الثورة السورية بين مطرقة القمع والخذلان وسندان التطرف واﻻبتلاع

جسر: رأي:

تلتقي السياسة بالفيزياء، كأحد فروع العلوم الإنسانية، أن كلاهما لا يحتملا الفراغ، فعند إفراغ كوب مما فيه من الماء، سيؤدي حتما لامتلائه بالهواء بحجم يتناسب مع الماء المُراق، هذا على صعيد الفيزياء، أما على صعيد السياسة فالأمر قد يكون أشد وضوحا، حتى ضمن ما يسمى بالقوة الناعمة، كما حدث في خمسينات القرن الماضي من خلال “مبدأ إيزنهاور”، القائم على فكرة ملء الفراغ في الشرق الأوسط؛ بعد انحسار النفوذين الفرنسي والبريطاني عنه.

من اجتماعات أستانا/انترنت

هذا الفراغ؛ أشد مَقَاتِل الثورة السورية خلال سنواتها التسع، ورغم أن الموضوع يصلُح أن يكون مثار بحث، لكني أعاند نفسي لاختزاله بمقال.

لم يُفرز الحراك الشعبي قيادات حقيقية له يصّدرها لواجهة المعارضة السياسية بداية تأسيسها، نتج عن ذلك زيادة في بعد المسافة بين الشارع الثائر ومن تصّدر لتمثيله، ولربما ساهم ذلك  لاحقا بانحراف مسار الثورة من إسقاط النظام إلى إسقاط الدولة، وعلى الرغم من صعوبة فصل النظام عن الدولة إلا أن المعارضة السياسية لم تسعى لتوضيح الفرق لشارعها المتأجج، كلا الطرفين تجاهل ردم هذه الهوة ومأسستها؛ اﻷمرالذي أفضى إلى شراء الولاءات في مرحلة تسليح الثورة وعسكرتها، وهي المرحلة التي بدأت تقضم الجانب المدني للثورة بدل تعزيزه وتأطيره كعنوان للدولة السورية المنشودة، وباستثناء “منظمة الدفاع المدني-الخوذ البيضاء”، لم تشهد الساحة السورية المعارضة مؤسسة مدنية يُشار إليها؛ رغم المبادرات والأعمال الفردية التي ترفع لها القبعات، فلا المؤسسات الخدمية كانت محل اهتمام جدي، أو بشكل أدق لم يتم تحييدها عن منطق طرفي الصراع بإسنادها للأكفأ والأقدر على إيصال الخدمة دون النظر لموقفه السياسي، لا إعلام أو مؤسسة إعلامية مهنية تتولى إيصال صوت الثورة ومبادئها للداخل والخارج، لا مراكز توثيق وأخواتها من منظمات المجتمع المدني؛ وما جرى في دوما تجاه من أصروا على المتابعة شاهد على ذلك، لا شرطة محلية حقيقية تتولى حفظ الأمن المحلي وتساعد القضاء على تنفيذ مهامه، لا مؤسسة قضائية حيادية ومستقلة ترعى حقوق الناس، والحيادية في أغلب هذه المؤسسات عدا عن أنها ضرورة مهنية وتكريس لمرحلة ما بعد الثورة؛ فهي أكبر نصير للثورة بما تمنحها حياديتها من قوة حين توصيفها لإجرام النظام وقواته تجاه المدنيين.

هذا الفراغ رفع من رصيد “الفرع السوري” للقاعدة ضمن المجتمعات المحلية، فالإمارة أو الخلافة التي يحملونها معهم في ترحالهم تفترض هذه المؤسسات وسواها، نظرا لما أفادتهم به مراجعات مرحلة الفشل في العراق، وتأسيس  الصحوات؛ من ضرورة التودد للمجتمع المحلي وعدم التصادم معه، وأفضل الطرق لذلك الخدمة والخطاب، ففي مجتمع يحيى بالدين، كان اللباس الدعوي أوسع باب لدخول هذا المجتمع، وقد ساهم نسب الثورة لغير أبيها وصبغها بالصبغة الدينية في تلك الفترة  بترسيخ أقدام القادمين الجدد، يقول هتلر في كتابه كفاحي: “على الحزب في أول انتصار له أن يضّيق أبواب الانتساب إليه، لإن أول انتصار سيؤدي إلى جذب المنتفعين والوصوليين”، وكان من أخطر ما أنجزه فرع القاعدة السوري، استيعاب الراغبين بركوب موجة الثورة، ولكنهم مرفوضين من فصائلها نتيجة عدائهم لها في بداياتها، وكانوا كثر، أما لقناعة أو لمصلحة أو نتيجة حقد قد يساعده موقعه ضمن التنظيم على تفريغه، وهذا ما ظهر في مرحلة الصدام.

كثير من الفصائل  شاركت بالقتال ضد تنظيم “الدولة الإسلامية-داعش” مع دخول عام ٢٠١٤، وامتنع عن القتال فصائل أكثر، إلا أن الغالبية من الطرفين؛ المقاتل والممتنع، لم يحجز له مقعد ضمن التحالف الدولي لمحاربة هذا التنظيم، مما جعل “وحدات حماية الشعب” العمود الأساسي على الأرض لهذا التحالف، ما زاد من قوتها العسكرية والسياسية ومكّنها من توسيع رقعة سيطرتها على مساحة واسعة ومهمة بمواقعها وثرواتها.

ضمن مثلث من الخصومات والعداوات تلاشت الكثير من فصائل الجيش الحر، جبهة النصرة والإرث الذي آل إليها من داعش من رجال وأرض وسلاح، استفردت بنصيب  كبير من هذه الفصائل، كذلك “قوات سوريا الديمقراطية-قسد” وما حققته من قوة وتأثير نتيجة اعتمادها كحليف موثوق من قبل التحالف الدولي، والبقية الباقية طحنتها أو أقتلعتها من أراضيها نيران الطائرات الروسية التي دخلت الحرب مباشرة في أيلول/سبتمبر ٢٠١٥.

انتهت المعارضة ولم يبقى منها إلا من كان له الدور الأكبر  في ما آلت إليه الأوضاع الحالية، بما هيمنت عليه من فصائل أغرتها السلطة والمال فحولتها لدمى طيعة يحركها من يملك الدعم.

حملت الجولة السادسة من منصة أستانا، المنعقدة بتاريخ ٤-٥ تموز/يوليو ٢٠١٧، ست وعشرون شخصية من المعارضة المسلحة، ساهمت بقصد أو جهل بإفراغ الساحة السياسية من مكونات وشخصيات، رغم كل المآخذ عليها، إلا أنها كانت أكثر تمسكا بمبادئ الثورة وأكثر دراية بالعمل السياسي ومتطلباته ومطباته، وأخطر هذه المطبات تمثل في عملية نبع السلام ومشاركة الفصائل فيها مما أدى لتقدم قوات النظام لملء الفراغ الناجم عن انسحاب “قسد” من مناطق لم يكن لحلم النظام في أوجهه أن يعبر شرق الفرات ويصل إليها، ناهيك عن تعميق الشرخ الاجتماعي.

لا الهدن التي قررتها بيانات أستانة المتلاحقة قُدّر لها الحياة، ومناطق  خفض التصعيد التي أقرتها جولات أستانا تلاشت من خارطة المعارضة، عدا منطقة إدلب التي تشهد في الوقت الراهن هجمة شرسة لا تُعلم حدود نهايتها، ولا يزال السياسيون الجدد مقيدي اليدين أستانيا في مواجهة خصم أُطلق له العنان عسكريا وسياسيا؛ فالجنة الدستورية التي حاول الرئيس الروسي اقتطاعها من بنود الحل السياسي الأربعة، الواردة بالقرار الأممي (٢٢٥٤)، والتي يسعى الجانب الروسي لجعلها البديل عن جنيف٢ وما نتج عنه، بقيت قرابة العامين في أرجوحة مماطلات النظام وتحفظاته على أعضائها. وفيما يخص عضوية هذه اللجنة التي تتطلب مؤهلات قانونية وسياسية واجتماعية عالية، لا أدري ما سيقدمه ممثلو الفصائل فيها إلا أن يطلقوا رصاص الرحمة على الاتفاقيات التي صدرت عنها اللجنة والمسخ الذي قد تلده.

قد يعجبك ايضا