ذنب الكلب مُسخِّراً رأسه

عمر قدور

جسر: رأي:

المدن

في شباط 2016 تناقل الإعلام الروسي قولاً لرئيس مركز كارنيغي الروسي أليكسي مالاشينكو، يصف به تصرفات بشار الأسد بأنها مثال على محاولة الذيل التحكم بالكلب. بأكثر من سنة سبقت موسكو الرئيس الأمريكي الذي سيصف المذكور بالحيوان مع اختلاف الأسباب، إذ أتى توصيف ترامب رد فعل على استخدام السلاح الكيماوي، بينما استهلت الإهانة الروسية سلسلة من الإهانات اللفظية والبصرية غايتها تطويع بشار، أو إفهام العالم أن لها اليد الطولى عليه.

بإهاناتها المتواصلة قدّمت موسكو مادة دسمة لمن يريد التشفّي بالنهاية البائسة لطغيان الأسدية، لكنها بالتأكيد لا تهدف إلى إرضاء مشاعر ضحاياها. الأقرب إلى التصور أن تواتر الإهانات له وظيفة تطويع التابع الأسدي الذي لا يلبي طلبات موسكو على المثال الذي تريده، فتضطر بين الحين والآخر إلى تذكيره بحجمه الفعلي، سواء ضمن علاقة التبعية التقليدية أو ضمن استراتيجيتها كقطب دولي له حساباته الدولية والإقليمية. بعبارة أخرى، لو كان بشار ينفّذ ما هو مطلوب منه روسياً بدقة لما كان هناك مبرر لتكرار الإهانات، أو لكان إظهارها اقتصر على تجاوز البروتوكولات المعهودة في اللقاءات الرسمية بين الجانبين.

يبدو أن ذلك كله وصل أخيراً إلى حدّ يُحرج الأسد أمام مواليه، من دون أن يكون قادراً على الرد شخصياً، أو حتى من خلال ماكينته الإعلامية. المسألة لا تتعلق بالكرامة الشخصية له، والتي يمكن تجاوزها بسهولة كما أثبت من قبل، هي تتعلق قبل وبعد كل شيء بالرسائل الروسية الأخيرة التي فُهمت كإنذار بتقويض حكمه. أي أن من تحمل الإذلال من أجل المحافظة على كرسيه لن يبقى لديه ما يخسره إذا كان مُهدداً بفقدانه، وإذا كان تمهيداً لذلك مهدداً بتقويض ثقة مواليه ببقائه.

من هذه الجهة تحديداً أتى ما كتبه عضو “مجلس الشعب السوري” خالد العبود على صفحته في فايسبوك، تحت عنوان “لكن… ماذا لو غضب الأسد من بوتين؟!”. صحيح أننا بدءاً من العنوان كمن يضع يده في عش دبابير السخرية، وصحيح أنه هذا ينطبق على عموم خطابات الموالين، بل يذكّر بعضو آخر لمجلس الشعب اشتُهر في مستهل الثورة عندما خاطب بشار الأسد قائلاً: أنت قليل عليك تكون رئيس سوريا، أنت لازم تكون رئيس العالم. لكن ما نراه مبعث سخرية فيه الكثير من الجد الأسدي، إذا لم يحتمل قليلاً من الدفع الإيراني.

في الرد على أحد التعليقات ينفي العبود أن تكون مطولته رسالة إلى “الحليف” الروسي، واصفاً إياها بمحاولة تنبيه جمهور الموالاة والخوف عليه من الوقوع في مطب رسائل وأوهام عديدة، ولا يخفى أن المقصود فهم الرسائل التي بثها الإعلام الروسي مؤخراً، وجرى تأويلها على محمل اقتراب نهاية بشار. مع ذلك، لا يمكن استبعاد أن يكون ما كتبه العبود رسالة “على مستوى متدنٍ” للحليف الروسي، ففي التركيبة الأسدية من غير المعتاد أن يتجرأ أحد على التحدث في العلاقات الخارجية ما لم يكن مدفوعاً من قبل التركيبة ذاتها.

اسم العبود كان قد ظهر مع مستهل الثورة، كإعلامي حاضر على الشاشات العربية ليدافع عن الأسد وجرائمه، محاولاً التمايز عن أقران له باستخدام أوفر للفزلكات اللغوية، ثم كوفئ على خدماته باختياره عضواً في “مجلس الشعب” عن محافظته درعا. لعل مسيرته توفر علينا نَسْب ما كتبه إلى اجتهاد شخصي، وملخّصه الأهم أن التدخل الروسي أتى بعد زمن من تشبيك إيران وحزب الله في سوريا، وعليه فإن الحضور الروسي لا يُقارن بتمكن الحضور الإيراني الأسبق والأعمق، وحتى علاقة التحالف مع روسيا ليست وطيدة على غرار نظيرتها مع إيران وحزب الله. من وجهة النظر التي يسوقها، لروسيا قواعدها العسكرية التي منحها إياها بشار لمواجهة التهديدات الأمريكية، ووجود القواعد مصلحة استراتيجية روسية أيضاً، أما الحضور الروسي خارجها فلا يُقارن بتغلغل ورسوخ وجود طهران وحزب الله. لذا، لا قدرة لروسيا على اتخاذ قرار يتعلق بمصير بشار، ولا قدرة لها على مواجهة نفوذ الحليف الإيراني كما هو مطلوب منها.

على الطريقة الأسدية، يترجم العبود القول الروسي الذي وصف رئيسه بذنب الكلب، ووفق ما كتبه يكون الذيل متحكماً حقاً بالكلب. لمزيد من الإقناع، هو يفصّل في ما يراه حاجة روسية لبقاء بشار، بينما التواجد الروسي حاجة ثانوية لبشار الذي يستطيع قلب الطاولة على بوتين متى شاء. إن الأول يستطيع، وفق سيل المبالغات، سحب البساط من تحت الثاني في عقر داره الكرملين، ولو أراد بشار التصدي له سراً أو علانية لانحسر المد الروسي الذي تصاعد في العقد الأخير، ولتم شطب اسم بوتين من التاريخ الروسي إلى أبد الآبدين. في غضون ذلك، على بوتين تذكّر الدرس الأفغاني الذي أودى بالاتحاد السوفيتي.

ما كتبه العبود على صفحته ليس بهذيان شخص، وإن ساقه الحماس إلى مبالغات منفصلة عن الواقع. هو في كل الأحوال يكشف عن أحد جوانب “عقل” السلطة الأسدية، وعما يريد موالوها تصديقه من الجانب الآخر. الموالي يتمنى دائماً تصديق تلك الصورة التي يروّجها بنفسه عن الأسدية التي لا تُقهر، وأركان الطغمة الأسدية “مهما بلغت من البؤس” لا يرون انهياراً لها طالما بقوا في كراسيهم، ولا يُستبعد عنهم أن يروا الإذلال طارئاً يعاود العالم بعده التطبيع مع جرائمهم، ما يمكّنهم من التخلص من وطأة الحلفاء. هذه القراءة الصغيرة بانتهازيتها قد تكون متحكمة حقاً بالسلوك الأسدي، بخلاف الصورة الشائعة عن طواعيته أمام الأوامر الروسية.

يسعى العبود “ومَن خلفه” إلى دحض فرضيتين شاعتا مؤخراً، أولهما التمهيد الروسي لتنحية بشار، وثانيتهما تنص على بدء انسحاب إيران من سوريا تحت ضغوط متعددة منها التواطؤ الروسي الضمني مع القصف الإسرائيلي المتكرر لميليشياتها ومواقعها. وراء ما يثير السخرية بتفاخره، وبإعطاء بشار مكانة القادر على قلب الواقع الاستراتيجي على رأس بوتين، الفحوى الأهم أن موسكو أوقعت الارتباك والخوف في صفوف الأسدية إلى درجة يصعب معها السكوت. ذلك قد يجدد التساؤل عما يجعل ذنب الكلب يهتز مضطرباً، من دون أن نكون جازمين بالإجابة ما لم نرَ الرأس يعض ذيله.

*نشر في المدن السبت 9 أيار/مايو 2020، للقراءة في المصدر اضغط هنا

قد يعجبك ايضا