اﻻعتداء على اﻵثار جريمة حرب

ياسر شوحان

جسر: ثقافة:

كما عانى الإنسان الكثير من ويلات الحروب؛ فقد عانت الآثار وكل ما يخص التراث الإنساني الذي يُعد ذاكرة المكان وتاريخه الثقافي، خصوصا بعد تفاقم الحروب وما تخلفه من اعتداءات على المواقع الأثرية، إذ تشكل ظاهرة التعدي على المواقع الأثرية جريمة بحق الإنسانية، ولهذا فقد عمد المجتمع الدولي لوضع آليات تهدف إلى ضمان حماية الآثار والمواقع الأثرية عن طريق اتفاقيات دولية.

تعرض أكثر من 10 آلاف موقع أثري سوري للنهب والتخريب

إن الحماية التقليدية للقانون الدولي الإنساني لم تعد كما كانت عليه في القرن العشرين مقتصرة على حماية المدنيين، بل امتدت لتكفل حماية دولية للآثار وذلك ضمن مجموعة من الاتفاقيات أهمها ميثاق واشنطن 1935 واتفاقيات لاهاي 1954.

في عام 1964 صدر ميثاق البندقية “فينيسيا”، ويعتبر من أهم الوثائق المتعلقة بالحفاظ على المواقع الأثرية والنُصب التاريخية وترميمها، وكان من أهم نتائج هذا المؤتمر أنه اعتبر التراث شاهدا حيا على التقاليد الحضارية للشعوب، وإرثا مشتركا للإنسانية جمعاء، تلتزم متضامنة بالحفاظ عليه وصيانته وتبليغه بكامل عناصره وأصالته للأجيال المقبلة.

كما سعى مؤتمر “الحفاظ على التراث الثقافي المهدد بالخطر”، والذي عُقد في دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2016، إلى إنشاء صندوق دولي لحماية التراث الثقافي في مناطق الصراع قيمته 100 مليون دولار. لكن ما هي جدوى إنشاء هذا الصندوق وإجراءات الصيانة والحماية في زمن الصراع وفي وقت لم تضع الحرب أوزارها بعد؟!، فمن المفترض محاسبة الفاعلين بداية وإيقاف عملية التعدي، وإبعاد أطراف الصراع عن المناطق التاريخية والمدنية، ثم يتبع ذلك أعمال الحماية وإلزام الطرف المتعدي بوقف انتهاكاته.

جانب من التدمير الذي لحق بالجامع اﻷموي في حلب

الاعتداء على المواقع الأثرية جريمة حرب

اعتبر مجلس الأمن تدمير التراث الثقافي جريمة حرب، إذ أصدر المجلس قرارا خاصا بذلك حمل الرقم 2347، بعد أن تعرضت مواقع أثرية للنهب والتدمير من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة، وتضمن هذا القرار إدانة المجلس تدمير وتهريب الممتلكات الثقافية من المواقع الأثرية خلال النزاعات المسلحة وبخاصة من قبل الجماعات الإرهابية، ومن الجدير بالذكر أن هذا القرار لم يستهدف التنظيمات أو الجماعات الإرهابية والإسلامية المتطرفة فقط، بل شمل جميع الأطراف المشاركة في الأعمال القتالية حتى وإن كانت دولا مستقلة، وعدم ترك المسؤولين عن هذه التجاوزات طليقين، حيث دعا القرار إلى محاكمة المسؤولين.

جانب من آثار القصف الذي لحق بقلعة تدمر

ومما لا شك فيه أن اعتبار تدمير التراث الثقافي جريمة حرب، يعكس في الوقت نفسه أهمية التراث الثقافي من أجل السلام والأمن، كما أن هذا التدمير أصبح وسيلة من وسائل الحرب التي تسعى إلى تدمير المجتمعات على المدى البعيد، وكل ذلك في استراتيجية متطرفة من التطهير الثقافي، ولهذا السبب فإن حماية التراث الثقافي لا تُعد مسألة ثقافية، بل هي ضرورة أمنية وجزء لا يتجزأ من متطلبات حماية الحياة البشرية والدفاع عنها في كل مكان.

ورغم كل ما حصل من تدمير للمواقع الأثرية، ونهب محتوياتها، مازال المجتمع الدولي يقف عاجزا أمام هذه التعديات في عدم محاسبته للفاعلين، وكأنه شريك في الجرائم الإنسانية التي تقع على الإرث الحضاري، وكأنه أيضا يوجه رسالة تفيد بأن تراث هذا الشعب على المحك.

قد يعجبك ايضا