إذ اعتبر أن ما يجري هو استثمار دولي، أميركي خصوصاً، لأوجاع اللبنانيين والعراقيين، من أجل تغيير الموازين السياسية أو تحقيق أهداف تتعلق برسم مناطق النفوذ. وفق هذا المنظور، يقرأ الحزب التطورات السياسية في لبنان والعراق. وهذه النظرة تعتبر التجسيد الأساسي لمعادلة “توحيد الجبهات”، التي تحدث عنها أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله.

حسن نصرالله وخامنئي/انترنت

“وحدة الجبهات”
عند التوتر الذي شهدته منطقة الخليج بعد العمليات الإيرانية التي استهدفت منشآت وناقلات نفطية، وبعيد التلويح الأميركي بالتصعيد العسكري، خرج نصر الله معلناً أن أي ضربة ستتعرض لها إيران فإن المنطقة كلها ستشتعل، وأن لإيران حلفاء سيقومون بالدفاع عنها. طبعاً، قصد نصر الله أن الجبهات التي ستفتح ستكون من لبنان وسوريا والعراق.. وغزة واليمن. في خطابه الأخير تراجع نصر الله نسبياً عن هذه المعادلة، أو بالأصح أبقاها مضمرة ولم يعلنها، في رسالة تهدئة (إن صح التعبير) أراد تمريرها للبنانيين وللغرب. إذ قال إنه إذا ما تعرضت إيران لأي ضربة فإن إيران هي التي ستقوم بالدفاع عن نفسها. وهي التي ستحدد ذلك وتختار طريقة الردّ. لم يفصح عن موقف حلفائها. إذ تركه لتقدير اللحظة.

تقصّد نصر الله عدم تكرار موقفه السابق القائل أن حلفاء إيران سيشعلون المنطقة. ولهذا الأمر أسباب لبنانية داخلية عديدة. أولها، كي لا يُقال له أن سلاحك هو للدفاع عن إيران. وثانيها، للقول إلى المجتمع الدولي والأميركيين خصوصاً إنه لن يدخل في أي مواجهة، لعلّ ذلك يؤدي إلى تخفيف الضغوط. خصوصاً ان التظاهرات التي كانت تشهدها المناطق اللبنانية المختلفة كانت غايتها واضحة، وهي الابتعاد عن الحسابات الإقليمية والدولية. فلم يرد نصر الله استفزاز المتظاهرين.

الرسالة القاسية
استقالة الحكومة في العراق، قابلتها استقالة للحكومة في لبنان، بينما التصعيد مستمر. وهذا ما يدفع الحزب إلى البحث عن مخرج، بالحفاظ على القدر الأكبر من الهدوء. لأن استمرار الاحتجاجات قد يؤدي إلى إنفلات الأمور من سيطرته. لا بل هو يريد المحافظة على الاستقرار، كي يتمكن من إدارة الأمور وتسييرها وفق ما يريد، وما يتلاءم مع مصلحته. وبلا شك أن التصعيد الذي يشهده العراق سيؤثر حتماً على الوضع في لبنان، لا سيما أن الموقف الأميركي التصعيدي ضد إيران وحلفائها هناك، سينسحب على تعاطي واشنطن مع لبنان، برفض أي حكومة تكون محسوبة على الحزب، وتوفر له الغطاء السياسي والشرعي والرسمي.

جاءت الضربة الأميركية على حزب الله العراقي، كرسالة قاسية ضد إيران وحلفائها. طبعاً، لم تكن المرة الأولى التي تستهدف فيها واشنطن قوافل للإيرانيين على الحدود السورية العراقية، ولكن هذه المرة كان المقصود هو إيقاع أكبر عدد من القتلى، ومن بينهم مسؤولين في الحشد الشعبي. ما يعني أن الرسالة أقسى هذه المرة. وهذا سيحتم على إيران وحلفائها إيجاد طريقة للرد على الضربة التي تعرضت لها. إلا إذا كانت ستحاول الاستفادة منها لإبرام تسوية تحفظ لها مصالحها، من خلال تقديم التنازلات والاتفاق على رئيس حكومة يلبي مصالحها ولا يكون على خصومة معها.

تجنب المواجهة
ويعرف حزب الله أن الرسالة تقصده في لبنان، على الرغم من قناعته أن لا أحد سينفذ عمليات عسكرية ضده، إنما يقرأ انعكاسات ضربة العراق في السياسة على لبنان. وهو يعتبر أن ما للعراق للعراق في هذه المعادلة. إذ ما يمسك به حالياً هو ورقة الاستقرار الأساسية، والتي يلوح بها للجميع للحفاظ على التركيبة القائمة. يعرف الحزب أن واشنطن لا تريد التوسع بالعمليات العسكرية، بينما إيران تبحث عن أي وسيلة للالتفاف على ضغط الشارع، وهي قد تلجأ إلى استهداف المصالح الأميركية لتغيير وجهة الاهتمامات.

يبقى الوضع العراقي هو الأساسي، بما أنه الساحة المفصلية والمفتوحة سياسياً وعسكرياً. والحزب لا يريد الدخول في أي مواجهة انطلاقاً من لبنان، إلا إذا ما تغيرت الظروف جذرياً. حينها سيصبح تهديد الاستقرار ورقته الأقوى في المواجهة. لذلك، يبدو الحزب حريصاً على العلاقة الجيدة بكل القوى، من خلال تشكيل الحكومة. ولذلك، هو لا يريد تشكيل حكومة من لون واحد بل كان مصراً دوماً على مشاركة المستقبل والاشتراكي وحتى القوات اللبنانية، لأن أي انقسام أو تحرك سياسي اعتراضي لن يفيد الحزب حالياً.

انطلاقاً من مبدأ الحفاظ على الاستقرار، يصر الحزب على تشكيل سريع للحكومة. ولذلك قدم الكثير من التسهيلات. ولكن في ظل إصرار خصومه على عدم المشاركة في الحكومة، يقف الحزب أمام احتمالين، إما الاستمرار بحال الانتظار للتوافق على تشكيلة حكومية يوافق عليها الجميع، بعد جلاء الصورة الإقليمية. أو أنه يغامر بتشكيل حكومة يترأسها حسان دياب، وتكون حكومة اللون الواحد. وإذا ما قرر الحزب هذا الخيار، فهذا يعني أنه قرر المواجهة السياسية انطلاقاً من لبنان، ما سيستدرج بالتأكيد ردوداً سياسية واقتصادية من قبل الأميركيين وحلفائهم قد تكون نتائجها على لبنان أسوأ من أي غارات جوية.

(المدن)

قد يعجبك ايضا