هل هذه هي نهاية القضية الفلسطينية؟

بقلم إليزابيث تسوركوف

تناقش إليزابيث تسوركوف في هذا المقال فيما إذا كان الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي الذي يقضي بإقامة علاقات دبلوماسية رسمية، قد وجه الضربة الأخيرة للقضية الفلسطينية، حيث ويواجه الفلسطينيون التقاء غير مسبوق للمصالح الدولية والإقليمية والمحلية الضارة التي تجعل حلمهم في إقامة دولة فلسطينية مستقلة يزداد ابتعاداً.

جسر: قضايا:

إن الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي الذي يقضي بإقامة علاقات دبلوماسية رسمية، هو ببساطة الضربة الأخيرة الموجّهة إلى الشعب الفلسطيني. ويواجه الفلسطينيون التقاء غير مسبوق للتطورات الدولية والإقليمية والمحلية الضارة التي تجعل حلمهم في إقامة دولة فلسطينية مستقلة يزداد ابتعاداً.

لقد قوبل إعلان التطبيع باستياء من قبل الفلسطينيين الذين رفضوا  التوصيف الإماراتي  للمبادلة التي أجريت مع إسرائيل على أنها تخدم المصالح الفلسطينية، بما أنها حالت دون ضم أجزاء من الضفة الغربية إلى إسرائيل.

وبالفعل، فإن التهديد بالضم لإسرائيل اختفى إلى حد كبير في الوقت الذي  أعلن فيه الرئيس ترامب عن إقامة علاقات بين الإمارات وإسرائيل بسبب المعارضة من قبل شركاء نتنياهو في الائتلاف الحكومي  وإشارات من البيت الأبيض بأن نتنياهو لن يكون قادراً على الدفع باتجاه الضم من دون إعطاء الفلسطينيين شيئاً في المقابل.

ويأتي الاتفاق بين الإمارات وإسرائيل في وقت وصل فيه النضال الوطني الفلسطيني إلى الحضيض، حيث لا تعمل أي من الديناميكيات العالمية والإقليمية والمحلية لصالحهم، الأمر الذي يجعل احتمالات إنهاء الحكم العسكري الإسرائيلي على الفلسطينيين ضعيفة للغاية.

  الغرب وإيران بمثابة المطرقة والسندان للفلسطينيين

على الساحة الإقليمية، كان تدهور موقف القضية الفلسطينية سريعاً وحاداً. حيث ينقسم الشرق الأوسط عموماً إلى محورين، يتألف كلاهما من أنظمة استبدادية فاسدة أو جماعات تعمل على إحباط أي جهود لإحداث تغيير ديمقراطي في الداخل والخارج.

ويشمل المحور الرجعي الأول معظم أنظمة الخليج العربي والأردن والمغرب ومصر. وإسرائيل عضو ليس بسرّي في هذا المحور، الذي يرى أن إيران والإخوان المسلمين على أنهم التهديد الرئيسي لحكمه. ويشعر أعضاء هذا المحور براحة متزايدة في التعبير علناً عن لا اكتراثهم بالقضية الفلسطينية، ويتخذون خطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل دون اشتراطها حتى على إحراز أي تقدم نحو إنهاء الاحتلال. والتحرك الإماراتي هو الأكثر جرأة، ولكنه ليس سوى آخر خطوة في هذا الاتجاه.

أما المحور الرجعي الثاني، والذي يطلق على نفسه اسم “محور المقاومة”، فهو يدافع رسمياً عن القضية الفلسطينية إلا أنه لا يقدم للفلسطينيين أي مسار واقعي نحو التحرير. وقد استغل أعضاء المحور الفلسطينيين باستخدامهم كوقود للمدافع في الصراع من أجل الهيمنة الإقليمية وفي محاولات فاشلة كلياً لتدمير إسرائيل.

وعندما يبدي الفلسطينيون معارضة للحكم القمعي لأعضاء هذا المحور، فإنهم سرعان ما يصبحون ضحاياه. وعلى هذا فقد قتل نظام الأسد 4,048 فلسطينياً سورياً على الأقل منذ بداية الأزمة في سوريا في عام 2011؛ من بينهم 618 شخص ممَّن تعرضوا للتعذيب حتى الموت في السجن.

لا تزال القضية الفلسطينية تحظى بدعم كبير بين شعوب المنطقة، ولكن في ظل التحديات السياسية والاقتصادية الداخلية، تبدو القضية الفلسطينية الآن منسيّة إلى حد ما. في البلدان التي هي جزء من المحور الرجعي الموالي للغرب، فإن حتى المواطنين الذين ما زالوا ينظرون إلى القضية الفلسطينية باعتبارها قضية بالغة الأهمية يواجهون عقبات عندما يحاولون التحرك لصالحها. حيث أنه من خلال السيطرة على وسائل الإعلام وقمع حرية التعبير، تستطيع هذه الأنظمة إسكات أولئك الذين يتعاطفون مع القضية الفلسطينية، واغراق الحيّز العام بالرسائل التي تهيئ رعاياها للتطبيع مع إسرائيل.

وعلى هذا، وبعد الإعلان عن الاتفاق، طلب مني أحد  أصدقائي السوريين ، الذي يعمل في وسيلة إعلامية ممولة من قبل السعودية،  إيصاله  بخبراء إسرائيليين من أجل مقابلتهم  حول التطبيع مع الإمارات، وأوضح قائلاً “نريد فقط خبراء مؤيدين للاتفاق”.

تلبيةً لرغبات اليمين الشعبوي المتصاعد، يبتعد اليسار الأوروبي عن الموضوع تماماً

على الصعيد العالمي، فإن العواصم الأوروبية التي كانت ذات يوم تدفع إسرائيل للحد من توسّع الاستيطان وتجنب اتخاذ خطوات من شأنها أن تحول دون إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، قد انسحبت إلى حد كبير من الملف الإسرائيلي الفلسطيني. فقد أنتجت الحرب في سوريا تدفقات هائلة من اللاجئين إلى أوروبا وزادت من احتمال التعرض لعمليات من قبل خلايا داعش. وهذا بدوره ساهم في تصاعد اليمين الشعبوي، والذي تجلى في نجاح حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit). إن اليمين الشعبوي معادٍ بشكل كبير للفلسطينيين، كما أن دول الاتحاد الأوروبي، حيث أصبح اليمين الشعبوي في صعود إلى السلطة، أعاقت الجهود داخل الاتحاد الأوروبي الهادفة إلى التنديد بإسرائيل على انتهاكاتها لحقوق الإنسان. وحتى الدول التي تتمتع بأحزاب ليبرالية حاكمة، مثل فرنسا وألمانيا، اضطرت إلى الانكفاء على ذاتها لمواجهة هذه التحديات الداخلية والأوروبية، بدلاً من محاولة ضمان التزام حليفتها إسرائيل بمعايير حقوق الإنسان.

في العقود السابقة، حظيت القضية الإسرائيلية الفلسطينية بقدر كبير من الاهتمام من العواصم الغربية. كان هذا الانخراط ناتجاً بشكلٍ جزئي عن الاعتقاد بأن حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني سيكون مفيداً للأمن القومي للدول الغربية. وكان يُنظر إلى الحكم العسكري من قبل أنظمة حليفة للغرب على ملايين المسلمين بأنه سبب رئيسي للمشاعر المتطرفة والمعادية للغرب. هكذا، وحسب هذا الرأي، فإن إنهاء الاحتلال من شأنه أن يقلل من اجتذاب الجماعات المتطرفة وأن يجعل الدول الغربية أكثر أماناً وأقل عرضةً للهجمات.

إن الإبادات الجماعية التي ارتكبتها داعش – والتي لم تكن نتيجةً لاحتلال الأراضي الفلسطينية، والاضطرابات في سوريا وليبيا واليمن، جميعها تسببت بزعزعة مركزية المسألة الإسرائيلية الفلسطينية وتقويض الترابط بينها وبين الأمن القومي للدول الغربية. ويبدو الآن أن إشراك الرصيد السياسي واستثماره في القضية الإسرائيلية الفلسطينية هو بمثابة رفاهية ليس بوسع الرصيد الأوروبي تحملها في وقت تحاول فيه أوروبا حماية نفسها من تداعيات الحرب وانهيار الدولة في سوريا وليبيا، واللتين هما نقطتا منشأ وعبور تدفقات هائلة من اللاجئين.

في الولايات المتحدة، أدى تصاعد اليمين الشعبوي إلى تولي الرئيس ترامب منصبه، الذي قام بتعيين مجموعة من المستشارين بشأن الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني، والذين كانوا من مؤيدي مشروع الاستيطان الإسرائيلي منذ زمن طويل. حيث أن بعض المواقف لهؤلاء المستشارين أكثر تطرفاً من مواقف نتنياهو. على سبيل المثال، عارض نتنياهو فيالبداية قرار الإدارة الأمريكية لوقف تمويل الأونروا – وكالة الأمم المتحدة التي تقدم الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية لملايين الفلسطينيين، وذلك بسبب الخوف من أن يؤدي ذلك إلى مجاعة وعدم استقرار في غزة، حيث يعتمد معظمالسكان هناك  في معيشتهم على معونات الأونروا.

يواصل اليسار الناشط، والبارز بشكل خاص في حرم الجامعات، تقديم الدعم للقضية الفلسطينية، إلا أن تأثيره محدود للغاية. فقد فشلت حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) التي قاموا بها في إلحاق الضرر بالاقتصاد الإسرائيلي أو جلب المزيد من التدقيق في انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان. كما انشغل هؤلاء النشطاء في السنوات الأخيرة بقضايا تبدو أكثر إلحاحاً، مثل العدالة العرقية، وحركة مي تو (#أنا_أيضاَ)، ومواجهة تصاعد اليمين الشعبوي، والتغير المناخي.

أدت الاعتداءات الإسرائيلية اللامحدودة إلى اليأس الفلسطيني

كما أن التحركات داخل إسرائيل تدعو للتشاؤم. فقد حرصت التوجهات الديموغرافية والسياسية الإسرائيلية على استمرار انجراف الرأي العام الإسرائيلي نحو اليمين، مما يجعل احتمال اختيار الإسرائيليين لإنهاء الاحتلال أمراً مستبعداً على نحو متزايد. إن الحد من العنف الفلسطيني جعل الوضع الراهن مريحاً، بل وربما محبّذاً، في نظر الإسرائيليين. لقد أدى تطبيع العلاقات من قبل أنظمة الحكم الخليجية في السنوات الأخيرة إلى تعزيز اليمين الإسرائيلي، الذي ظل يزعم لأجيالأن إسرائيل بإبراز قوتها سوف تجبر الدول العربية على قبول وجودها دون تقديم تنازلات.

لا يزال واقع الاحتلال قاتماً. حيث يستمر توسع المستوطنات بينما تصبح الظروف المعيشية في غزة المحاصرة أكثر صعوبة: حتى قبل التباطؤ الاقتصادي الناجم عن وباء الكورونا، بلغ معدل البطالة في غزة 45.5 %، في حين أن 3% فقط من مياه الشرب في القطاع غير ملوثة.

وعلى الصعيد الداخلي، يبقى الفلسطينيون الخاضعون للاحتلال والحصار الإسرائيلي منقسمين جغرافياً وسياسياً. حيث تستمر كل من السلطات الفلسطينية وحماس كونهما أنظمة استبدادية في الإقطاعيات الخاصة بهما في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة على الترتيب، مع القيام بتقييد حرية التعبير واعتقال وتعذيب المعارضين لهما. فأولئك الذين يسعون إلى إطلاق أشكال جديدة من مقاومة الاحتلال، مثل مسيرات العودة، سرعان ما تتم استمالتهم وإسكاتهم من قبل المليشيات الحاكمة. ولقد كانت سيطرة حماس على قطاع غزة بمثابة ذريعة مفيدة لإسرائيل حتى لا تكلف نفسها عناء الاشتراك في محادثات السلام.

ولكن هل سينتهي المطاف ببؤس وغضب الفلسطينيين إلى وضع حجر الأساس لانتفاضة، سواء كانت عنيفة أم لا، قد تخلصهم أخيراً من نير الاحتلال؟

من المعروف أنه من الصعب التنبؤ بالحراك الجماهيري، ولكن في السنوات الأخيرة، تم الحد من الجهود المبذولة لحشد الشباب اليائس لتنفيذ هجمات طعن داخل إسرائيل أو المسير نحو الجدران المحيطة بغزة مع توقع (وحتى على أمل) إطلاق النار عليهم؛ حيث رفضت أعداد كبيرة من الفلسطينيين المشاركة. ويبدو أن الغالبية تفضل الاستقرار على الاستمرار في طريق المقاومة. والحقيقة أن التكاليف الباهظة التي تكبدها الفلسطينيون من قبل إسرائيل، ولا سيما تلك التي تمثلت بالدمار واسع النطاق الذي لحق بقطاع غزة، جعلت الفلسطينيين يخشون فقدان القليل المتبقي لديهم. وعلى الرغم من الحصار الخانق ومستوى المعيشة المتردّي، فإن غالبية سكان غزة يؤيدون الإبقاء على وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

إن الإرهاق الذي يشعر به الفلسطينيون، وانجراف إسرائيل نحو اليمين، والتجاهل العالمي والإقليمي لمحنتهم كل ذلك يؤلف معضلة بالنسبة للشعب الفلسطيني. ومع ذلك فإنه من السابق لأوانه مقارنة القضية الفلسطينية بنضالات الاستقلال المنسية مثل التيبيت في الصين والصحراويين في المغرب. فلا تزال القضية الفلسطينية تحظى ببعض الاهتمام العالمي، كونها الاحتلال الوحيد الذي تمارسه ديمقراطية موالية للغرب تتلقى المليارات من المساعدات سنوياً من الولايات المتحدة.

تُبدي التطورات في الولايات المتحدة بصيص أملٍ نادر. ففي السنوات الأخيرة، تبنّى ناخبو الحزب الديمقراطي مواقف أكثرانتقاداً لسياسات إسرائيل. وجاء موقف الديمقراطيين منتقداً للتدخل السعودي الإماراتي في الحرب في اليمن. ومع تزايد رفض الأمريكيين للعنصرية الممنهجة في الداخل، فإن أولئك الذين يؤيدون إنهاء الاحتلال لديهم الفرصة للدعوة إلى إنهاء الدعم الأمريكي لنظام حكم عسكري يمتلك مجموعتين من القوانين التي تحكم نفس المنطقة و تميّز على أساس الجنسية.

تُظهر الانتهاكات الجسيمة المستمرة لحقوق الإنسان في الصين وبورما وسوريا وبلدان أخرى، والتي قوبلت جميعها بتقاعس عالمي، أن مسار التاريخ لا ينحني بشكلٍ قاطع نحو العدالة. كما أن اللامبالاة الدولية، والتطبيع، والإرهاق الفلسطيني تثبت للناخبين الإسرائيليين أنه يمكن استمرار الاحتلال دون أي تكلفة. وما لم يتغير هذا، فإن الفلسطينيين حقاً في خطر أن يصبحوا بمثابة التيبتيين الجدد.

*إليزابيث تسوركوف هي زميلة في معهد أبحاث السياسة الخارجية وزميلة باحثة في منتدى التفكير الإقليمي. يمكنك متابعتها على تويتر [email protected]

قد يعجبك ايضا