تل خويرة (خوربا): دمشق الشمال السوري

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

في أرض سهلية من الجزيرة العليا، في منطقة نهر البليخ، وعلى بعد حوالي 10 كم إلى الجنوب من الحدود السورية-التركية، يقع تل خويرة (خوربا)، وهو ذو أهمية كبيرة بالنسبة لمنطقة الجزيرة العليا، إذ أن تنظيم المدينة يعود إلى بدايات تنظيم المدن السورية وتخطيطها، كما أنها مدينة مثالية في توزيع المباني والشوارع والتي قال عنها شنايدر: “إنها تتشابه في تنظيمها بمدينة دمشق”.

بعض من البنى المعمارية في تل خويرة/جسر

وفي الخمسينيات من القرن العشرين استطاعت مؤسسة البارون “ماكس فون أوبنهايم” أن تبدأ حملات تنقيبة متتالية، حيث بدأ بالتنقيب في الموقع أنطون مورتغات، وعالم الآثار شنايدر والدكتور وورنر كاسكل، ثم ما لبثت أن قدّمت الجمعية الألمانية للبحوث مساهمات كبيرة للبداية في أعمال الكشف الأثري.

يتألف تل خويرة من فترتين، الفترة الأولى وهي الأقدم وتبدأ من 3000 ق.م، وتنتهي عام 2250 ق.م، أي أنها تبدأ من فترة ما يسمى عصر “نشوء الممالك” وحتى العصر الأكادي تقريبا. أما الفترة الثانية وهي الأحدث فتعود إلى الفترة الميتانية وحتى العصر الآشوري الوسيط، أي أنها استمرت حوالي 500 عام منذ نهاية الألف الثالث قبل وحتى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد مرورا بفترة “ميسيليم” والتي تعود بتاريخها إلى عام 2700 ق.م.

بعض من البنى المعمارية في تل خويرة/جسر

للمدينة سور دائري مزدوج يفصل بين طبقتيه فصيل، ومما زاد في أهميتها أيضا هو توزع أكثر من 1500 منزل في مساحة تُقدر بحوالي 220 ألف م2، وهذه الكثافة في المباني ونمط التوزيع جعل شنايدر يؤكد تشابهها مع العاصمة السورية دمشق.

بنيت جميع البيوت السكنية المكتشفة وفق مخطط معماري صارم على جوانب الشارع المتجه من الشمال إلى الجنوب، وتضم كافة البيوت باحة داخلية تتصل بالشارع الرئيسي عبر غرفة أو مدخل، كما نجد بقرب مداخل البيوت أبنية أخرى ملحقة بها كالمصارف والمذابح. ويتم دخول المنزل عبر غرفة جانبية تصل الباحة بالغرف الأخرى، فيما تنفصل المنازل عن بعضها بجدران طينية، أما المياه فكانت تُؤمن للمنازل بواسطة مجارٍ فخارية تصل بين باحاتها والشارع، ويؤكد مورتغات بأن هذا التنظيم كان ساريا على معظم البيوت السائدة في تلك الفترة والعائدة إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، كما عثر على قصر يعود للفترة الآشورية الوسطى، ويتميز بجدرانه العريضة المشيدة باللبن المشوي والمطلية بمادة الجص بعناية فائقة فوق أساسات من الحجر الصخري، ولحسن الحظ فإن الحرائق التي تعرض لها القصر حفظت جدرانه بشكل كبير، وقد عُثر فيه على العديد من الرسائل والنصوص الإدارية المختلفة، بالإضافة إلى نص أثري يدل على اسم المدينة القديمة “خوربا” أو “خُربا”.

أما أهم ما عثر عليه من معابد في هذا الموقع، فإنه يُعد من أكبر المباني فيه، ويتميز بطرازه وأسلوب بنائه الفريد، وفي البداية كان من الصعب على الآثاريين تحديد هويته ليتضح فيما بعد أنه معبد بُني بدقة متناهية، فهو بناء يشغل مساحة 224 م2، وقد قُسّم إلى العديد من الحجرات الداخلية، وربما يكون مرتكزا على مصطبة، وإذا كان كذلك فلا بد وأنه مماثل للعديد من المعابد الرافدية التي تأخذ شكل الزقورة، وقد يدل على ذلك اتصال المعبد بدرج خارجي ضخم. بالإضافة إلى معبد أكبر تحيط به حجرات صغيرة وفناء رُصف جزء منه بالحجارة كانت تحرق عليها القرابين مع مكان لتجميع المياه المنتظمة لتصب في بئر خاص به.

لا بد من القول أن هذا الموقع هو كنز حضاري قل مثيله، فقد عُثر فيه على الكثير من الأواني والأختام؛ أكثر من 140 ختما في موسم واحد، وأهم ما عُثر عليه هو كسرة فخارية كُتبت عليها أحرف سامية والتي قد تكون التوثيق الأقدم للحرف الآرامي، بالإضافة للكؤوس والتماثيل المجوّفة وأوان تحمل صورا مختلفة بعضها لعقارب أو لحيوانات كالماعز، إضافة إلى ختم ذو مشهد جميل يحوي ثلاثة حيوانات؛ عجل وأسد وحيوان خرافي مركب يشبه التنين يتألف من حية وأسد، بالإضافة للمحار والخرز وفقرات عظمية لسمكة يتجاوز طولها 130 سم.

خوربا بين السطو والقصف:

أثار الدمار الذي لحق بمنزل البعثة نتيجة لقصف التحالف في 2015

تعرض موقع تل الخويرة للسطو وسرقة الكثير من آثاره منذ بدايات الحرب في سوريا، وخصوصا بعد سيطرة تنظيم داعش عليه واستخدام عناصره لمنزل البعثة اﻷثرية ما أدى إلى تعرضه لقصف التحالف الدولي، لكن وبعد أن تم تحرير المنطقة ساهم المجتمع المحلي وهيئة الآثار والسياحة في مقاطعة الجزيرة في عملية الحفاظ على الآثار المتبقية، إذ قامت بنقل اللقى الأثرية الناتجة عن الحفريات إلى أماكن آمنة في القامشلي، وأعلمت المديرية العامة للآثار والمتاحف بهذا الإجراء، التي ثمّنت هذا العمل في المساهمة بالحفاظ على التراث الثقافي في المنطقة.

أثار الدمار الذي لحق بمنزل البعثة نتيجة لقصف التحالف في 2015
قد يعجبك ايضا