“ستربتيز” تركي في سوريا

جسر: رأي:

مهما كانت نتيجة الزيارة التي سيقوم بها وفد روسي إلى تركيا، اليوم السبت، فإنها لن تغير في ما حدث حتى الآن لجهة سيطرة موسكو وصغيرها الأسد على مساحات واسعة كانت مشمولة بما يُسمى خفض التصعيد. في أحسن أحوال التفاهم، لن تقدم هذه الزيارة حلاً لمئات الألوف من المهجّرين تحت القصف، ولن تقدّم الثقة لعدد أضخم ينتظر مصيراً مشابهاً من دون أن يحظى بضمانات دولية حقيقية. التصريحات الأمريكية المتعلقة بالهجوم الروسي على إدلب بقيت في أقل حدود الإدانة اللفظية، وانصرف جزء مهم منها لإدانة الهجوم على نقاط المراقبة التركية أكثر من الاعتناء بمأساة السورية، ما يضعها في إطار التجاذب الدولي والإقليمي لا في إطار البحث عن حل حقيقي للمأساة.

أليات عسكرية تركية في شمال سوريا/Getty

التصعيد الروسي الأخير لم يتوقف عند قضم ما تم قضمه في ريف إدلب، فعندما صعّدت أنقرة قليلاً في المقابل، رغم بقاء أرجحية ميزان القوى لصالح موسكو، أتى الرد باستهداف مناطق أخرى خاضعة للنفوذ التركي مثل منطقة أعزاز الحدودية. الأهم أن البيان الروسي الذي حمّل أنقرة مسؤولية التصعيد، وأشار بكذب صفيق إلى ألف انتهاك “إرهابي” من قبل الفصائل التي كانت راضية بتفاهمات أستانة، هذا البيان نص على ما يزعم أنه سيادة سورية، ولمّح ضمناً إلى حق موسكو بالسيطرة على كافة الأراضي التي تسيطر عليها أنقرة حالياً.

لقد شهدنا تخبطاً في التصريحات التركية يعكس المأزق التركي، فهي تراوحت بين التهديد بالرد على هجوم قوات الأسد، مع محاولة عزل الأخيرة عن الإشراف المباشر لموسكو، وهي محاولة مضحكة لمعرفة الجميع بأن الهجوم مُدار من غرفة عمليات روسية. وشهدنا تصريحات تميل إلى التهدئة، غايتها على الأغلب مخاطبة الرأي العام الداخلي بلغة المصالح الاقتصادية التي تجمع الطرفين، وينبغي تغليبها كي يبلع الرأي العام التركي مقتل جنوده والإهانة التي لحقت بالسياسة التركية عموماً جراء اعتمادها على تفاهمات أستانة. صيغة الحديث عن المصالح الاقتصادية التي تربط أنقرة بموسكو لا توحي أيضاً بالتهديد، إذ يبدو وقع تضررها على تركيا أكبر من التضرر الذي سيصيب الجانب الروسي، أو على الأقل هناك استبطان تركي لعدم خضوع بوتين للتهديدات الاقتصادية، وقد سبق للغرب امتحانه بلا جدوى حتى الآن على هذا الصعيد.

الظروف الداخلية المحيطة بكلّ من الزعيمين متباينة تماماً، فأردوغان رغم نجاحه في إقصاء خصومه والتحول إلى زعيم أوحد في نظام رئاسي فقد جزءاً لا يُستهان به من شعبيته، وعانى حزبه انشقاقات سيكون لها أثر سلبي على الانتخابات القادمة. العامل الاقتصادي سيكون مؤثراً جداً عليه، لأن القاعدة البرجوازية الداعمة لحزب العدالة قد تنقلب عليه إذا أضرت سياساته بمصالحها. كذلك هو حال تحالفه مع القوميين الذين لن يغامروا في دعمه، خاصة إذا فشلت سياساته الخارجية في القضاء على حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري. بوتين لا تؤرّقه حسابات داخلية مماثلة، فهو تمكن للتو من ترتيب سيطرته على الحكم حتى بعد انتهاء ولايته بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة. لدى بوتين يقين واقعي مبني على عدم وجود قوة تحد من تطلعاته السورية سوى واشنطن، وهو يتهيأ للحظة المساومة معها بعد السيطرة على كل ما يقع خارج تواجد القوات الأمريكية في سوريا. ثم إنه يحكم بلداً تأقلم منذ التجربة السوفيتية مع الضغوط الاقتصادية، بل يراهن على أن نظامه الحالي أشد مرونة وقدرة على استيعاب الضغوط من التجربة السوفيتية البائدة.

لدينا في الملف السوري سياستان، روسية وتركية، الواحدة منهما مقلوبة عن الأخرى. السياسة الروسية واضحة المعالم منذ التدخل العسكري المباشر، وهي تقوم استراتيجياً على تعزيز النفوذ في المنطقة ككل، بينما تقوم ميدانياً على استعادة السيطرة على كافة المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد تحت زعم الحفاظ على السيادة السورية. لم تخفِ موسكو تطلعاتها، وعملت على تنفيذها بحذافيرها طوال الوقت بسياسية الخطوة تلو الأخرى، حيث كانت تستهدف عسكرياً إحدى مناطق خفض التصعيد، ثم تستعد للسيطرة على التالية. وإذا كانت موسكو تعاملت بالقطعة ميدانياً فإن أنقرة تعاملت بالقطعة على المستوى الاستراتيجي، إذ منذ التدخل الروسي لم تطور سياسة ذات أفق واضح لمستقبل وجودها في سوريا وتصوراً عن الحل فيها، أو سياسة مفتوحة على احتمالات تضارب المصالح والتصدي لطموحات موسكو. التعويل على وفاء الأخيرة بوعودها في مسار أستانة فيه من السذاجة ما يكفي ليحاذر أي مبتدئ في السياسة الوقوع فيه، وكذلك هو التعويل على علاقة شخصية طيبة قيل أنها تجمع بين بوتين وأردوغان. الحال ليس بأفضل لجهة التعويل على علاقة شخصية طيبة تجمع بين أردوغان وترامب، فالأمر نفسه يُحكى عن العلاقة التي تربط ترامب ببوتين، إذا كان لسياسات الدول أن تنحدر إلى هذا الدرك من الشخصنة.

إن سياسة القطعة تلو الأخرى لم يكن لها مؤدى من الجانب التركي سوى ما يشبه رقصة التعري، لا يغير من ذلك أنها ظهرت بمثابة ستربتيز إجباري، وهذه وضعية لن يكون في وسع أنقرة تغييرها من دون وجود استراتيجية متكاملة مضادة للأهداف الروسية في سوريا. اتباع سياسة دفاعية غايتها الحفاظ على ما تبقى لن تؤتي بنتيجة مع موسكو، ولن تبدل في استراتيجيتها الهادفة في النهاية إلى السيطرة على كل ما تسيطر عليه أنقرة. التلويح الروسي المستمر باتفاقية أضنة بين أنقرة والأسد يصب أيضاً في المنحى ذاته، فموسكو تريد حصر دور أنقرة في هواجسها الكردية، من دون أن يكون لها ما تتطلع إليه من تأثير على التسوية في الملف السوري ككل. يجدر التنويه بأن تحجيم القوة الكردية هو موضع اتفاق بين كافة اللاعبين في سوريا والمنطقة، واستخدام القوى الكردية من قبل أي طرف هو شأن مؤقت وعابر ينقضي بانقضاء التكتيكات الموجبة له.

لقد دفع السوريون ثمن تفاهم موسكو وأنقرة، ودفعوا وسيدفعون الثمن الباهظ للخلاف بينهما. معارك السيطرة هنا وهناك يجب ألا تحجب النهج الروسي الذي لم يتغير، وهو اتباع سياسة الأرض المحروقة لا لضرورات عسكرية، وإنما بهدف الإبادة والتهجير، وهذا ما تستكمله ميليشيات الأسد التابعة لموسكو بتنكيلها بالقلة من السكان التي لا يحالفها الحظ بالهرب. لا نحتاج إلى التشاؤم كي نرى هول المجازر المقبلة، بل نحتاج إلى جرعة مفرطة من التفاؤل كي نشيح بوجهنا عن قدرة العالم على السماح بحدوثها.

(المدن)

قد يعجبك ايضا