إنسان عفرين.. مئة ألف عام من العزلة

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

النياندرتال Homo neanderthalensis هو أحد الأجناس البشرية الذي جاء بعد سلفه الهوموأركتوس Homo erectus، واستوطن في مناطق كثيرة من وسط وغرب آسيا وأوربا، وانتشر في هذه المناطق منذ حوالي 350 ألف عام، ومن ثم انقرض منذ حوالي 24 ألف عام.

كهف الديدرية المطل على وادي عفرين

عاصر إنسان النياندرتال نوع آخر من البشر في إفريقية هو الإنسان العاقل Homo sapiens، الذي يعده بعض المختصون جد الإنسان الحالي، ورجح بعض العلماء أن هذين النوعين قد ينحدران من أصل واحد، فيما اعتبر بعضهم أن هذين النوعين من الإنسان ربما تزاوجا، فيما يُشير علماء آخرون إلى أن سلسلة تطور الإنسان مقطوعة بين هذين النوعين، مُشيرين إلى أن هناك حلقة مفقودة في سلسلة التطور البشري، معتبرين في الوقت نفسه أن الإنسان العاقل نوع منفصل عن سابقيه.

نياندرتال عفرين والحلقة المفقودة

بالقرب من قرية برج عبدالو وفي أحد الكهوف في وادي نهر عفرين، والذي يطلق عليه اسم كهف الديدرية، والذي يقع على مسافة 15 كم جنوب عفرين، اكتشفت البعثة الأثرية السورية اليابانية المشتركة، في بداية أعمال موسمها الأثري عام 1989، قطعا من أجزاء عظمية لإنسان النياندرتال، لكن هذا لم يكن كافيا للتأكيد على اعتبار هذه الأجزاء صلة وصل بشرية في تاريخ التطور الإنساني، وما إن انتهت أعمال التنقيب في عام 1993؛ حتى ظهرت مفاجأة الاكتشاف لهيكل عظمي كامل لطفلة تبلغ من العمر خمس سنوات، تم دفنها بشكل غير منسق، وبعد إجراء الأبحاث والتحاليل المخبرية تبين أنها تعود إلى 100 ألف سنة، وتمت إعادة تشكيل هذا الهيكل العظمي حاسوبيا ليعطي الشكل الدقيق لطفل عفرين، ومن ثم نُقل الهيكل العظمي إلى قاعة عصور ما قبل التاريخ في المتحف الوطني بدمشق.

ونظرا لهذا الاكتشاف المذهل لإنسان النياندرتال المشرقي عامة، قامت البعثة اليابانية العاملة في الموقع باعتباره أحد أهم المواقع الأثرية في العالم، ما يستوجب حمايته وتسجيله على لائحة التراث العالمي.

من داخل كهف الديدرية

من هو إنسان نياندرتال العفريني

لقد اكتشف في سورية الكثير من الأدوات الصوانية (أدوات العصر النطوفي) العائدة لهذا النوع من الإنسان، وقد كان أكثر تطورا في طريقة اختياره للأدوات الحجرية وأسلوب تصنيعها، وأهمها المقاحف والمكاشط ورؤوس السهام، والتي استُخدمت كثيرا في مواقع مختلفة من المشرق القديم؛ في سورية مثل يبرود والدوارة وعفرين وجرف العجلة، وفي العراق كموقع شانيدار، وموقع المسلوخة في لبنان وجبل الكرمل في فلسطين.

وقد دلت المعطيات الأثرية على أن إنسان النياندرتال المشرقي، عفرين نموذجا، كان يحمل صفات إنسانية وفيزيولوجية؛ كالذقن البارزة والقامة الطويلة وحجم الدماغ الكبير، كما أثبتت التحريات الأثرية أنه اعتمد على الصيد والالتقاط كأسلوب معيشة، واعتمد بصيده على الفخاخ والحفر الأرضية ورؤوس السهام، بالإضافة إلى أنه كان متمسكا بأرضه وأكثر ارتباطا بها من أسلافه، حيث أقام مراكز استيطان رئيسة مبنية بالحجارة والعظام ومكسوة بالجلود، كما عرف طريقة إيقاد النار واستخدمها في مناسباته، لا سيما وأنه كان يقيم السهرات حولها كتجمعات له ولذويه وأبناء مستوطنته.

وقد كان هذا الإنسان متمكنا من الناحية الفنية لدرجة كبيرة، إذ عمد في فنونه إلى طريقة حفر الحزوز على العظام التي تعطي لأدواته أشكالا جميلة، وقد زيّن رقبته بأطواق تحوي الصدف النهري والأحجار المنوّعة، ورسم على جدران الكهوف صورا لحيوانات بيئته.

ومما تجدر الإشارة إليه، أن إنسان النياندرتال المشرقي هو الإنسان الأول الذي عرف دفن الموتى، وبذلك يكون قد مارس معتقداته الروحية والدينية في طقوس خاصة، وتُشير بعض الأبحاث إلى أنه بعد دفن الميت كان يضع على قبره باقة من الزهور إكراما له، وهذا يدل على أنه إنسان عميق المشاعر، يكن احتراما وتبجيلا لموتاه، فلم يتركهم طعاما للوحوش والطيور الكواسر، بل اعتمد أيضا في دفنه على نوعين من القبور؛ بعضها فردي، وأخرى جماعية حوت عدة الأشخاص.

وفي عام 2012 تعرض كهف الديدرية للكثير من التخريب، وشملت هذه التعديات موقع الحفريات والمقاطع الأثرية التي قامت بها البعثة الأثرية العاملة في الموقع سابقا، كما سُرقت مواد العمل وعدد التنقيب الأُثري من المستودعات.

جدير بالذكر أن هذه الاكتشافات في كهف الديدرية في عفرين أثارت حفيظة بعض علماء الآثار في العالم، من الذين يرفضون هذا الاكتشاف في التطور الإنساني، مدفوعين باعتبارات عنصرية وخارجية لا تمت إلى البحث العلمي النزيه بصلة.

هيكل عظمي لطفل بعمر السنتين عثر عليه في الكهف/ويكيبيديا
قد يعجبك ايضا