حول المسألة الكردية في سوريا

د. محمود الحمزة

جسر: قضايا:
1- الهوية الوطنية السورية
لم تتبلور الهوية الوطنية السورية بشكلها الكامل والسليم في سوريا في اي وقت من الأوقات منذ تأسيس الدولة السورية قبل مائة عام تقريباً. ولم يكن هناك توحد عميق في المجتمع السوري، فمرحلة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي كانت في حقيقة الأمر تحت راية القومية العربية (ياسين الحاج صالح). وكان تاريخ سوريا الحديث هو تاريخ الايديولوجيات والعسكر والسلطة لا تاريخا للثقافة والاقتصاد والمدينة.
وقد أحدثت هيمنة الخطاب العروبي في سوريا (الذي يعتبر سوريا قطراً عربياً) على خلق توتر وتناقضات في المجتمع السوري، حديث الولادة، دون ان تكتمل فيه هوية وطنية سورية وقبل أن يتشكل الشعب السوري. ولكن “استقرار” النظام السوري (مع صفته الاستبدادية) في فترة حافظ الأسد خلقت نوع من الشعور بالانتماء لسوريا ، ولكنه بقي رهينة الشعارات القومية.
وكما يقول مهاتير محمد لا يمكن أن يستمر التعايش بين الأعراق المختلفة في مجتمع واحد في غياب العدالة والمساواة والتنمية، فإذا كان تغيير الاختلافات العرقية والثقافية واللغوية والدينية يعد شيئاً مستحيلاً، فمن الممكن إزالة الفوارق الاقتصادية وتحقيق العدالة والمساواة والتنمية كأسس سليمة للتعايش السلمي. ومن جهة أخرى نرى أن عدم تشكل ثقافة وطنية سورية كان ولا يزال عقبة في طريق الاندماج الاجتماعيّ وفي طريق التنمية الإنسانية الشاملة والعادلة وإمكانية التحول الديمقراطي.
ويرتبط مفهوم الوطنية السورية بالحالة السياسية، التي تحولت إلى حقل خاص بحزب البعث العربي الاشتراكي ، قائد الدولة والمجتمع ، وقائد الجبهة الوطنية التقدمية ، وصار للوطنية معنى واحدا هو الولاء للحزب الحاكم وسلطنه الشمولية ، فكل من يواليها وطني وكل من لا يواليها صراحة مشكوك في وطنيته وكل من يعارضها غير وطني. ولذلك فالسبب الجوهري لكل التناقضات والخلافات والنعرات بين مكونات الشعب، وغياب الروح الوطنية الحقة، يعود لطبيعة النظام السياسي الاستبدادية والتسلطية والتي تقوي الانتماءات ما قبل الوطنية من عشائرية وطائفية ودينية وعائلية، وتستفيد من التفرقة والخلافات للحفاظ على السلطة والثروة.
وشهدت سوريا فترة نهوض وطني بعد الاستقلال في الخمسينيات حيث ساد جو ديمقراطي وحرية العمل السياسي والمدني، ولكن فترة الوحدة السورية المصرية وما بعدها حتى بداية انقلاب البعث في آذار 1963 ، كانت مرحلة تهميش وطمس للهوية السورية بحجة الهوية العربية التي انتشرت في فترة حكم عبد الناصر ذات الطابع الأمني مما عرقل تشكل الشعب السوري والهوية الوطنية السورية.
وجاءت فترة حكم البعث الاستبدادية بشعاراته القومية واعلاء مفهوم العروبة” كهوية لكل الشعب السوري باعتباره جزءا من “الأمة العربية” ، على حساب الانتماءات القومية والثقافية المختلفة.
وتستهدف الوطنية السورية تنمية الوعي السوري بذاته بوصفه وعيا وطنيا يجمع بين العرب والكرد والسريان والأشوريين والتركمان والأرمن والشركس وغيرهم. ولا يستهدف الوعي السوري التقريب بين الإثنيات ذوات الثقافات المختلفة، واحترامها فقط، بل التقريب أيضًا بين اتباع الديانات والطوائف السورية، وتقف الوطنية على مسافة واحدة منها جميعًا، ومن دون أن تكون معنية بمناقشة أي من الجوانب العقائدية واللاهوتية التي تخص أي دين أو طائفة. وهي ليست نقيضًا أو بديلًا للانتماء القومي أو الديني أو الطائفي، ولكن لها الأولوية على غيرها،
والوطنية هي سمة الدولة وهي محايدة ترتبط بالوطن كله وبكافة افراده . وهي مرتبطة بالعلمانية لأن الوطنية ليس لها صبغة دينية او قومية أو طائفية. والوطنية تتناقض مع محاولات الصهر والتذويب بالقوة ولا تنسجم مع التهميش بل يجب أن تستند الحقوق القومية المشروعة على الحقوق المدنية والحريات الأساسية ومبدأ المواطنة وسيادة القانون وعمومية الدولة. ولا تتحقق الوطنية السورية إلا بالديمقراطية
اعتبر المؤرخ الفرنسي، ميشيل سورا، المُغيب والمختطف من قبل النظام السوري وأزلامه في لبنان، أن النظام السوري، في مرحلة الأسد الأب، استخدم مفهوم العصبية الخلدونية لتثبيت حكمه. وجاء الأسد الابن ليستكمل ما بدأه والده، ويجعل من العصبية الطائفية عصبية عابرة للحدود، عبر تحالفه مع العصبية الشيعية ممثلة بإيران، والوسخ الطائفي القادم من بلدان أخرى.
وللأسف نجح النظام السوري في تطييف الثورة وربطها بأطراف متشددة سنية كالسلفية والقاعدة، وساعدت أطراف عربية وإسلامية في ذلك من خلال تبنيها على فضائيات محسوبة لها لخطاب ديني سني متشدد، بينما رأى الشعب السوري في ثورته أنها شعبية وطنية بامتياز. وردد شعارات وطنية بامتياز مثل “الشعب السوري واحد” .
وتجدر الملاحظة بأن التنوع الاجتماعي والقومي والثقافي سلاح ذو حدين تبعاص لنظام الحكم السياسي. ففي ظل الستبداد يصبح التنوع مصدر خلافات ونعرات وصراعات كما شهدنا في ظل حكم الأسدين، ولو كانت الدولة قائمة على القانون والمواطنة واحترام حقوق الجميع أفرادا وجماعات لكان التنوع مصدر غنى وثراء وقوة للمجتمع كما نشهد في أوروبا.
2- لمحة عن تاريخ المسألة الكردية
لا نريد الخوض في التاريخ القديم للكرد ووجودهم في سوريا ، لأنه يحتاج لباحثين علميين متخصصين في التاريخ بعيداً عن الاجندات السياسية. ولكن الحديث عن المسألة الكردية وتشكلها في سوريا موضوع تاريخي سياسي معاصر عمره تقريباً من عمر الدولة السورية، التي تأسست نتيجة اتفاقية سايكس بيكو في الربع الأول من القرن العشرين.
ويعيش اليوم ، بحسب تقديرات غير رسمية، في الجزيرة السورية (الرقة ودير الزور والحسكة) ما يقارب 3 ملايين نسمة أغلبيتهم من العشائر العربية ، ويشكل الأكراد ثلث السكان في محافظة الحسكة ، ويقل وجودهم في محافظتي الرقة ودير الزور . ويبلغ تعداد السريان (الاشوريين والكلدان) في الجزيرة 200 ألف نسمة
وتفيد المصادر المختلفة بما فيها الكردية أن مجموعات كردية قدمت في القرن 11 م بصحبة القائد صلاح الدين الايوبي وسكنت في المدن والمناطق الساحلية والشامية واندمجت وتعربت مثل جبل الاكراد في الساحل السوري وحي الاكراد في دمشق ، وهناك الاكراد الذين وفدوا الى سوريا في عشرينات القرن الماضي في زمن الانتداب الفرنسي وتركز معظمهم في الجزيرة السورية بمحافظة الحسكة. ومنهم ظهر قادة وطنيونلعبوا دوراً بارزاً في الثورة السورية الكبرى وفي قيادتها وهم من اصول كردية ولم يتصرفوا كاكراد بل كوطنيين سوريين. واكراد الجزيرة تتجاذبهم النزعة القومية الكردية والوطنية السورية (كيلاني).
في الواقع، كانت سيطرة حزب البعث على السلطة في سورية هي المحطّة الأبرز في القضية الكرديّة، حيث تم تغيير اسم الجمهورية السوريّة إلى الجمهوريّة العربيّة السوريّة، والبدء بتنفيذ مشاريع تمييزية بحق الكرد أبرزها الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة ، الحزام العربي عام 1974. لقد كانت ممارسات حزب البعث القومية الشوفينية العامل الأكبر في تنامي الشعور القومي الكردي في سورية، وتفكير الكرد بالحصول على حالة سياسية استثنائية في البلاد تحميهم من ممارسات السلطة
مرّت القضية الكردية في سورية بعدّة محطات تبدأ بمرحلة ما بعد الانسحاب العثماني وبدء مرحلة الانتداب الفرنسي. حينها لم تكن القضية الكردية في سورية متبلورة بشكلها القومي الحالي، باستثناء مطالبات بعض وجهاء العشائر الكردية للفرنسيين بمنح مناطقهم حكماً ذاتياً، ما لاقى رفضاً من وجهاء كرد آخرين والذين أصرّوا على إبقاء الارتباط مع دمشق.
وكان للأكراد السوريين مسألة قوميّة واضحة المعالم من قبل، كانت تحرز قبولاً من القوى السياسيّة والثقافيّة والمجتمعيّة السوريّة، وتسعى إلى إحراز أشكالٍ من الحكم المحلي والمساواة في الدستور والقوانين ومؤسسات الدولة وباقي منصات المتن العام بين الجماعتين العربيّة والكرديّة في سورية، وكان ذلك بروح توافقيّة وتكامليّة مع باقي القوى الديموقراطية السورية. وكانت مطالب وخيارات الحركة القوميّة الكرديّة قبل تسلط هذا «الحزب القائد» (حزب الاتحاد الديمقراطي) على الكرد خجولة ومتواضعة، على رغم عمق المأساة الكردية، لكنها كانت مطالب وخيارات متوائمة مع حجم وقدرات الكرد السوريين، وحريصة على الحفاظ على الكرد السوريين، مجتمعاً وجغرافيةً، من دون أية شعارات جوفاء وتطلعات هوائيّة، قد تؤدي في المحصلة إلى اقتلاعهم ومحقهم، وترديد القصائد القومية على أطلال بيوتهم ومدنهم وحيواتهم فيما بعد، مثلما يفعلون الآن في عفرين(رستم محمود).
وشارك الكرد السوريون في معارك الاستقلال وفي الحراك السياسي في الاربعينيات بشكل فردي ومن خلال الجمعيات الثقافية.
واثارت دراسة طلب هلال المسؤول البعثي وضابط المخابرات استياء كبيراً لدى الكرد وكل الوطنيين السوريين وكان عنوانها “دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية الاجتماعية السياسية” وتتكون من 12 نقطة. وبلا شك فإنها تتسم بالروح القومية الشوفينية ولكي نفهمها جيدا يجب مراجعة الظروف التاريخية التي كانت تمر بها سوريا في تلك الفترة.
3- من تاريخ الحركة السياسية الكردية حتى بداية الثورة السورية
تأسست اولى الحركات القومية الكردية في سوريا من قبل شخصيات كردية قدمت من تركيا والعراق وساهم معهم شخصيات مثقفة كردية سورية. وكانت الفترة 1946-1970 فترة تبلور الحس القومي الكردي في سوريا، وخاصة بعد تأسيس “جمعية خويبون- الاستقلال” التي أسسها اكراد من تركيا عام 1927 واعتبروا لاجئين اتراك في سوريا. وكذلك تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردي (البارتي) (كلمة بارتي قد تكون مشتقة من كلمة “حزب” باللغات الاجنبية)، وكانت تخلو خرائط كردستان، التي وضعتها جمعية خويبون، من المناطق السورية ذات التواجد الكردي (الجزيرة- عفرين- عين العرب). وكذلك الخريطة التي اعتمدها القوميون الكرد عا م1948 ايضا خلت من الجزيرة السورية ولم يدخل فيها الا جزء من منطقة جبل الاكراد بعفرين.
وتأثر اكراد سوريا بالحركة القومية في تركيا والعراق بشكل اساسي، بالاضافة إلى التمييز القومي ضد الاكراد في الجزيرة في زمن حكم البعث (منع استخدام اللغة القومية- الحرمان من الجنسية- منع التعبير عن الهوية الثقافية بالاضافة الى الاضطهاد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي شمل كل السوريين من عرب وسريان وكرد وغيرهم).
وفي العهد الوطني الليبرالي 1946- 1963 تأسس عدد من الجمعيات الثقافية الكردية : “الحمعية الثقافية السرية” في مدينة حلب عام 1951 من اجل نشر الثقافة الكردية، وتأسست “جمعية وحدة الشباب الديمقراطيين الكرد” في القامشلي عام 1953 وحملت اهدافا راديكالية بما فيها طرح شعار تحرير كردستان، وتأسست “جمعية إحياء الثقافة الكردية” في دمشق، وكانت بمثابة الإرهاصات لتأسيس حزب الكرد الديمقراطيين عام 1956. وتأسس بعد هذه الجمعيات “الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية (البارتي)” وكان الحزب دائما يعتمد على سياسة معتدلة (باستثناء الفترة التي قاد الحزب فيها الدكتور نور الدين ظاظا الذي طالب بتحرير كردستان وتوحيدها بطرق ثورية). وشارك في تأسيس الحزب: عبد الحميد درويش وعثمان صبري وحمزة نويران بتشجيع من جلال طالباني وانضم إليهم لاحقا رشيد حمو وشوكت حنان ومحمد علي خوجة .
وقد أيد الحزب البارتي الوحدة السورية المصرية نظرا لامله في تحقيق مكاسب وعد بها عبد الناصر وكذلك تقارب الحكم الناصري معهم وفتح اذاعة بالكردية 1957 ولم يحل نفسه.
وبدأ الكرد يتساءلون منذ الستينيات عن ماهية المسألة الكردية في سوريا ، وهل هم اقلية قومية أم جزء من الشعب السوري؟ ويعتبر الحزب الشيوعي السوري الوحيد الذي جمع بين النخب العربية والكردية في تنظيم واحد.
أما بعد انقلاب 8 اذار 1963 وحتى 1970 سنة استيلاء حافظ الاسد على السلطة في سوريا، فقد شن الحكم البعثي في سوريا والعراق الحرب على الملا مصطفى البرزاني ودخل الحزب البارتي بخلاف مع السلطة السورية (كان في الحزب جناحان: عبد الحميد درويش معتدل اقرب للطالباني يرى في الكرد اقلية قومية في سوريا- وعثمان صبري متشدد يساري أقرب للبرزاني و يرى ان الكرد شعب يقيم في وطنه التاريخي ولديه حق تقرير المصير، وحاول البرزاني التقريب بين التيارين فلم يفلح. وتراجع الطرح المتشدد ورفعت كلمة “كردستاني” من اسم الحزب واصبح اسمه “الحزب الديمقراطي الكردي في سورية” (1964). وأكد الحزب البارتي أن الأكراد هم القومية الثانية في سوريا وليسوا أقلية قومية وإن لهم حقوق مشروعة سياسية واجتماعية وثقافية. وفي مؤتمره عام 1965 أكد على أن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سورية مرتبطة عضويا بتحقيق الاشتراكية في سورية اي تم ربط النضال القومي بالطبقي وان الشعب الكردي في سوريا جزء من الامة الكردية المقسمة بين اجزاء كردستان الاربعة. ثم جاءت مرحلة الانقسامات في الحزب الديمقراطي الكردي في سورية فنشأ 11 حزب وبعدها وصل العدد الى 20 حزبا كرديا.
واجمعت الاحزاب الكردية في بداية عهد حافظ الاسد على العمل من اجل الحقوق السياسية والثقافية للكرد ضمن الجمهورية العربية السورية. وكان هناك هامشا كبيرا للعمل الحزبي الكردي في عهد الاسد الاب لدرجة ان اصبحوا نواب في مجلس الشعب، حيث نجح 3 نواب عام 1990 وهم حميد درويش (الحزب الديمقراطي التقدمي) وكمال احمد (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا) وفؤاد عليكو (حزب الاتحاد الشعبي الكردي).
أما في الفترة 1984-1998 فقد تبدلت الامور بالنسبة للأحزاب الكردية بعد ظهور حزب العمال الكردستاني بي كي كي وتحالفه مع نظام الاسد. ثم لجأت قيادة حزب العمال الكردستاني (عبدالله اوجلان) الى سوريا عام 1980 بعد الانقلاب العسكري التركي. وتعاون حزب اوجلان مع المخابرات السورية وكان يتبع لتوجيهاتها وعمل ضد الكرد والعرب واطلق النظام يديه في المناطق التي يتواجد فيها الكرد.
ومن المفارقة تصريح اوجلان في تلك الفترة بأنه لا توجد مسالة كردية في سوريا وأن مسائل الاكراد في سوريا متفرعة عن المشكلة الكردية في تركيا، التي اجبرت حكوماتها الاكراد على الهجرة الى سوريا، أي أن موقفه كان ينسجم مع السياسة الرسمية للاسد وهي انه لا توجد مسألة كردية في سوريا، وأن الاكراد الذين يعيشون في سوريا كلهم لاجئون من تركيا. وفي مقابلة له عام 1996 لمح اوجلان إلى ان سوريا والكرد سوف يكونون مسرورين في عودة الكرد باتجاه الشمال . ولكن اوجلان قام بتجنيد آلاف الشباب الكرد بمباركة من النظام السوري، الذي أنشأ معسكرات تدريب لعناصر الحزب في البقاع وسوريا وتم ارسالهم للقتال والموت في تركيا (بقي مصير 7 الاف شاب كردي مجهولاً). وللمقارنة والتأكد من اساليب النظام السوري الاجرامية بحق الكرد والعرب نذكر أنه بعد الاحتلال الامريكي للعراق اشرفت المخابرات السورية، من خلال صنيعتها الداعية أبو القعقاع، على تجنيد الشباب العرب السنة، بحجة الجهاد والمقاومة ضد الأمريكان، ونقلهم بالباصات من حلب إلى بغداد ليفجروا أنفسهم في العراق ويقتلون الابرياء.
وازدادت ثقة الاسد بالاكراد (في العداء لتركيا والعراق والاخوان المسلمين) على حساب عرب الجزيرة السورية، الذين اتهمت السلطات اغلبهم بالتعامل مع العراق أو الاخوان، واستمر هذا التحالف الاسدي الأوجلاني حتى عام 1998 ، عندما اجبر الاسد على ترحيل اوجلان من سوريا ، وتم اعتقاله لاحقا من قبل المخابرات التركية وزجه في السجن حتى اليوم.
وبعد استلام بشار الاسد للحكم شارك ناشطون كرد في ربيع دمشق بعد عام 2000 ونظموا أول وقفة احتجاجية أمام البرلمان في دمشق في اليوم العالمي لحقوق الانسان في 10/12/2000 ، حيث طالبوا باعادة الجنسية وبالاعتراف بالحقوق الثقافية ووقف العمل بقانون الطوارئ.
وجاء الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 الذي ساعد في تاسيس اقليم كردستان بحكومة ورئيس وبرلمان، ليبعث الانتعاش في الاوساط الكردية السورية. وهناك من يرى بأن بعض القوى السياسية الكردية كانت تحضر للقيام بنشاط سياسي كبير عام 2004 ، على غرار الاستقلال النسبي الذي جرى في اقليم كردستان العراق، وهم على ثقة من قدوم دعم امريكي لهم ، ولكن المخابرات السورية على ما يبدو كانت أكثر خبثاً وذكاءً، حيث اكتشفت الخطة واستبقت الأمور وفجرت الوضع مستغلة مباراة كرة القدم في القامشلي بمشاركة منتخب دير الزور. فوقعت أحداث اذار 2004 التي تسببت بوقوع ضحايا من ابناء المنطقة.
وبعد انتفاضة 2004 استنتج بعض الكرد من الديمقراطيين بأن المسالة الكردية هي جزء من القضية الديمقراطية السورية، وليست منعزلة عنها ، ولذلك انضمت اغلب الاحزاب الكردية لاعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي عام 2005. مع أن بعض القوى الكردية اعتبرت غياب دعم القوى “العربية” للانتفاضة بمثابة حجة لترسيخ الابتعاد بين المسارين الكردي والعربي، وفي فترة الثورة انتقدت القوى الكردية عموم السوريين لعدم مشاركتهم أود دعمهم للانتفاضة، علماً أنه لم يتم التنسيق مع القوى السورية الأخرى في التحضير للانتفاضة.
4- المعارضة السورية – الأحزاب الكردية والمسألة الكردية
أول تحالف بين قوى سياسية كردية واخرى سورية كان بعد أحداث آذار 2004 حيث اقتربت الاحزاب الكردية من قوى المعارضة السورية “العربية” وتجسد ذلك في انضمام 9 أحزاب كردية إلى إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي عام 2005. حيث ورد في الإعلان حول المسألة الكردية: ” إيجاد حل ديمقراطي عادل للقضية الكردية في سوريا بما يضمن المساواة التامة للمواطنين الأكراد السوريين مع بقية المواطنين من حيث حقوق الجنسية والثقافة وتعلم اللغة القومية وبقية الحقوق الدستورية والسياسية والاجتماعية والقانونية، على قاعدة وحدة سوريا ارضا وشعباً. ولا بد من إعادة الجنسية وحقوق المواطنة للذين حرموا منها وتسوية هذا الملف”. ولكن هذه الاحزاب الكردية سرعان ما تركت الاعلان.
وتبلور طرح كردي قبيل الثورة حول المسألة الكردية نجده في كلمات سكرتير الحزب اليساري الكردي الذي اعلن أن “الأحزاب الكردية في سوريا لا تستخدم مصطلح “كردستان سوريا” كما تعتبر الكرد في سوريا جزءا من الشعب السوري وتطالب هذه الأحزاب بتأمين حقوق الكرد القومية المتمثلة بالحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية في اطار الوطن السوري وترى ان حل القضية الكردية في سوريا يتم في دمشق وليس في أي مكان آخر، وأنه مرتبط تماما بحل المسائل الديمقراطية لباقي ابناء الشعب السوري”. وطالبت بعض الاحزاب الكردية بـ “حق تقرير المصير” والتعامل مع الكرد كأمة وليس كأقلية قومية وإقرار فكرة اللامركزية السياسية لبناء سورية الجديدة. ويجب التوقف عند هذه النقطة أكثر. فعندما نعترف بأن الكرد في سورية هم أمة او شعب فعندها له الحق في تقرير المصير بما فيها الانفصال والاستقلال او الوحدة مع بقية اجزاء الامة الكردية دون اعتبار للمكونات العربية و السريانية والتركمانية في مناطق التواجد الكردي، بالرغم من التباعد الحغرافي بين الاكراد في شمال سورية من اقصى الشرق الى عفرين وعين العرب حيث يتداخل العرب والسريان والتركمان والشراكسة والأرمن والكرد في هذه المنطقة.
وظهرت مؤخراً طروحات جديدة مثل الدعوة لتأسيس نظام فيدرالي يضمن للاكراد حق تقرير المصير وووصولا الى تشكيل حكومة على غرار كردستان العراق. (رئيس المجلس الوطني الكردستاني سورية شيركو عباس 20 شباط 2012). كما نشرت في عام 2012 خريطة “اقليم كردستان سوريا” التي تبدأ من عين ديوار التابعة لمنطقة ديريك شرقا في محافظة الحسكة وحتى لواء اسكندرون شاملا كل شمال سوريا على امتداد الحدود التركية السورية. وفي هذا الإطار نجد أن الكرد ينقسمون الى رؤيتين: رؤية كردية ورؤية كردستانية.
ويشهد تاريخ سوريا عد حدوث صراعات عنفية بين العرب والكرد وباقي المكونات مما تسمح بحل سلمي عادل لمسألة القوميات عبر الحوار الوطني لبناء عقد ديمقراطي وطني يتسع للجميع في سورية الجديدة. ولكن بعض الكرد حاول في فترة الثورة وهيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي عسكرياً ، الاصطياد في الماء العكر وفرض سياسة الامر الواقع واستغلال الدعم الامريكي والاوروبي ، علماً أن العقبة الرئيسية الحاسمة امام حل مسألة القوميات حلا عادلا ودائما هو النظام الشمولي الاستبدادي الفاسد الذي يتبع سياسة فرق تسد ويشجع على الطائفية والتمييز على اساس عرقي. كما أن الثورة بدأت بخطاب وطني حقيقي (الشعب السوري واحد) يجمع بين المكونات دون تمييز على اساس الدين او القومية ولكن النظام قام بنشر النعرة الطائفية وتشجيع التشدد الديني والقومي الى جانب تقصير المعارضة في الخطاب والممارسة لاستيعاب الاقليات والطوائف
وضم المجلس الوطني السوري منذ تأسيسه ممثلين كرد وفي مقدمتهم مشعل التمو رئيس حزب تيار المستقبل، وشخصيات مستقلة مثل الدكتور عبد الباسط سيدا. وتجسد موقف المجلس الوطني السوري في وثيقة العهد للمعارضة السورية (تونس آذار 2012) التي ورد فيها: “تقر الدولة السورية بوجود قومية كردية ضمن ابنائها وبهويتها وبحقوقها القومية المشروعة وفق العهود والمواثيق الدولية ضمن اطار الوطن السوري. وتعتبر القومية الكردية في سورية جزءا اصيلا من الشعب السوري. كما تقر الدولة بوجود هوية وحقوق قومية مماثلة للقوميتين السريانية الاشورية والتركمانية السوريتين وان سورية جزء من الوطن العربي ترتبط شعوبه بوشائج الثقافة والتاريخ والمصالح والأهداف الكبرى والمصير المشترك. وسورية عضو مؤسس في جامعة الدول العربية تتطلع الى توثيق مختلف أشكال التعاون والترابط بين البلدان العربية”
أما الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ( تشرين الثاني 2012)، الذي خصص مقعدا دائما هو نائب الرئيس للمكون الكردي، فقد وقّع مع المجلس الوطني الكردي (الذي تأسس بعد المجلس الوطني السوري بعدة ايام في القامشلي) مذكّرة تفاهم تضمّنت عدة مطالب اعترف بها الأوّل بأحقية معظمها مع التحفّظ على مطلب جعل سورية دولة اتحادية .وأكد الائتلاف في بيانه على أن سورية دولة مدنية ديمقراطية تعددية تقوم على مبدأ المواطنة وتساوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات وفق احكام الدستور والقوانين المرعية. ولا تميز بين افراد الشعب السوري في الحقوق على اساس جنسهم او عرقهم او انتمائهم السياسي والفكري او اصولهم القومية والاثنية او عقائدهم الدينية والمذهبية. وكذلك أشار إلى أن الدولة السورية تعترف رسميا بمختلف المكونات القومية للمجتمع السوري وتؤكد حقوقها في استخدام لغتها وتقاليدها الخاصة وممارسة طقوسها في جو من الحرية يكفله القانون.
وأكدت الهيئة العليا للمفاوضات (ايلول 2016): على أن العقد الاجتماعي في النظام الجديد على اساس مبدأ المواطنة واعتبر القضية الكردية قضية وطنية سورية ويجب العمل على ضمان حقوقهم القومية واللغوية والثقافية دستوريا.
ولاحظ الكثيرون بأن سياسة انسحابات الاحزاب الكردية من مؤتمرا ت المعارضة أضرت كثيراً ، كما أغفلت أغلب الحركة القومية الكردية الخطاب الأساسي للثورة الداعي للحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، واسقاط نظام الاستبداد، وحدَّدت عملها ضمن الوسط الكردي، وبالمطالب الكرديّة فقط، وتجاهلت العمل في الإطار الأوسع، أي الشعب السوري، من أجل إقناعه برؤاها وتصوّراتها. كما أن الأحزاب السياسية الكردية التي فوجئت بانتفاضة الشعب السوري اتخذت في البداية موقف الترقب السلبي وقد يكون ذلك نرتبط ايضاً بالتخوف من احتضان تركيا للمعارضة السورية انطلاقا من الحساسية التاريخية بين الاكراد والحكومات التركية. وهناك عامل آخر خارجي أثر في طبيعة انخراط الحركة الكردية في الثورة وهي الخلافات بين قيادة اقليم كردستان العراق ومعها أغلب الأحزاب الكردية السورية من جهة وبين حزب العمال كردستاني (وفرعه في سوريا حزب الاتحاد الديمقراطي المسيطر عسكريا) من جهة أخرى حول مصير أكراد سورية في «اليوم التالي» لسقوط النظام، الذي حل محلّ الخلاف البارزاني-الطالباني التقليديّ. وليس تأليف الهيئة العليا المشتركة بين المجلس الوطنيّ الكرديّ والاتحاد الديمقراطي إلا تعبيرًا عن هذا الاحتدام. كما أن تشكيل اليهئة المشتركة بين حزب الاتحاد الديمقراطي وبقية الاحزاب الكردية السورية لادارة مناطق التواجد الكردي هي تأكيد أيضاً على رؤية قيادة الاقليم في التأسيس لكيان يتمتع بحكم ذاتي في مناطق الجزيرة وعفرين وعين العرب.
ولوحظ أن الأحزاب الكرديّة، كلّما وصلت الأمور إلى طريق مسدودة في النقاش، تبدأ بكيل الاتهامات للمعارضة السورية بالقومية الشوفينيّة وحتى الداعشية ، مع أنّ من يستخدم هذا الاسلوب في الاتهام ليس بعيدا عن العقلية الداعشية. وبداهة إن السوريين جميعًا تعرّضوا للقمع مثل الأكراد، ولا يمكن تحميل السوريين عبء ما فعله النظام، وفرض الشعور بالذنب عليهم تجاه ما لاقاه الأكراد في سورية من عسفٍ وظلم، فالنظام فرض على السوريين ألاّ يعرفوا أو يتعرّفوا إلى بعضهم بعض، وهذا ينطبق على الجميع وليس على الأكراد وحسب، ولم يبدؤوا بكسر هذه القاعدة إلاّ مع بداية الثورة عندما بدأ التواصل وأخذت المدن السورية تهتف الواحدة للأخرى. يضاف إلى كل ذلك نقطة سلبية أخرى وهي عدم مقاربة المسألة القومية، خاصة الكردية، بوصفها جزءًا من الثورة الوطنية الديمقراطية في سورية، بعيدًا عن الارتهانات الإقليمية، والتزامًا بحل المسألة الكردية والقومية الخاصة ببقية مكونات الجماعة الوطنية السورية حلًا عادلًا، يضمن الاعتراف بحقوق المواطنة المتساوية للكرد كأفراد، وبحقوقهم الجمعية والقومية، كشعب، في إطار الوطن السوري.
كما أن المعارضة السورية نفسها ارتكبت خطأ في خطابها بالتركيز على مقولة اسقاط النظام وإحلال نظام آخر دون توضيح لطبيعة المرحلة القادمة مع كل ما يترتب عليها من خيارات متناقضة، أضرت بإجماعات السوريين وثقتهم بشعبهم وثورتهم، حتى لم يعد يُعرف ما إذا كانت الثورة سياسية وديموقراطية أو طائفية ودينية. ويؤخذ على قوى الثورة والمعارضة ايضاً عدم اشتغالها حتى الآن على عقد مؤتمر وطني جامع يضم القوى الرافضة للاستبداد، المؤيدة للخيار الوطني الديمقراطي كخيار نهائي لسورية الجديدة، وصوغ برنامج سياسي تتبناه وتلتزمه مرجعيةً تقرر في ضوئها مواقفها الوطنية المشتركة والجامعة، وإن اختلفت قراءاتها السياسية، بالرغم من وجود تجارب ومحاولات لمجموعات ونخب سورية مختلفة لكنها للاسف لم تصل الى تحقيق الهدف المطلوب الذي يعبر عن ارادة كل السوريين باستقلالية.
5- حزب الاتحاد الديمقراطي ومشتقاته السياسية والعسكرية:
تأسس حزب الاتحاد الديمقراطي عام 2003 لتعويض نشاط حزب العمال الكردستاني (التركي) بعد اعتقال زعيمه عبدالله أوجلان . علماأن النظام الذي احتضن اوجلان وشجعه على القتال ضد تركيا قام في 1998 بالغدر فيه وترحيله من سوريا ، حيث قبضت عليه تركيا . وتم توقيع اتفاقيةاضنة الذي يعطي الحق لتركيا بملاحقة مقاتلي حزب العمال داخل الاراضي السورية بعمق 5 كيلومترات . ولكن النظام المعروف بخبثه سمح في 2011 لصالح مسلم بالعودة الى سوريا (حصل فوراً بعد ظهوره في سوريا على جواز سفر سوري جديد!) ليقوم بدور محدد مسبقا من قبل النظام السوري بعد ان كان ملاحقا في 2010 .
وبالرغم من أن حزب الاتحاد الديمقراطي قد أعلن أنه معادي للنظام، لكن الحقيقة ان قيادته تتلقى التوجيهات من جبال قنديل التي كانت تريد تاسيس “ادارة ذاتية مجتمعية لغرب كردستان”، واصبحنا نرى صور حافظ الاسد وتماثيله في الجزيرة وقريبا منها صور اوجلان! ولعب حزب الاتحاد الديمقراطي دور السمسار لدى النظام. وحارب الحزب قضية الشعب الكردي قبل غيره وليس غريباً أن اسم حزب الاتحاد الديمقراطي وكافة مشتقاته تخلو من كلمة كردي.
ويرصد المراقبون التناقضات العميقة بين اقوال الحزب وافعاله. فبينما كتب اوجلان بأن عصر القوميات قد ولى، وسعي الكرد لتحقيق حقوقهم القومية سيؤدي بهم الى الهلاك. قام حزب الاتحاد باصدار نسخته القومية من الفيدرالية في بداية 2016 سماها (فيدرالية روجآفا – شمال شرقي سوريا)، بالاضافة إلى أن روجآفا وكانتوناتها حاربت الرموز القومية الكردية بما فيها علم كردستان وكان ممنوعا رفع اي صورة لاي زعيم كردي سوى اوجلان (التركي) وكذلك فإن علاقة الحزب سيئة باقليم كردستان وبالاحزاب الكردية السورية. وليس سراً أن الحزب ومشتقاته لا تعترف بالثورة السورية وهناك تسريبات تؤكد قيام تحالف ايراني- سوري- عمالي كردستاني مبكر تديره خلية تنسيق على مستوى عال بين تلك الاطراف لدعم النظام والعمل ضد الثورة. وقد حارب الحزب ومشتقاته قوى الثورة المعارضة السياسية والعسكرية وانضم إلى هيئة التنسيق واصبح نائبا للرئيس (6/10/2011)
ويُعتبر حزب الاتحاد الديمقراطي الحامل الفاعل للمشروع الكردي في سورية منذ عام 2012 ، حيث قام بالعديد من الخطوات في إطار تأسيس وتطوير المشروع:
تأسيس مجلس شعب غرب كردستان في كانون الأول 2011 وتأسيس وحدات حماية الشعب في آذار 2012، بقيادة شخصيات عسكرية من جبال قنديل، وفي نفس العام تم تأسيس قوات الأسايش (الأمن) وهي بمثابة قوات الشرطة. وتشكيل الإدارة الذاتية في شمال سورية في تشرين الثاني عام 2013، والتي تم عبرها تقسيم المناطق الخاضعة لسيطرته لثلاث كانتونات/ مقاطعات وهي الجزيرة، كوباني وعفرين. وفي كانون الثاني 2014، تم تأسيس ثلاثة مجالس تشريعية وتنفيذية لإدارة تلك المقاطعات. ثم تلاها تأسيس قوات سورية الديمقراطية في تشرين الأول 2015، وهي مظلّة عسكرية تضم الكرد، العرب والآشور (مشاركة رمزية)، بدعم كامل من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتّحدة، بغرض محاربة تنظيم داعش. وفي نفس العام أيضاً تم تأسيس مجلس سورية الديمقراطية وهو مظلّة سياسية جمعت حزب الاتحاد الديمقراطي مع قوى عربية، سريانية وكردية، ليكوّن الممثل السياسي لقوات سورية الديمقراطية. وفي آذار 2016 تم تشكيل فدرالية روج آفا – شمال سورية، لكن مع نهاية العام تم إلغاء كلمة روج آفا من التسمية، والإعلان عن تقسيمات إدارية جديدة، وإجراء انتخابات محليّة وبرلمانية، وفي أيلول 2017، تم إجراء انتخابات الكومينات، وفي كانون الأول من العام نفسه أجريت أيضاً انتخابات المجالس المحلية والمدنية والمقاطعات، إلّا أنّ العملية العسكرية التركية في عفرين أوقفت إكمال العمل على تشكيل الفدرالية ، فقد كان من المنتظر في عام 2018 إجراء انتخابات لمجالس الأقاليم وأخرى لمجلس مؤتمر الشعوب. وأخيراً تشكلت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية في أيلول 2018، كبديل عن الفدرالية، وهي عبارة عن إدارة منسّقة وجامعة لسبع إدارات ومناطق خاضعة لسيطرة قوات سورية الديمقراطية وهي (الجزيرة – كوباني – منبج – الرقة – دير الزور – الطبقة – بالإضافة لتمثيل عفرين). لكنّ انسحاب الولايات المتّحدة وإعادة انتشارها في سورية، وإطلاق تركيا عملية “نبع السلام” العسكرية في تشرين الأول 2019، أدّى إلى تعطيل العمل في الإدارة الذاتية.
وتشير المصادر إلى أن هناك أكثر من ثلاثين مؤسسة تتبع للحزب في سوريا وحدها. منظمات المرأة، وعوائل الشهداء، والأطفال، والفتية، والطلاب، والجامعات، والفلاحين، والعمال، والحرفيين، والأطباء، والمهندسين. عدا عن النقابات، وخلايا الحزب، والإعلام، والعسكرة، وكومينات القرى والبلديات
وفي كتابه المهم ” روجآفا- خديعة الأسد الكبرى” تحدث الكاتب الكردي السوري حسين جلبي بالتفصيل عن حزب الاتحاد الديمقراطي وممارساته المعادية للثورة ولقضية الشعب السوري بعربه وكرده وسريانه، وعن تفاصيل بعض عمليات الخطف والاخفاء القسري التي تعرض لها الكرد. وكذلك عمليات القتل والقتل تحت التعذيب في سجون حزب الاتحاد الديمقراطي. ويؤكد جلبي بان النظام منذ بداية الثورة سلم الملف الكردي السوري الى حزب الاتحاد الديمقراطي واكتفى بادارته من خلف الستارة. أما روجآفا فهي في الحقيقة خديعة النظام للكرد وهي انموذج لاسلوب نظام الاسد في معالجة الازمات التي يمر بها وكيفية ادارته ازماته خاصة حلها من كيس خصومه من دون ان يدفع اي ثمن.
وتفيد المصادر المختلفة إلى أن النظام قام في منتصف 2012 بتوقيع اتفاق مع حزب الاتحاد الديمقراطي يقضي بتقاسم عائدات النفط وتأمين الحماية المشتركة لحقول رميلان الاستراتيجية، حيث يتوجب على الحزب أن يرسل يومياً مقدار 300 ألف دولار أمريكي إلى قيادته في قنديل، وما يفيض عن ذلك يستخدم في دعم منظمات الحزب في سوريا. وشهد شهر تموز من العام نفسه قيام النظام بتسليم محافظة الحسكة لحزب الاتّحاد الديمقراطي من شؤون خدمية وأمنية وعسكرية واقتصادية باستثناء إبقائه على مربع أمني يشمل ثكنة وبعض الأحياء. وقد ساعد النظام أو غض النظر عن كل ممارسات قسد وحزب الاتحاد الديمقراطي حتى اصبحوا تابعين لامريكا عندها بدأت الخلافات ولكن بعد انسحاب القوات الامريكية من بعض المناطق رجع التناغم بين النظام وقسد. بدعم ووساطة روسية قوية.
ومن المفيد التذكير بمواقف عبدالله أوجلان الزعيم الروحي لحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي واستطالاته السياسية والعسكرية المختلفة في سوريا التي تنادي بشعارات جوهرها قومي كردي مثل الفيدرالية وروجآفا وغربي كردستان والخ من المسميات التي اخترعها منظرو الحزب في فترة الثورة. يقول عبدالله اوجلان في حوار طويل مع الصحافي نبيل ملحم نشرفي كتاب “سبعة ايام مع آبو ” : إن اقليم كردستان يشكل خنجرا في خاصرة الامة العربية ومن جهة اخرى شارك الحزب النظام السوري إنكار وجود كرد في سوريا على الرغم من انهم كانوا وقودا لحربه ووصل الامر باوجلان إلى حد القول: سأجرى دراسات اكتشف من خلالها بأنه لا وجود لشيء اسمه كردستان سوريا وبأن كردها قادمون من تركيا وبأنه سيعمل على تهجيرهم واعادتهم اليها ثانية في المستقبل”.
ومن الممارسات التي تلطخ سمعة حزب الاتحاد الديمقراطي نذكر:
– لجأ الحزب الى استخدام العنف والقوة للهيمنة على الحراك الثوري الكردي وقمع كل اشكال التظاهر السلمي.
– اوقف الحراك الثوري (علماً أنه تم تأسيس تنسيقيات شباب الكرد في سوريا تموز 2011) في مدن التواجد الكردي
– عملت الأجهزة السرية لدى حزب الاتحاد على وصف مشعل التمو بالمتسلق والوصولي والانتهازي، لدرجة أن باقي الأحزاب الكردية المناهضة لحزب الاتحاد وقعت في هذا الفخ وراحت تكرر وتجتـر هذا الكلام، ثم وجهت تهديدات للمناضل مشعل التمو واغتالته في آب 2011 .
– برأ زعيم الحزب صالح مسلم النظام الأسدي من استخدام الكيماوي
– ارتكب جرائم عديدة في الجزيرة السورية، حيث قام بحرق عدة قرى عربية واعتدى على العرب والاشوريين والتركمان.
– فرض اللغة الكردية في المدارس واقفل المدارس الخاصة ومنها المدارس السريانية، وغيـّر المناهج التعليمية فاصبحت تمجد بعبدالله اوجلان بدلا من حافظ الاسد.
– في سجون الحزب عدد كبير من المعتقلين منهم السياسيين والصحفيين والكتاب الكرد والعرب وغيرهم.
– مارس القتل والقتل تحت التعذيب والخطف والاعتداء على المعتقلين بما فيه الاعتداء الجنسي وجند الأطفال للقتال في صفوفه.
– هناك وثائق تثبت تذمر الكرد في مناطق سيطرة الحزب من تصرفاته وممارساته القمعية التي وصفت بأنها ابشع من أفعال النظام.
وخلال سيطرة وحدات الحماية الشعبية التابعة للحزب على مناطق شمال شرق سورية وعفرين وبعض قرى حلب اصبحت تتبع في إدارتها وأمنها لهيئات كرديّة تمّ تأليفها بناء على اتفاق أربيل2 . الأمر الذي ترك هواجس عدّة لدى العرب السوريين عن نيات وطموحات القوى الكردية، والتخوّف من استغلال حالة الفوضى الناجمة عن المواجهات العسكريّة للسير في سيناريوهات انفصالية أو تقسيميّة، تجعل هذه المناطق تابعة لإرادات إقليميّة مثل إقليم كردستان العراق الذي يحاذي محافظة الحسكة، أو تابعة لإرادات حزبيّة مثل حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يشكل حزب الاتحاد الديمقراطيّ الكردي امتدادًا له.
وحتى أن صيغة أنّ «الشعب الكرديّ يعيش على أرضه التاريخية» هو مفهوم حديث جدًا في مفاهيم الحركة الكرديّة السورية، انتشر في الوسط الكرديّ السوريّ من ثلاثة عقود، وهي تثير قلقا وحساسية كبرى لدى مكونات الشعب السوري الأخرى وخاصة في منطقة الجزيرة، التي تقطنها أغلبية عربية. ثم أن هذه المسألة ذات طابع تاريخي وتحتاج لدراسة علمية موضوعية بعيدا عن عقلية فرض سياسة الامر الواقع والاصطياد في الماء العكر.
وبالمناسبة فإن حزب العمال الكردستاني له فروع في ايران ايضاً مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK الذي تأسس عام 2004. وهذا الحزب كان له دور فعال في القضاء على الثورة الخضراء في إيران كما تؤكد ذلك مصادر المعارضة الإيرانية. وهناك الحزب الشيوعي الكردستاني KKP في سوريا، الذي يتبع عمليا لحزب العمال الكردستاني. كذلك يدعي حزب السلام الكردي هو الآخر أنه موجود منذ 2004، وأيضاً حزب التغيير الكردستاني. كل هذه الأحزاب تعمل تحت عباءة ما تعرف بحركة المجتمع الديمقراطي. وتعتبر المنظمات المدنية ساحة اللعب الخلفية للكردستاني، للتوسع والتمدد والسيطرة على مفاصل الحياة، ويمتلك الحزب في أوربا عدة مؤسسات مثل مركز الدراسات الكردية NLK في ألمانيا بقيادة نواف خليل. ولا ننسى أن حزب العمال الكردستاني بعد اعتقال اوجلان أعلن عن تخليه عن المشروع القومي الكردي بإقامة دولة كردستان، واستبداله بمشروع الأمة الديمقراطية.
وحول معركة عين العرب(كوباني) التي اشغلت وسائل الاعلام العالمية حينها فإن الوقائع والتحليلات تؤكد على أنها مسرحية هوليودية بامتياز لتلميع صورة وحدات الحماية الشعبية. فخلال أقل من يومين كانت داعش تسيطر على كامل مساحة ريف عين العرب وسقطت زهاء 400 قرية دون إطلاق رصاصة واحدة، حيث طلب حزب الاتحاد الديمقراطي من الأهالي عدم المقاومة وضرورة المغادرة نحو الحدود التركية. وراح السكان المحليون والنشطاء والمحللون يتساءلون. كيف تسقط كل تلك المساحات الشاسعة بظرف ساعات. وكيف تم تحريرها ايضاً بسهولة لافتة.
وقد عبر الكاتب الكردي السوري المعروف سليم بركات عن رأيه بحزب الاتحاد الديمقراطي واصفا إياه بالبعث الكردستاني ويقول: نحن الكرد السوريين لا نريد أصناماً على مداخل الشمال السوري ومخارجه. تماثيل العائلة الحاكمة الدموية تستجمع ظلالَ حجارتها هاربةً وهي تضع إزميلَ النحت في أيدي عشيرة أوجلان ـ فرع البعث الجديد بلقبٍ كردي ـ كي تنحت لأوجلان تمثالاً من خُدعة الأسد. فما لم ينجزه صنمُ الحاكم الدموي أُوْكِلَ الكردستانيُّ بإنجازه تماماً، زجًّا بأكراد سوريا إلى منازلات شيطانية ضد السوريين. وعلى عشائر بعث الكردستاني أن تفهم اليوم، قبل تدرُّج النكبة نضوجاً، أن أكراد سوريا موكلون بحقوقهم من داخل البيت السوري ـ بيتهم؛ من داخل ثورة سوريا ـ ثورتهم. ويكد بركات بأن ثورة الكردي، في سوريا، هي من أجل الجولان، ودرعا، واللاذقية، وعامودا، وسري كاني- رأس العين، لا من أجل إنعاش خيال الإخفاق عند فرع البعث الكردستاني، الألمعيِّ في السعي إلى دحرجة روح الكردي، بتمام أملها، إلى عبقرية الكارثة. ولم يعرف فرع بعث الكردستاني أن الكرد لا يريدون صنماً جديداً من مقاسات أصنام عائلة الأسد، على مدخل حياتهم
أما السياسي الكردي صلاح بدر الدين فيرى أن قضية كرد سوريا تحل في دمشق وفي اطار وحدة الأراضي السورية ولكن السؤال المفصلي هو : مع أي نظام ؟ وأي كرد يقومون بذلك ؟ والجواب أن النظام المستبد الراهن أو نظام الأسد الابن والأب هو من عقد القضية الكردية أكثر وهو السبب في تطبيق المخططات الشوفينية وفي محنة الكرد والسوريين عموما ونظام بهذه المواصفات ليس مؤهلا لحل القضية الكردية ولا أية قضية أخرى. أما جماعات ب ك ك أصحاب سلطة الأمر الواقع تمارس القمع والدكتاتورية تجاه الآخر المختلف وتعلن لاصلة لها بالمسآلة القومية الكردية وأفرغت المناطق وخونت المختلفين معها أو طردتهم واعتقلتهم وهي بالأساس جزء من أجندة نظامي طهران ودمشق وجاء مسلحوها منذ ٢٠١١ لمواحهة الثورة السورية والوطنيين الكرد المنخرطين بالثورة وهي ليست منتخبة ولا مخولة للتحدث باسم كرد سوريا. ويدعو لكتابة برنامج سياسي سليم وواضح يصب في مصلحة السوريين والمسآلة الديموقراطية وحقوق الكرد المشروعة .
وقد تركت الاحزاب الكردية انطباعا سيئا كونها اعتادت على رفع مطالبها تبعا لتراجع مواقع المعارضة وازدياد قوة ونفوذ قوات قسد التي ارتاح لها معظم الكرد معتبرينها في نهاية المطاف ستحقق حلمهم في تاسيس دولة كردية بدعم امريكي وصمت من النظام لضعفه . وهي بالرغم من نقدها لقسد فإنها تنسق معه وتعمل على ايجاد صيغة للمشاركة في ادارة المنطقة. علماً أن حزب الاتحاد الديمقراطي الذي شكل “مجلس شعب غربي كردستان” 2011، وفيه نزعة انفصالية واضحة وأسس سلطة عسكرية متمثلة في وحدات الحماية الشعبية، اتهم الاكراد انهم بتاييدهم للثورة فهم يتبعون لتركيا. ويعتبر نشاط وحدات الحماية الشعبية التي يقودها مقاتلون من جبال قنديل، ويعتبر رفع صور اوجلان تعبير عن التبعية لقوى اجنبية هو دفاع وحماية للمناطق التي يسميها “كردية”.
وحول شعار الفيدرالية الذي يؤسس عادة لجمع مناطق قومية وعرقية فإنه في سوريا يعني تقسيم سوريا إلى مناطق واحدة فقط منها يتواجد فيها املكون القومي الكردي بشكل ملحوظ بينما في بقية المناطق السورية ستكون الفيدرالية على اساس ديني وطائفي وهذا لا يساهم في تقوية المجتمع السوري بل يرسخ التفرقة باشكالها القومية والدينية. وينبغي التمييز بين فكرة الفيدرالية أو الحكم الذاتي، من حيث المبدأ، وفكرة إقامة تلك الفيدرالية أو ذلك الحكم الذاتي على أساسٍ إثنيٍّ، ناهيك عن إقامتهما على أسسٍ دينيةٍ أو طائفيةٍ. وبالنسبة لسورية تبقة فكرة اللامركزية الإدارية الجغرافية هي المقبولة وليست اللامركزية السياسية أو القومية التي ستخلق عدم استقرار مستقبلي في املجتمع السور. ويبقى الحكم الفصل بيد الهيئات الشتريعية التي يتفق على تأسيسها الشعب السوري بكافة مكوناته.
علاقات حزب الاتحاد الديمقراطي الدولية والاقليمية:
مع الولايات المتحدة:
بدأت الولايات المتحدة منذ عام 2014 بتقديم الدعم العسكري لوحدات حماية الشعب في إطار الحرب ضد تنظيم داعش. ولم يقتصر الدعم الأمريكي على الجانب العسكري فقط بل تجاوزه للجانب الاقتصادي. ولم تقدم الولايات المتحدة أي دعم سياسي يذكر لحزب الاتحاد الديمقراطي، أي ان ادارة ترامب تتعامل مع قوات قسد كونهم مرتزقة تستخدمهم وتمولهم وتسلحهم ولكنها لا تعطيهم دور سياسي. لكن قسد استغلت هذا التحالف مع امريكا بحجة محاربة الارهاب، إلىى حرب ضد العرب باتهامهم دعم داعش. ووصل الامر بقوات قسد ان تعتبر عفرين وعين العرب والجزيرة مناطق كردية تابعة للادارة الذاتية ولها قوانينها وسلطاتها واقتصادها وضرائبها ورسومها ومن يدخل الى عفرين من حلب يدفع رسوم وكانه دخل الى دولة اجنبية. ألا يعني ذلك مشروع انفصالي سافر.
وتفاجأ البعض بالتوافق الروسي الأمريكي في عدم إدانة العملية التركية (نبع السلام) في شمال سوريا في مجلس الأمن، وهذا يشير إلى اتفاق على امكانية التخلي عن قسد والموافقة على ضربها إن لزم الأمر. فالتنسيق الأمني الأمريكي الروسي الاسرائيلي يؤكد انهم متفقون على تدمير سوريا ، ولا يعني بالضرورة النيل من قسد كونها تحظى ايضا باسحسان اسرائيلي مكشوف.
مع روسيا:
عارضت روسيا المشروع الكردي في سورية المنبثق عن سياسات حزب الاتّحاد الديمقراطي، حيث طالبته مراراً بإعادة مناطق الإدارة الذاتية إلى سيطرة النظام السوري. ولكن هذا الموقف لم يثنِ روسيا عن استغلال حزب الاتّحاد الديمقراطي لخدمة مصالحها في سورية، لا سيما كسب المزيد من التنازلات من تركيا، حيث سمحت بافتتاح مكتب تمثيل للإدارة الذاتية –تم تسجيله كمنظمة غير حكومية– في موسكو في شباط 2016، لكن سرعان ما تم إغلاقه في آب من العام نفسه نتيجة الضغوط التركية. وتعاونت روسيا مع تركيا شمال سوريا على حساب قسد ولم تتم عملية غصن الزيتون مطلع عام 2018 إلّا بعد انسحاب القوات والمعدّات الروسية من المنطقة.
كما أبرزت روسيا رغبتها في احتواء أي تصعيد بين النظام السوري وحزب الاتّحاد الديمقراطي، مثلما فعلت في آب 2016، عبر إلزام الطرفين بتوقيع اتفاق في قاعدة حميميم بعد اشتباكات عنيفة في المربّع الأمني بالحسكة. وتعوّل روسيا على تحقيق ذلك عبر تطوير صيغة مذكّرة التفاهم التي وقعها الطرفان في 13 تشرين الأول 2019، بقاعدة حميميم على خلفية عملية نبع السلام. على أمل أن تُشكّل مذكّرة سوتشي (2019) مع تركيا في الضغط على حزب الاتّحاد الديمقراطي من أجل تقديم تنازلات في هذا الصدد.
ولم تتوقف المحاولات الروسية حتى الآن لإعادة المشروع الكردي إلى مظلة النظام السوري، وهو ما ينسجم مع سياستها المتمثلة بضرورة عودة كافة الأراضي السورية لسيطرة النظام، وهو الأمر الذي يُساعدها- كما تعتقد- في فرض رؤيتها للحل السياسي في سورية.
ولما كان على التاريخ أن يعيد نفسه في كثير من الأحيان، فقد خانت روسيا كعادتها الأكراد، وباتت ممثليتهم في موسكو طيّ النسيان، ولم تدعمهم للمشاركة في مفاوضات جنيف، ما دفع صالح مسلم إلى اتهامها بالخيانة، واتهمها مرة أخرى بالخيانة أيضاً حين سمحت لتركيا والجيش الحر بمحاصرة عفرين وتحريرها منهم. ولا ينسى الكرد كيف طردت روسيا اوجلان مثلها مثل النظام السوري وباعته- كما قال اوجلان نفسه- مقابل مشروع التيار الأزرق وقرضٍ من صندوق النقد الدولي مقداره عشر مليارات من الدولارات. وفور تدخلهم العسكري في سوريا عام 2015 توجه الروس إلى مدينة القامشلي واتخذوا مقرّاً لهم في مطارها، وباتت قيادات العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب YPG ضيوفاً دائمين عليهم، ينسقون معهم ويتلقون الدعم منهم. وبعد بضعة أشهر غادر الروس مطار القامشلي.
وفي القسم الغربي خاضت قوات سوريا الديمقراطية وبدعمٍ جويٍ روسي معارك ضد الجيش الحر في ريف حلب الشمالي وسيطرت على قرى عدة ما تزال إحدى عشرة قرية منها تحت سيطرتها أبرزها تل رفعت في ريف اعزاز شمالي حلب، وشاركت في نهاية عام 2016 في حصار حلب الذي أدى إلى سقوطها في يد النظام.
ولم ترحم وسائل الاعلام الروسية قسد بعد ان تحالفت مع امريكا بل كتبت: “قسد فعلت ما بوسعها لتصل الأمور ما وصلت إليه اليوم”!!! وعلى قناة “روسيا24” الأخبارية الحكومية الروسية، قال المراسل إن “الولايات المتحدة استخدمت قسد في محاكاة عمليات التصدي للإرهاب”، وليس لمحاربة الإرهاب بل (محاكاة) يعني (اعملوا حالكن على أساس عم تحاربو الارهاب يا شباب)!!!
مع تركيا:
تعاملت تركيا في البدايات بشكل إيجابي نسبياً مع المشروع الكردي في سورية، حيث حاولت استيعاب المطالب التي تبنتها الأحزاب الكردية، بما في ذلك حزب الاتحاد الديموقراطي، ودعمت زيادة التمثيل الكردي في المعارضة، وحتى وصول شخصيات كردية إلى قيادتها. لكن هذا الموقف التركي تغيّر لاحقاً بعد الإعلان عن مشروع “روج آفا”، والحديث عن دولة غرب كردستان الممتدة على طول الحدود التركية-السورية وصولاً إلى البحر ، حيث أدركت أنقرة وقتها، وفقاً للعديد من التصريحات التركية الرسمية، بأن المشروع تجاوز المطالب المشروعة إلى مرحلة تشكيل خطر على الأمن القومي التركي. ومؤخرا قامت تركيا بتوقيع وثيقة أنقرة مع الولايات المتّحدة في تشرين الأول 2019، ومذكّرة سوتشي مع روسيا في الشهر ذات وكلها موجهة ضد قسد بنسبة كبيرة.
واليوم اصبحت تركيا عاملا اساسيا في اي تقرير لمصير الكرد السوريين وه1ا من نتائج سياسة حزب الاتحاد الديمقراطي الذي خلق عداوة مع تركيا والثورة فخسر الكرد وكل السوريين وخدم تركيا والنظام.
مع ايران:
ظهر التعاون بين الحزب وإيران بشكل كبير في معركة عفرين بعد أن قدّمت له عدداً من الأسلحة والمعدّات العسكرية في مواجهة تركيا . كما رعت المفاوضات بينهما منتصف عام 2018، والتي عقدت في دمشق، حيث تمّ استقبال وفد الإدارة الذاتية آنذاك من قبل جنرال إيراني، وهو من أشرف على إدارة المفاوضات التي جرت في دمشق، وبمشاركة من قيادات في حزب الله.
وسبق أن استقبلت إيران على أراضيها في أيار 2018 وفداً من حزب الاتّحاد الديمقراطي لمناقشة انسحاب الولايات المتّحدة من سورية. وهناك تصريح لعثمان اوجلان في الذكرى 18 لاعتقال شقيقه عبدالله اوجلان والمنشق عن حزب العمال يقول: طلب الايرانيون مني مرارا اجراء علاقات معهم لكنني رفضت اي تنازل من مبدأ اخلاقي، لكن قيادات الحزب قبلت بالتنازل للايرانيين وباتت تنفذ اوامرهم (فبراير 2017).
مستقبل حزب الاتحاد الديمقراطي: قد يبقى حزب الاتّحاد الديمقراطي مسيطراً على أرض الواقع في المناطق الكردية التي ما يزال يحافظ على وجوده فيها، إلى حين الوصول إلى حل سياسي والذي قد يأخذ سنوات، ولحينها قد يوقّع الحزب مع النظام السوري تفاهمات تقضي بمنحه صلاحيات إدارة محلية يكون فيها مسيطراً باعتباره سلطة الأمر الواقع الحاكمة في المنطقة أمنياً وسياسياً، هذا في الوقت الراهن وقبل الدخول في المرحلة الانتقالية، أمّا بعد ذلك فلن يكون للحزب فرصة سوى خيار العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات والصراع على البلديات ومقاعد البرلمان.
6- مستقبل المسألة الكردية:
لقد تسبّب حزب الاتّحاد الديمقراطي في خلق شرخ بين كرد سورية أنفسهم وبينهم وبين المجتمع السوري، فلم تكن القومية الكردية وحقوق الكرد ومظلوميتهم إلّا مطيّة له لتحقيق مصالح حزبية بحتة في سورية وبالتعاون بدايةً مع النظام السوري المسبب الرئيسي للمظلومية الكردية في البلاد. كما أن بقاء القضية الكردية في سورية عالقة دون حلّ سيشكل مصدراً للمشاكل في سورية مستقبلاً، وطريقاً لتدخل الدول الخارجية فيها مثلما يحصل في دول أخرى، لذلك يجب عدم إنكار المعارضة وجود مظالم تعرّض لها الكرد، الذين بدورهم يجب عليهم عدم إنكار أنّ المظالم كانت سياسية بالدرجة الأولى خلقها حزب البعث وسلطة الأسد لمصالحهم الحزبية والشخصية والفئوية. ولا بدّ للكرد والمعارضة عدم تكرار التجارب السابقة في التعامل مع القضية الكردية، أي يجب حلّها بطرق سلمية تحفظ لوحدتها السياسية والجغرافية والمجتمعية دون الاستقواء بأطراف خارجية.
يقول الدكتور عبد الباسط سيدا: المخرج من المشكلة السورية يتمثل في الدولة الوطنية المدنية الحيادية إيجابيا أمام جميع مكوناتها؛ فلا تكون دولة قومية أو دينية، بل تكون دولة عادلة، تحترم سائر القوميات والأديان والمذاهب والتوجهات على قاعدة الاعتراف بالخصوصيات والحقوق، ومن دون أي تمييز أو تحزب لصالح هذه الجهة أو تلك
ويقول رئيس رابطة الكرد المستقلين عبدالعزيز التمو: إن عدو السوريين الكرد الأول هو نظام الأسد القابع في دمشق، وجميع الميليشيات الإرهابية (داعش وهيئة تحرير الشام وحزب العمال الكردستاني وأذرعه السورية)، وأنَّ السورين الكرد هم عامل استقرار في عموم الأراضي السورية أينما وجدوا وكذلك مع دول الجوار”. ويؤكد الكاتب الكردي حسين جلبي معلقاً على مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي المتهور الذي اضر بالمسالة الكردية وبالثورة السورية وخدم النظام السوري: لم يتبق من روجآفا (كردستان الغربية) بعد اقل من ست سنوات من عمرها حتى اسمها ولم يبق منها إلا عشرات آلاف المقاتلين الكرد الذي يحملون سلاحا لا يعرفون مصدره يخوضون به بعيدا عن بيوتهم معركة لا نهاية لها لهدف يجهلونه في مواجهة عدو برؤوس استخباراتية وأجندات عدة من دون أن يعلموامن يقف خلف الأوامر التي تصدر إليهم بذلك، وما تخبئه لهم الأرض التي يقفون عليها. لم يبق منها إلا شعب محطم ضاع بين المنافي والسجون الصغيرة والسجن الكبير بحيث بات يتطلع إلى اللحظة التي ستفتح فيها حدود الخلاص ويلحق بمن سبقه من التائهين
ويُمكن الاعتقاد أنّ السيناريو المتوقّع لمستقبل القضية الكردية في سورية هو حصول مناطق التواجد الكردي على نوع من اللامركزية الإدارية بالتوافق مع النظام الجديد. وفي الغالب فإنّ المعارضة لن تكون رافضة لأيّ نوع من اللامركزية الإدارية مستقبلاً حتى بعد الحل السياسي. السيناريو الأقرب للتطبيق حالياً هو موافقة النظام والمعارضة السوريّة على تدريس مادة اللغة الكرديّة مثلها مثل بقية اللغات القومية ضمن المدارس فقط في مناطق تواجد الكرد والأقليات الاخرى، وجعلها مادة اختيارية للطلاب وليست إلزامية.
وبعد نزع السلاح من حزب الاتحاد الديمقراطي وحل كافة أذرعه العسكرية يمكن للاحزاب الكردية بما فيها حزب الاتحاد الديمقراطي من ممارسة دور سياسي من خلال الحاضنة الشعبية .
6- الموقف الوطني الديمقراطي من المسألة الكردية:
اصبح العديد من القوى السياسية السورية تقر بحقوق الأكراد والاعتراف الدستوري بوجود الشعب الكردي قومية ثانية في البلاد وايجاد حل ديمقراطي لها وفق القوانين والمواثيق الدولية ضمن وحدة البلاد، وأن حل «المسألة الكردية» السورية لا يمكن أن يتمّ إلا في إطار حلّ وطنيّ ديمقراطي سوريّ محض،ومنذ بداية الثورة أعلن السوريون أن المسألة الكرديّة السورية هي مسألة وطنيّة سورية للسوريين عمومًا وللسوريين الأكراد خصوصًا، وليست مسألة كردستانية.
وعند رصد مواقف حزب الشعب الديمقراطي من المسألة القومية والمذهبية نجد مثلا في “موضوعات المؤتمر السادس للحزب” (2005) :
“إن الحقوق المدنية والسياسية والثقافية للأكراد السوريين، وحلّ مسألة المحرومين من الجنسية، وتلك المتعلّقة بحقوق المواطنة الكاملة، لهم ولجميع مكونات الشعب السوري القومية والدينية والمذهبية، ترتبط بشكل عام بحل المسألة الديمقراطية. والاستبداد حين يظلم أكثرية أو أٌقلّية، ويستخدم أقلية أو أغلبية لتحقيق غايته واستدامة حكمه، لا يمكن أن يكون ضمانة لأحد، وهذا ما بينته تجارب الشعوب جميعها”.
وأن حل المسألة الكردية مرتبط بالديمقراطية، علماً أن “هنالك الهواجس الإثنية والمذهبية. التي تخشى الديمقراطية للوهلة الأولى بتأثير التأخّر أو ترويج المستبدّين، من حيث هي تأكيد على حكم الأغلبية. و بالفعل فهذه المكونات تخشى الأغلبية بسبب انتمائها المذهبي والقومي، وليس بسبب برنامجها السياسي. لذلك فحتى يكتسب الناس صفة المواطنية، لا بدَّ من أن تسود: الحرية لكل المواطنين بغض النظر عن انتمائهم، والمساواة بينهم أمام القانون، وفي المشاركة السياسية. حيث يتحول مفهوم الأغلبية وحركتها من الشكل الأهلي إلى الشكل المدني، وتصبح الأغلبية سياسية، متجاوزةً للجماعات القومية والدينية والمذهبية والعشائرية، ومعززة بالثقافة المدنية والمواطنية”.
أما مشروع البرنامج السياسي للحزب المعد للمؤتمر السابع فقد أكد على:
– احترام حقوق الأقليات القومية والدينية وتأسيسها على قاعدة المساواة التامة أمام القانون ، ومحاربة العنصرية والتمييز والتعصب
– إقامة العلاقة بين الدولة والأفراد على قاعدة المواطنة المتساوية بين الجميع في الحقوق والواجبات ، وإلغاء كل أشكال التمييز القائمة .
– إعادة الجنسية لمن حرم منها نتيجة إحصاء 1962 من المواطنين وخاصة الكرد منهم ، وإلغاء كافة القرارات والإجراءات التي تحول دون تمتعهم بحقوق المواطنة الكاملة .
واعتبر مشروع البرنامج بأن النظم العسكرية والاستبدادية أدت إلى تصدع الوحدة الوطنية لبلدانها، وبروز مشاريع الحروب الأهلية، سافرة أو مستترة، نتيجة القمع طويل الأمد. كما أن هدر حقوق الأقليات القومية والدينية جعل البلاد عرضة للتمزق والتدخلات الخارجية (العراق – الصومال – السودان ). من هنا فإن حل القضايا العادلة لهذه الأقليات باستكمال حقوقها السياسية والثقافية على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات بين جميع الجماعات المكونة للسكان في مختلف الأقطار، يشكل المخرج الوحيد باتجاه التوحد والديمقراطية والسلام.
وورد ايضا بأن حزب الشعب يرى أن حصول الشعب السوري بكافة مكوناته على حريته وكرامته هو اساس في تحقيق ديمقراطية تضمن حقوق جميع اطياف المجتمع وتكفل حقوقهم وموروثهم الثقافي والحضاري. ولا يمكن تحقيق ذلك دون الأخذ بنقاط التالية:
1. نبذ كل التنظيمات الارهابية وعدم التعاطي معها على كافة المستويات.
2. الرفع الفوري لحالات الظلم والاعتداء التي حصلت، وجبر الضرر، ورد الاعتبار.
3. انهاء كافة الاجراءات المعادية لوجود قوى كردية وعربية أخرى والتعامل مع الجميع على قدم المساواة من دون أي سلوك متسلط.
4. الإعلان عن الالتزام بالخيار الوطني العام لكل السوريين، وبأن العرب والسريان والأكراد والتركمان والأرمن وغيرهم من القوميات الموجودة هم جزء من الشعب السوري، لهم جميعاً حقوق متساوية،وإن معالجة أي قضية قومية وتحصيل حقوق أصحابها لا يمكن أن تتم إلا ضمن هذا الإطار حصراً.
ونرى في حزب الشعب الديمقراطي السوري أن الموقف من المكونات القومية والدينية والمذهبية يجب أن ينطلق من مبدأ الوطنية السورية واعتبارسوريا وطنا لجميع السوريين وأنهم متساوون أمام القانون بغض النظر عن الدين او القومية أو الجنس، وأن تثبت تلك الحقوق والمبادئ في دستور عصري ديمقراطي يؤسس لدولة المواطنة ونظام سياسي ديمقراطي تعددي يراعي الحقوق المدنية والسياسية للمكونات، ويضمن لها حق المشاركة في شؤون البلاد وتمثيلها في الهيئات الحكومية وخاصة في المجالس التشريعية التي تسن القوانين وتشرف على عمل السلطات التنفيذية والقضائية. ويجب أن تبنى الديمقراطية بشكل عادل، بحيث لا تعتمد فقط على مبدأ الانتخاب حسب الاكثرية مثلاً بل بضمان تمثيل الاقليات القومية والدينية من خلال قوانين انتخابية. كما أن الدستور يجب أن يتضمن تثبيتا لحقوق الأقليات في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن تعترف الدولة السورية بأن الهوية الوطنية السورية الجامعة هي الهوية التي لا تلغي، بل تشمل التنوع القومي والديني والمذهبي وتغتني به. وعندما تتوفر العدالة والتنمية في المجتمع سيشعر الجميع من مختلف الانتماءات، بأنهم يعيشون في مجتمع حر ووطن يطبق فيه مبدأ تكافؤ الفرص. وكذلك يجب أن تتوفر للمواطنين بمختلف تنوعاتهم حرية استخدام لغاتهم القومية وإحياء تراثهم الثقافي والفولكلوري والعمل على التكامل بين افراد المجتمع على مبدأ الاعتراف بالآخر، وعدم فرض إرادة أي مكون مهما كان كبيراً على غيره.
إن حزب الشعب الديمقراطي ينطلق من مبدأ أساسي وهو أن حرية المجتمع السوري تعتبر شرطا أساسيا لحرية الأفراد والجماعات فيه والعكس صحيح.
المراجع:
1- المسألة الكردية في ضوء تحول اتجاهات النخب والاحزاب الكردية في سوريا- 2016 – شمس الدين الكيلاني- المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات.
2- مسألة أكراد سورية – الواقع – التاريخ- الاسطرة. مجموعة باحثين- المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- 2013 بيروت- – 191 صفحة.
3- روجافا خديعة الاسد الكبرى- قراءة في ست سنوات من التيه الكردي- حسين جلبي- دار ميسلون- غازي عنتاب- تركيا- 2018 – 546 صفحة
4- أكراد سوريا- موعد مع التاريخ- د. رضوان باديني- باريس- 2005 – 195 صفحة.
5- التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية-اسئلة واشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري- محمد جمال باروت- المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات- بيروت- الدوحة- 2014- 749 صفحة.
6- وثائق حزب الشعب الديمقراطي السوري- 2005.
7- رؤية إلى واقع ومستقبل سورية- وثيقة اصدرتها مجموعة من المثقفين السوريين. تموز 2018. برلين.
قد يعجبك ايضا