سياج بشري

عمار عكاش*

جسر: نص:

الشارع الفاصل بين “بالات” و”فنر” بعدسة الكاتب

كل هذا لأنني خائف أكثر من أي وقت مضى، خائف من وحدة قاتلة اخترتها بكامل قواي العقلية، لا شيء فُرضَ عليّ ولست ضحيةَ أحد، فالوحدة مثل كل شيء في الحياة، تبدأ خياراً، ثم تصير عادةً، كالكافيين، والنيكوتين، ومثل المياه الغازية، ومثل الشيبس، يصعب الإقلاع عنها، ولأنني خائف وأحتاج دفئاً بشرياً دون أن أغوص فيه، نصبتُ عشراتٍ من الناس حولي مثل سياج يحمي نبتةً هشة، أدخل حيي وألقي التحيات: ريكو بالات Rico Balat؛ المقهى التركي-الكوبي، فيديل Fidel الأسمر مراهقُ القلبِ المتأبّط الترومبيت، صاحب وجه من شمالي أفريقيا، يداعب الناس ويقول أنا من مصر تارةً، وأنا من أضنة تارة أخرى، لا شيء يكرهه مثل المشي ولا شيء يعشقه مثل الضحك، وأوزلم Özlem التي تفرح كل يوم بابتكار تمثال صغير جديد، أو جلب عطر من أفضل الماركات بسعر رخيص، أوزلم أكثر تركية عرفتها تجيد ما نسميه التقفيل في سوريا، وتجيد النميمة الطريفة Dedikodu، زليش المراهقة Zeliş الصغيرة القادمة من قرى باتمان التي توقّف الزمن السوري فيها قبل قرون، تمزج السريانية بالعربية بالتركية ولا أعرف كيف أقول لها تشبهين زمناً مضى أختي الصغيرة دون أن تدري، أصابتني بجمالٍ يشبه السحر حين عرفتُ أنها تنادي القطط بلهجتها العربية الفريدة بواوٍ مفخّمة: سِنّورة، وبت مثل طفل أقول لها: أختي الحلوة güzel kardeşim نادي القطة، وما أكثر حاجتي لشيء يسحرني.

عمر Ömer صاحب مكتب المراهنات البحار المتقاعد الجميل الهادئ الذي علمته رحلاته أن لا شيء يستحق الغضب في الحياة لكن ثمّة أشياء كثيرة تستحق الابتسامة والضحك…

البقال المارديني Mardinli Bakkal الغاضب العصابيّ، والذي لم أنس كيف قفز بقميصه الورديّ حين سمع موسيقا دبكة كردية وأخذ يدور ويقفز حراً وسط الشارع مبتهجاً كأنه انتهى تواً من بطحة عرق، حينها قلت لأهل الحيّ لا يحتاج هذا العصابي أي أدويةٍ مهدّئة أعيدوه إلى ماردين ودعوه يرقص ويتحدث الكردية بطلاقة هناك. ياغز Yağız الذي مضى على وجود عائلته القادمة من سيرت قرناً في استنبول لكنه كثيراً ما يتصرف بغيرة البدوي على صديق، ويتصرف بمجون الاستنبولي اللاهي حين يكون وحيداً، يبحث عن الحبّ ولا يجيد إلا الوقوع في قصصِ حزينة تشبه مسلسلاً من مائة حلقة، ياغز الذي كلما حكيت له قصةً ضحك أو ابتسم أو دمعَتْ عيناه، وإن تحدّث عمَّن يبغض نطق وجهه قبل كلماته، فليس مثله من تنطق سيماءُ وجهه روحَه، ياغز وحده حين يقول “آبيه”، فاعلم انها ليست من عاداتِ اللسان والكياسة العثمانية المتعبة، اعلم أنك أخوه.

فورال Vural صاحب مقهى الزاوية المربوع قوي البنية، المجدّ، الكريم، الذي يحب قُرّاء الكتب والقطط والكلاب، لكنه يحسب كل الناس سذجاً كي يصدقوا أن الكيك المقدم في مقهاه هو من صنع ربّة منزلٍ، رغم أن شكله وطعمه يشبه الكيك المجمّد في السوبر ماركت القريب، ولا يعرف أن زبونه من حلب حيث الطعام والشراب ضرورة وجودية لا بيولوجية، أحيي حائط دير عرب القدس الممتد بين بالات Balat وفنر Fener وكأنه الحدود المضروبة بين مملكتين وأتابع سيري، يحييني صاحب محل القطع البلاستيكية، وأشياء كثيرة تبدو غير مهمة إلى أن تحتاجها فتجيء إليه وكأنك عثرت على قصر الأمير، قصير بكرش صغير بشارب كثّ وجفنين كثّين وصلعة جميلة على وجه صغيرٍ مستديرٍ يشبه مزارعاً لطيفاً من نابولي من شخوص تورناتوره (1)، يستمتع حرفاً حرفاً بتحيتي بحبٍ كل ما مررْتُ بكردية عطرة: “سار جافا”. الجدة الأرمنية مادلين Madeline أجمل البدينات، لا يمكن أن تنطق كيف حالك دون أن يشرق وجهها بابتسامةً تلحظ معها جمال تجاعيد أجفانها، كأن سؤالها وابتسامتها لا ينفصلان، صاحبة المقهى ذاته نوراي الأرمنية Nuray تقول ببهجة صداحة: “أنا من ديار بكر Diyarbakırlııyım”، النمّامة الجميلة المبتهجة، الواثقة من حب كل الناس لها، والتي يحب كل من التقاها من الاستنبوليين الكاف حين تعود على لسانها قافاً، قافكِ ساحرة يا نوراي، قافك جرسُ الرعاةِ، نلتقي فيها بريّين فطريين، أنجزتِ ما عجز عنه الجميع وقفزتِ على حاجز لا يستكين بين شمالٍ وجنوبٍ يتجاوران ولا يلتقيان. البقال منصور Mansur المهاجر من ديار بكر والذي بلكنته الواضحة تحسبه غادرها البارحة، شيماء Şeyma الشركسية، التي تروي سرا لي كيف ذَبح الروس أجدادها وعبروا البحر إلى تركيا، وكيف حُرِموا هنا لغتهم كي يعيش وهم الأمة، شيما الباحثة عن هويةٍ جنسية، وهوية وجودية، طيبة قلب الطفل، عليّ كي أحبّها أن أنسى صورها الحمقاء على الأنستغرام وأن أتذكر ضحكةً قوقازيةً صافية على وجه ذي سمارٍ شرق أوسطي وعينين سنجابيّتين، شيما صديقتي لا تشبه نفسها في مغامراتها ، ولا تشبه نفسها حين تجالس بنات عمرها وتجاريهن في مزاحهن الممل وتصنعهنّ، لكنها تشبه نفسها في هواجسها وحين تضحك بعفوية ويظهر جمال أسنانها مثل سنجاب حرّ. أَرزو Arzu الخمسينيّة التي كانت دون شك صاحبة جمال أخّاذ يوماً ما لعله هو ما جعلها تظن بكل ثقة أن اللاجئ الذي يشاركها أحياناً طبقاً سوريا طبخه معجباً بها، وراحت تحاول أن تقول له سأبادلك الحب، لكنه رغم ذلك لم يكف يوماً عن مخاطبتها بالسيدة ولم يكسر خاطرها ويقول لها آبلة Abla كما يفعل مع أخرياتَ كثر، تركها تستمتع بإخبار الناس بأن هذا الرجل معجبٌ بي. وفي نهاية فنر Fener، تبدو زينب Zeynep النحيلة القادمة من البحر الأسود وأجدادها قدموا من شرق أوربا، وجهٌ وجسدٌ سلافيٌّ نحيل يزينه شعر يراوح بين الأحمر والأشقر والأسود ولكن بمجرد أن تضحك وتقهقه ضحكة تجلجل في تجويف الحلق بخشونة خاصة مثل بعض التركيات تعرف أنها من هنا، توحي بملامحها الفيزيائية ومرور يديها ذات الأصابع النحيلة على الريحان في مقهاها وعلى رؤوس القطط بما ليس فيها. بورجو Burcu التي لا مواعيد لطيبتها ولا مواعيد لغضبها وحقدها، ولا مواعيد لشيء يخصها، بورجو رغبة القادم من الجنوب بأن يلبس ثوب الاستنبولي، لكنه يبقى مثل محكومٍ رُبِطت رجلاه إلى حصانين وكلٌ مضى إلى جهةٍ في الأرض، هيلّه Hille القادمة من أستونيا والراغبة في الطيران في العالم دون أرض تشدها، كم أثلجت صدري حين صعدت الباص فوجدت وجهاً أنثوياً باسماً يقترب، وقلت لنفسي: لا شك أنها تظنني أحد أصدقائها، فحيتني وقالت: أعرفك ولكنك ربما لا تعرفني… وهكذا ببساطة صرنا صديقين، أنقذتني من شعوري بأنني غير مرئي ومجرد أحمق هاربٍ هائمٍ على وجهه في استنبول. ألمّهم جميعاً وأنصبهم حولي مثل السياج، لأنني خائف وأحتاج دفئاً بشرياً دون أن أغوص فيه، ولأني لا أجيد الولادة في الحاضر، “ولأنو في مملكة عم تنسرق مفتوح باب القصر”. (2)

ألتفت نحو الأفق وأظن حجارة المدرسة اليونانية الحمراء ستحمرُّ وتحمرُّ حتى تطير مثل بالون مملوء بالهليوم، وتأخذني معها إلى سماء لا خوف فيها، فآخذ ثأري من الحياة.

_____________________________________________________________________________________

* كاتب ومترجم سوري مهتم بالجنسانية والدراسات الثقافية مقيم في استنبول

(1) Giuseppe Tornatore المخرج الإيطالي الشهير

(2) من نص شهير للشاعر طلال حيدر أداه غناءً الفنان مارسيل خليفة

قد يعجبك ايضا