النفط السوري.. في أيدٍ “أمينة”!

رأي- عبدالناصر العايد

جسر: متابعات:
المرة الوحيدة التي تكلّم فيها حافظ الأسد عن عائدات النفط السوري، قال بطريقة تنطوي على النهي والتهديد: “إنه في إيادٍ أمينة”، ومنذ ذلك الحين يتساءل السوريين بسخرية عن الأيادي “الأمينة”هذه التي ابتعلت ثروتهم طيلة نصف قرن.

الحال لم يختلف، عندما سيطرت قوى متناوبة على النفط، منذ اندلاع الثورة السورية 2011، وآخرها “قوات سوريا الديموقراطية”. الجنرال مظلوم عبدي، قائد “قسد”، أجاب حين سُئِلَ عن كميات النفط المستخرجة بأنه “غير مختص بالأمر”، وكأن معرفة عدد براميل النفط تحتاج إلى متخصص. لكن عبدي أضاف إنه متأكد أن النفط يوزع على السوريين بـ”عدالة”، رغم أنه لا يعرف الكمية المنتجة أصلاً!

النفط شرقي الفرات

بإجراء مسح متقاطع لمعلومات من مصادر خاصة من “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، وتجار وسماسرة نفط، وعناصر حراسة من “قسد” لمواقع النفط، لـ46 حقل نفط في الجزيرة السورية موزعة بين ديرالزور والحسكة، من أصل أكثر من 300 بئر منتشرة في المنطقة، يمكن القول بإن 87 ألف برميل نفط يتم انتاجها يومياً، وتتفاوت أسعار البرميل الواحد بحسب جودة النفط، لكنه يبلغ وسطيا نحو 25 دولاراً. أي أن مجموع ثمن ما تم احصاؤه يبلغ نحو 2.175 مليون دولار يومياً.

إنتاج الغاز في السويدية بلغ نصف مليون متر مكعب يومياً، يباع منه نحو 20 ألف أسطوانة غاز منزلي، سعر الواحدة منها نحو 8 دولارات، أي نحو 160 ألف دولار يومياً.

أي أن ما تم احصاؤه من انتاج النفط والغاز شرقي الفرات، يبلغ سعره يومياً 2.335 مليون دولار، أي نحو 70 مليون دولار شهرياً، ونحو 840  مليون دولار سنوياً. وإذا ما ادخلنا في الحساب ما لم نستطع احصاؤه، بأقل تقدير ممكن، فإننا نستطيع القول إن عائدات نفط الجزيرة السورية تتجاوز مليار دولار سنوياً.

من يجني فوائد هذه الثروة؟  

تستفيد خمسة أطراف من الثروة النفطية بشكل رئيسي، وأولها بطبيعة الحال “قسد”، و”الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” التي يهيمن عليها حزب “الاتحاد الديموقراطي”، الفرع السوري لحزب “العمال الكردستاني”. ويُرجّحُ تجار نفط ومسؤولون عرب في “قسد” و”الإدارة الذاتية”، إن نحو نصف عائدات النفط المستخرج يصب في اطار دعم القوات العسكرية التي تقع تحت قيادة الحزب (نحو 110 آلاف مقاتل)، سواء منها العسكرية أو قوات الشرطة أو الاستخبارات أو وحدات حماية المرأة، وينفق جزء منها على الإدارة المدنية والخدمات التي تقدمها، ومنها بيع المحروقات للأفراد والمنشآت بسعر أدنى قليلاً من سعر السوق.

وتقوم الإدارة الذاتية بتكرير جزء من النفط عبر اكثر من 200 مصفاة نفط صغيرة، تعمل على الكهرباء، تتموضع غالبيتها في الحسكة.

أما الطرف الثاني الأكثر استفادة فهو النظام السوري، الذي يشتري عبر وسطاء بينهم شركة القاطرجي، ما لا يقل عن 300 صهريج محملة بالنفط يومياً وهي تتجه إلى مناطق سيطرة النظام من خلال معبر الطبقة.

ويشكل وصول هذا النفط للنظام السوري بحد ذاته مكسباً له في ظل العقوبات المفروضة عليه، ناهيك عن سعره المنخفض، وتشغيله لمصافي النفط وتوابعها في مناطق سيطرته، التي يعمل فيها الآلاف من العمال.

أما المستفيد الثالث فهو قطاع الفساد في الإدارة الذاتية وفي “قسد”، سواء عبر السرقة المباشرة لكميات هائلة من النفط، خاصة من الآبار البعيدة والمعزولة في الصحراء، التي لا يستطيع أحد الاقتراب منها بسبب الظروف الأمنية، أو ببيعه للتجار المتفق معهم على تقاسم كميات من النفط الذي لا يتم تمريره على أي قيود، او حتى من خلال الفاقد في كميات النفط التي يتم اسقاطها من الكمية النهائية، بذريعة وجود كميات كبيرة من الماء مختلطة بالنفط، وهو هامش يترواح بين 5% إلى 30% من الكمية الاجمالية في بعض الأحيان. ويقدر تجار النفط أن ما يحصل عليه قطاع الفساد يزيد عن 15% من اجمالي الكمية المنتجة.

وتتشابك عائدات قطاع الفساد مع عائدات جهتين أخريين، الأولى هي حزب “العمال الكردستاني” في جبال قنديل، الذي عين مسؤولاً من قبله على كل بئر نفط في الجزيرة فلا يمكن ضخ برميل نفط واحد من دون موافقة “الكادر” المعين من قنديل، وهؤلاء باتوا معروفين بالاسم لمعظم أهالي الجزيرة السورية، وغالبيتهم من الأكراد الايرانيين. ويعتقد المطلعون على عمليات الاستخراج والبيع، إن ما لا يقل عن 10% من عائدات النفط تذهب لحزب “العمال”.

أما الطرف الآخر المستفيد من الفساد الممنهج، فهو “داعش”، الذي يفرض ضريبة على شكل “زكاة” على تجار النفط في المنطقة، بما نسبته 1% من تجارتهم، تحت التهديد بالقتل. أحد تجار النفط، قال لـ”المدن”: “كل من يشتري النفط ويدعي أنه لا يدفع لداعش فهو كاذب، او إنه ميت ببساطة”. وقد أحصى أهالي المنطقة نحو 10 تجار نفط ممن تم اغتيالهم لامتناعهم عن دفع تلك الضريبة التي يتم اعلامهم بها بشكل سري، فإن لم يتم الدفع يتم وضع خرقة بيضاء على منزله أو باب بيته في إشارة إلى الكفن، ويلي ذلك القتل في حال لم يسارع “المكلف بالضريبة” إلى دفعها.

نسبة 1%، رغم ضآلتها الشديدة، إلا أنها كافية لإدارة عمليات التنظيم الأمنية محدودة التكاليف، وادامة وجوده التنظيم، وإنعاش نشاطاته، وهو ما تمت ملاحظته في الآونة الأخيرة بوضوح.

تنظيمات تدميرية

يستطيع المرء بسهولة أن يرسم شبكة العلاقات المميتة التي تربط الجهات الخمس المشار إليها ببعضها البعض؛ نظام الأسد، منح حزب “العمال الكردستاني” فرصة الحياة من خلال اطلاق يده على النفط أولاً، ثم سمح لـ”داعش” بأن يسيطر على حقول أخرى، لينمو ويصبح خطراً على السلم والأمن في العالم أجمع. هذان التنظيمان عادا لدعم نظام الأسد وتعويمه. وبرعاية قطاع الفساد، الجزء الأكثر أصالة في نظام الأسد، تكتمل دورة الاعتماد المتبادلة لهذه الأطراف على بعضها البعض، وهي دورة مستمرة، وستسحق المزيد من السوريين، طالما لم ينتزعوا قرارهم وثرواتهم ومصيرهم من بين براثن القوى “الأمينة”.
المدن ٧ كانونالثاني.يناير ٢٠٢٠
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق