الكنيس اليهودي في دورا أوروبوس

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

إلى الجنوب من مدينة دير الزور بحوالي 90 كم، تقوم مدينة دورا أوروبوس (صالحية الفرات)، تلك المدينة التي ضمت 18 معبداً، كان من بينها المعبد المجوسي، والكنيسة المسيحية وكنيس يهودي؛ والذي كان بيتاً عادياً حوّل إلى كتيس في العام 245 للميلاد.

كنيس دورا أوروبوس المحفوظ في المتحف الوطني بدمشق

اكتُشف كنيس دورا أوروبوس في عام 1922، وهو يقع على السور المواجه للبادية من داخل المدينة، وقد حفظت المدينة لنا هذا المكان بعد أن عمد أهلها عند هجوم الفرس إلى ردم المنازل الواقعة داخل السور المواجه للبادية ليسهل على الجنود ارتقاء الأسوار صعوداً ونزولاً، وبعد أن وضعت الحرب أوزارها لم يتم إزالة هذه الردميات؛ اﻷمر الذي يرجح أن دورا أوروبوس لم تستمر بعد هذه الحرب. وفيما بعد تم نقل هذا الكنيس إلى المتحف الوطني بدمشق، وأُعيد بناؤه، ويذكر السيد ميخائيل روستوفيتزيف: “إن إعادة بناء الكنيس وترميمه في المتحف الوطني لا يقل روعة عن بنائه الأصلي”. فالمشاهد التي رُسمت في الكنيس بحالة مذهلة من الحفظ وكأنها قد انتهى الفنان منها للتو.

وقد استُخدم في مخطط الكنيس مخططات البيوت المعتادة في تلك الفترة، ويحد هذا الكنيس من الشمال والجنوب الكثير من المنازل، ويتجه البناء إلى الشرق. كما شهد ثلاث مراحل خلال تاريخ بنائه، إلا أن المعروف لدينا هو المرحلة النهائية من البناء، والتي تألف فيها من غرفة رئيسة وساحة ومجموعة من الغرف المحيطة بها، حيث أُحيطت الغرفة بمقاعد عزلت النساء عن الرجال، وتميزت مقاعدهن بعدم وجود حافة لوضع الأقدام عليها، كما كان لهن مدخل خاص بهن، عدا عن تزويد غرفة التعبد بنافذتين للإنارة والتهوية.

إلى جانب ذلك فقد عُرف الكنيس برسومه الجدارية، إذ ازدهر فن الرسم الجداري في منطقة وادي الفرات منذ فترة الأموريين، كما زينت الرسوم الجدارية قصر ماري والعديد من قاعات المباني في العشارة و دورا أوروبوس؛ وذلك على الرغم من اختلاف المدارس الفنية والغايات من هذا التزيين. وقد أدى هذا التنوع إلى أن المختصين في النقوش القديمة ميزوا مدرسة فنية تخص المنطقة وهو ما نسميه (المدرسة الفنية الفراتية)، سواء أكانت هذه الرسوم الجدارية ذات مضامين دينية تعبدية كما في ماري ودورا أوروبوس، أو ذات غايات تمجيدية للكهنة والملوك، فهي بحد ذاتها تأكيد على مراحل تاريخية مرت بها المنطقة وامتازت بها كمدرسة فنية أصيلة. هذه المدرسة الفنية التي كانت تغير مقرها المكاني كلما اقتضت الضرورة ذلك، تعكس في آثارها الفنية الازدهار الاقتصادي والذوق الفني والمفهوم الجمالي والثقافة والفكر والحياة الاجتماعية.

حزقيال يقيم الموتى، من جداريات كنيس دورا أوروبوس

إن الرسوم الجدارية التي تزين جدران كنيس دورا تتسم بالتأثير الفني المحلي الصرف، وتدل على مدى انتشار روائع فن الرسم الجداري في أبنية دورا ومعابدها بل وكنيسها(1).

زُينت السطوح الداخلية لجدران الكنيس برسوم جدارية عادة ما كانت توزع على عدة صفوف أفقية، كما أن مجمل هذه الرسوم الجدارية هي عبارة عن مشاهد مُقتبسة من العهد القديم.

وتتنوع طبيعة الرسوم على جدران الكنيس وتضم عدة مشاهد أبرزها:

مشهدين غير واضحي الرموز الفنية بالإضافة إلى مشهد يظهر فيه موسى وهو يتلقى الوصايا العشر، ومشهد هام آخر يمثل بني إسرائيل أثناء (الخروج) من مصر وهم يحملون الأدوات التي أخذوها من المصريين وهربوا بها، ومشهد لموسى وهو بالقرب من شجرة برية.

مشهد تابوت العهد في فلسطين، وصورة لنبي الله إبراهيم وأخرى لهارون، ومشهد يمثل قيام موسى بتفجير المياه بعصاه من الأرض محاطاً بخيام القبائل العبرية.

امرأة مصرية تنقذ موسى من نهر النيل، من جداريات كنيس دورا أوروبوس

ومشهد يظهر امرأة مصرية تُنقذ طفلاً من نهر النيل (قصة موسى)، ومشهد يصور قصة داود وصموئيل، إلى جانب مشهد لقصة تضحية نبي الله إبراهيم بابنيه إسحاق وإسماعيل، بالإضافة إلى رسوم فاكهة تغطي سطح المحراب، ومشهد للملك الفارسي أحشويروش وإلى جانبه امرأته اليهودية أستير، ومشهد يمثل إيليا.

ورسوم أخرى تمثل مشهد حلم يعقوب (الشمس والقمر والكواكب الإحدى عشر)، ومشهد يصور سور مدينة “حجر المعونة” الفلسطينية(2)، ومشهد يصور نبي الله داود(3).

معركة “حجر المعونة” من جداريات كنيس دورا أوروبوس

أما سقف الكنيس فقد رُصف ببلاطات أو ألواح فخارية حملت رسوماً تزيينية تمثل النباتات، وصوراً إنسانية وأشكال تمثل أبراج السماء (الطالع)؛ مثل برج الحوت والميزان والجدي وغيرها، بالإضافة إلى أشكال الورود والأزهار والفواكه وسنابل القمح وصوراً أخرى ذات دلالات رمزية مختلفة.

كما وُجد على أحد الجدران كتابة آرامية تمثل تأريخاً صريحاً لبناء الكنيس، وهي مؤلفة من خمسة عشر سطراً تنص على ما يلي: “بُني هذا المعبد في سنة خمسمائة وست وخمسين سلوقية تقابل السنة الثانية من تولي الإمبراطور فيليب”(4).

ويتضح من خلال هذه الرسوم الجدارية أن المضامين جميعها لم تخرج عن المألوف فهي نصوص دينية تم تحويلها إلى مشاهد فنية(5) خارج مصر.

لكن ماذا يعني وجود كنيس يهودي في دورا؟ يعني أن اليهود وغيرهم من الاقوام تعايشوا ضمن رقعة صغيرة من الأرض (مساحة 72 هيكتار) وساد التعايش فيما بينهم، ولم تذكر النصوص التاريخية وجود خلاف أو تباغض فيما بينهم، ففي الوقت الذي كان الرومان والتدمريون يصلون في معبد بل التدمري، كان التجار اليهود يتعبدون في الكنيس اليهودي، وكان الإيرانيون يؤدون طقوسهم في معبد أزناتكونا ناهيك عن التعددية العرقية.

 

 

1ـ كنيس دورا أوروبوس في المتحف الوطني بدمشق ـ مطوية صادرة عن المديرية العامة للآثار والمتاحف ـ تأليف بشير زهدي.

2- الترجمة العربية للتسمية العبرية “ابين-عازر”، باللاتينية EBENZIER.

3ـ Doura Europos and its Art – M.Rostovetzeff، ـ دورا أوروبوس المدينة والفن ـ تأليف ميخائيل روستوفيتزيف ـ ترجمة ياسر شوحان.

4ـ المقصود هنا الإمبراطور فيليب العربي الذي حكم من عام 244 حتى 249 م.

5ـ HOPKINS. C., 1936 a, “The Private Houses in Block M8”, The Excavations at Dura – Europos

قد يعجبك ايضا