عبادة الأجداد من أريحا إلى دمشق

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

منذ مئة ألف عام تقريبا كانت بداية ظهور الفكر الديني، وخلال فترة وجود إنسان نياندرتال الذي عرف النار واستفاد منها لأغراضه المختلفة، لا سيما الحماية والتدفئة وطهي الطعام، فقام بتقديسها كإحدى عناصر الطبيعة، وعلى الرغم من تنوع العبادات أيضا خلال التاريخ الإنساني مثل عبادة الربة الأم أو الحيوانات أو غير ذلك، إلا أن عبادة الأسلاف كانت لغزا في بدايات اكتشافها.

جمجمة مقولبة من تل أسود قرب دمشق، اﻷلف السابع قبل الميلاد

تقوم عبادة اﻵسلاف على خوف اﻹنسان من نفسه باعتباره مصدرا للسيطرة السياسية، إضافة إلى خوفه من الميت، اﻷمر الذي دعاه إلى طلي الجماجم بالجص أو القار لحفظها، وإيجاد معزز للتماسك والتجمع فيما بين أفراد المستوطنة، والتحلُّق حول مركز روحي وهو تقديس أرواح الموتى.

يعتبر موقع أريحا في فلسطين أهم مراكز عبادة الأجداد، إذ عُثر على جماجم مفصولة عن الأجساد ومطلية بعناية خاصة من الداخل والخارج بالطين والجص، ومُلئت محاجر العيون بأصداف لتعطي شكل البؤبؤ، ثم طُلي الوجه بلون يشبه لون البشرة وحُشيت الجمجمة من الداخل بالطين المدكوك. وبحسب خزعل الماجدي، فإن هناك آراء عديدة في ظهور هذه الجماجم المقولبة، حيث يرى “كنيون” بأن الهدف من هذه الجماجم هو إجلال أرواح الأجداد، بينما يرى عالم الآثار “جاك كوفان” أن هذه الديانة تجعل من الرأس مقرا للروح أو وعاء للقوة المقدّسة، وعلى نقيض هذين الرأيين نجد أن فراس السوّاح يرى في ظهور مثل هذه الجماجم محاولة من الإنسان تشكيل ملامح وجه إنساني هو بداية ظهور فكرة الإله لديه، حيث أن الفكر الديني في هذه المرحلة قد دخل مرحلة التشخيص وبدأ الإنسان ينظر إلى القوة من خلال تمثيلات مشخّصة.

جمجمة مقولبة من تل أسود قرب دمشق، اﻷلف السابع قبل الميلاد

ومع قبول هذه الآراء، فهناك رأي آخر يميل إلى اعتبار حفظ الجماجم نزعة باليوليتية (تعود إلى لعصر الحجري القديم) من نزعات الخلود الهادفة إلى حفظ الجزء الحيوي الذي تستقر فيه الروح وهو الجمجمة، مما يدل على الاعتقاد أيضا بأن حفظ هذه الجماجم ودفنها بهذه العناية، يمكّنان صاحبها من العودة إلى جسده بعد موته ومواصلة حياته مجددا.

ومن الجدير بالذكر أن الآثاريين يعتبرون هذه الجماجم هي أول “بورتريه” لعصور ما قبل التاريخ، وأن إنسان هذه الفترة، وعبر هذه الجماجم المقولبة Plastered Skulls، والملونة بالأصفر أو الأحمر أو المطلية بالجص والطين، مع بعض الخطوط السوداء، نقل موروثه الاجتماعي والديني والثقافي وطقوسهم الجنائزية إلينا. 

وفيما عدا أريحا، عُثر على هذه الجماجم في موقعي تل الرماد وتل أسود بالقرب من دمشق، وهما مواقعين يعودان إلى فترة العصر الحجري الحديث (ما قبل الفخار الألف السابع والثامن قبل الميلاد)، وتذكر عالمة الآثار “دانييل ستوردور” وجود طقوس شعائرية وجنائزية، لافتة النظر إلى أن هذه الجماجم قد تكون بدايات لعلم التحنيط منذ ذلك التاريخ. وقد كان معظم ما عُثر عليه من جماجم في تل أسود دقيقة الملامح بأنف مستقيم ذو فتحة صغيرة، بينما رُسم الفم كخط اسود صغير، فيما اشارت أبحاث أخرى إلى أن الحفاظ على هذه الجماجم اقتصر على أشخاص ذوي أهمية معينة، ربما كانوا شيوخ المستوطنة أو كبار السن ممن يتصفون بالحكمة أو القوة.

قد يعجبك ايضا