خفايا وأسرار معركة “خشام” التي قد تقود إلى مواجهة أميركية -روسيّة في سوريا

عبدالناصر العايد

يتقصي هذا التحقيق من “صحيفة جسر”، خفايا وأسرار معركة خشام، التي جرتْ وقائعها بالقرب من معمل غاز كونيكو، شرق دير الزور، ليلة ٧ شباط/ فبراير ٢٠١٨، بين مرتزقة “فاغنر” والقوات الأميركية، ويحاول استقراء امكانية نشوب مواجهةٍ جديدة واسعة هناك بين الطرفين، في المدى المنظور.

جسر: تحقيقات:

-منذ وصولهم إلى سوريا وضع الروس خطة لانتزاع المناطق النفطية من تنظيم داعش، قادها العقيد الروسي “لورين” ورجل الأعمال “جورج حسواني.”

-بشار الأسد أجهض خطة الروس سنة ٢٠١٦ بسبب إصراره على إلحاق الهزيمة بأردوغان في حلب.

-الروس ندموا على انصياعهم لسياسات رأس النظام “الشخصية” ويطلقون محاولة جديدة لانتزاع معمل غاز كونيكو مطلع ٢٠١٨.

-الأمريكيون كانوا حازمين جداً مع محاولة الروس خرق اتفاق خطوط الفصل، وسحقوا محاولتهم في خشام.

-نظام الأسد عقد اتفاقاً مع “طباخ بوتين” لتقاسم عائدات الحقول النفطية تحت ستار شركة “أفروبوليس” شبه الوهمية.

-وكالة اسوشتيد برس نشرت نصَ الاتفاقية لكنّها مرّتْ دون أنْ يلاحظ المراقبون خطورتها.

-أخطأ الروس في تقديرهم لمدى استعداد القوات الأمريكية للردّ والتصعيد إلى أقصى الحدود في حال خرق خطوط فصل القوات في سوريا.

-“طباخ بوتين” ابتز رأس النظام، عبر نشر مقالات وأبحاث في الصحف التابعة له لتعويض خسائره في استثمارات أخرى.

-يحتمل أنْ يكون رامي مخلوف أحد الضحايا غير المباشرين لمعركة خشام.

-خلية عمل روسية جديدة لـ”مناكفة” الأمريكان، يقودها عضو مجلس شعب من دير الزور ويمّولها رجلُ الأعمال القاطرجي.

-“عقيدة جير اسيموف” تفتح الأفق على مواجهة على حرب هجينة ضد الأمريكان في سوريا، قد تنقلب إلى مواجهة تقليدية واسعة النطاق.

 

دورية أمريكية وأخرى روسية على حاجز قوات النظام في “خربة عمو”

مقدمة:

أدى ” تصادم” بين دورية أمريكية وأخرى روسية، إلى مقتل جندي أمريكي، في ٢٧ من شهر آب في ريف الحسكة شمال شرق سوريا، وقرع جرس إنذار قوي، بإمكانية تطور هذه الحوادث إلى صدام ٍواسع بين القوتين العظميين في سوريا، وهو احتمال له مبرراتٌ أعمق مما تبدو عليه الأمور في  الفيديوهات التي يتم تداولها لمطاردات “صبيانية” بين جنود كلا الطرفين، على رأسها نهجٌ روسي مستجد، آخذٌ في التوسع، من الدونباس إلى سوريا ووصولاً إلى ليبيا، وبلدان أخرى في الشرق الأوسط. وهو نهج يمكننا فهمه ومعرفة ما ينطوي عليه من خطورة، من خلال تقصي خلفيات وخفايا معركة “خشام”، أول وأخطر مواجهة أمريكية- روسية في سوريا.

معركة/مجزرة خشام التي أنكرها الكرملين 

والمعركة المشار إليها جرت في ٧ شباط ٢٠١٨، عندما هاجمت قواتٌ روسيّة، عُرفَ فيما بعد أنّها من شركة فاغنر الأمنية، مع ميلشيات محلية من ريف دير الزور، معمل “كونيكو” للغاز قرب بلدة خشام للاستيلاء عليه، وبسبب التفوق الكبير للمهاجمين على حامية المعمل، وهم بضع عشرات من مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية، برفقة عدد قليل من الجنود الأمريكيين، تم استدعاء الطيران الأمريكي، الذي شن غاراتٍ تواصلت لثلاث ساعات، انتهت بمقتل نحو ٢٨٠ مرتزقاً من عناصر فاغنر، وتُخفّضُ بعض الروايات العدد إلى مئتي مقاتل، فيما تتحدث أخرى عن مئة قتيل فقط من المرتزقة الروس. وقد أنكر الكرملين في البداية وقوع أي خسائر روسية في تلك المعركة، لكنّه عاد واعترف بمقتل “مواطنون” روس، في دير الزور، لا يُعلم سبب تواجدهم هناك، وذلك بعد أنْ تمكّنت صحف روسيّة معارضة من إثبات مقتلهم في تلك المعركة، ووصول جثامينهم إلى بلادهم.

ومهما تكنْ الحقيقة، فقد حرص الروس على عدم نشرها، وكان لابد من تقصي خيوط الحكاية عبر الشركاء المحليين في المعركة، وهم مقاتلون وشيوخ قبائل من ريف دير الزور، تم استخدامهم كغطاء للعملية، بوصفهم مهجّرون من تلك المنطقة على يد قوات سوريا الديمقراطية، وهم يريدون العودة إلى قراهم وبيوتهم ليس إلّا.

خطة روسيّة أولى أجهضها بشار الأسد الذي يقوده الحقد على أردوغان

في هذا السياق، عاد بنا أحد وجهاء شرق الفرات إلى سنة ٢٠١٦، وزعم أنّه تم استدعاءه في صيف تلك السنة، من الجزيرة السورية، مع شيوخ قبائل آخرين،  إلى مكتب جورج حسواني، رئيس المجلس الروسي السوري للأعمال، في منطقة التجارة وسط دمشق، وهناك التقى بالعقيد الروسي الكسندر زورين لأول مرة، والذي تم التعريف به حينها على أنّه معاون قائد الاستخبارات الروسيّة، المختص بالشأن السوري، وفي اللقاء تحدث زورين مطولاً وتولى حسواني الترجمة والتوضيح، وأخبرهم بأنّ الرئيس الروسي بوتين، قد قرر انتزاع مناطقهم من سيطرة داعش، وعلى الأخص المنابع النفطية، وطلب مساعدتهم في هذه العملية، من خلال تجنيد أبناء القبائل في تشكيل روسي يعد خصيصاً لتولي هذه العملية، وتهيئة البيئة الاجتماعية لقبول الوجود الروسي، بمقابل وعود بعوائد مالية عالية، ومكانة واستقلالية سياسية، مراعاة لمشاعر المجتمع المحلي المناوئ لنظام الأسد.

وقد استجاب بعض هؤلاء الشيوخ لدعوته، وشُكّلت مجموعات مقاتلة بقيادة أحد أمراء الحرب في ريف دير الزور، ويدعى مدلول العزيز، وتلقت المجموعات التي جنّدها العزيز وآخرون تدريبات على يد شركة فاغنر في حقل شاعر النفطي، وبدأ عناصرها بتقاضي راتب يتراوح بين مئة ومئة وخمسين دولاراً لكل مقاتل.

لكن هذه المهمة لنْ تكتمل، لأنّ بشار الأسد أصر بشدّة على أنْ تتم السيطرة على حلب قبل ذلك، وزعم وجهاء القبائل الذين تحدثنا إليهم، أنّ بشار الأسد توجه سراً إلى بوتين، في رحلة لم يعلنْ عنها أبداً، وطلب منه أنْ يحقق له هذه الأمنية أولا، فوافق بوتين على مضض، بعد أنْ وصله رجاءٌ مماثل من طهران.

وهكذا توجهت قوات النظام مع الميلشيات التابعة لطهران والطيران الروسي إلى حلب، وسقطت المدينة في يدها نهاية سنة ٢٠١٦، واتخذ الفيلق الخامس بقيادة سهيل الحسن المقرب من موسكو، طريقه فوراً نحو الشرق، حيث منابع النفط، لكنّ القوات الأمريكية وحليفتها المحلية قوات سوريا الديمقراطية، سبقته إلى كافة حقول شرق الفرات الضخمة في دير الزور، ولم يفزْ الروس سوى ببعض الحقول الشبه ناضبة إلى الغرب منه.

ابحث عن العقيد زورين 

وفي تلك الأثناء ابتعد العقيد زورين عن هذا الملف، لكنْ بمقدار خطوة واحدة، إذْ شغل العقيد الخمسيني رسمياً منصب مبعوث وزارة الدفاع الروسية إلى مجموعة العمل الدولية (ISSG)، التي تتخذ من جنيف مقرًا لها، وتعمل على قضايا وقف الأعمال العدائية في سوريا والقضايا الإنسانية. وظهر في خريف سنة ٢٠١٦ موزعاً البيتزا على الصحفيين في جنيف، أثناء انتظارهم لبيان مشترك بين وزير خارجية بلاده لافروف، ونظيره الأمريكي، بهدف تنسيق الأعمال القتالية في سوريا [1]، ثم عاد ليجتمع بشيوخ قبائل شرق سورية مرة أخرى في الأيام الأولى من العام ٢٠١٨، وبحضور جورج حسواني أيضاً، الذي بدا محبطاً وأقل حماساً هذه المرة، وأخبرهم أنّ الروس نادمون بشدة لرضوخهم لرغبات بشار الأسد وسياساته الشخصية، التي تسعى للانتقام الشخصي من الرئيس التركي أردوغان، وأدّتْ إلى خسارة المصدر الاقتصادي الأهم في البلاد.

زورين دعا شيوخ القبائل لمحاولة جديدة لانتزاع بعض المنابع النفطية المهمة من “الأكراد”، في إشارة إلى قوات سوريا الديمقراطية، متحاشياً ذكر الولايات المتحدة، راعيةَ تلك القوة وحليفتها التي كانت ما تزال حينها تدعم مقاتلين عرب وأكراد في معركة طرد التنظيم من آخر معاقله في الباغوز.

تحمّس عددٌ من المدعوين للفكرة، وعلى رأسهم هذه المرة نواف البشير، شيخ قبيلة البكارة، الذي زج باثنين من أبنائه في العملية، وقتل أحدهم فيها، فيما أصيب الآخر بجروحِ بليغة.

القبليون العرب الذين لا يميزون بين الشركات الأمنية الروسية والجيش الروسي، قالوا إنّهم خضعوا لدورة لمدة أسبوع في معسكر ببلدة “المريعية” الملاصق لمطار دير الزور العسكري، على يد مدربين روس، ووجدوا انفسهم وسط عدد مماثل من المقاتلين الروس أيضاً، الذين سيخوضون المعركة إلى جانبهم، الأمر الذي رفع معنوياتهم على نحو كبير.

وفي ليلة السابع من فبراير /شباط ٢٠١٨، انطلق الجميع من معسكر المريعية، ليعبروا جسراً حربياً للقوات الرسمية الروسية يربط البلدة بقرية مراط على الضفة الأخرى من النهر، وليندفعوا بعدها نحو بلدة خشام، ويستولوا على أجزاء واسعة منها، ليصبحوا على بعد مئات الأمتار فقط من معمل كونيكو، معمل الغاز الأضخم في سوريا، وعلى بعد عدة كيلو مترات من حقل العمر النفطي، الأغزر في البلاد على الاطلاق[2].

في لقاء لي، خريف ٢٠١٩، بالسفير الأمريكي المعتمد في شرق الفرات، العقيد المخضرم في الجيش الأمريكي جويل رايبرون، قال بأنّه لم يصدقْ أنّ الروس سيخرقون الاتفاق الموقع معهم حول خطوط الفصل، وعندما اتصلوا بالمنسقين الروس أجاب هؤلاء بأنّهم لا يعرفون من الذي شن الهجوم، وأنهم ليسوا من القوات الروسية على أي حال، كان ذلك كافياً لإعطاء أمر لسلسلة من الغارات الجوية، التي حصدت المئات منهم في هجوم استمر نحو ثلاث ساعات[3]، وقال العقيد رايبرون إنّ قواته  لو استهدفت الجسر الحربي الذي كان يعبر عليه مئات أخرى من المرتزقة، لزاد عدد القتلى عن الألف.

تفاهمات واتفاقيات سرية لم يعلنْ عنها نظام الأسد مع “المافيا” الروسية

في صيف سنة ٢٠١٦، أي عندما كان العقيد زورين منهمكاً باقناع شيوخ القبائل بالانخراط مع القوات الروسية في معركة المنابع النفطية، وقّع علي عباس،  المدير العام لمؤسسة النفط، تفاهماً كممثل عن الجانب الرسمي السوري، مع شركة ايفرو بوليس النفطية الخاصة الروسيّة، التي تم تأسيسها في يوليو من سنة ٢٠١٦ ذاتها، وتبين لاحقاً أنها مملوكة لبريغورين[4]، مثلها مثل شركة فاغنر.

اعتراف روسي رسمي بالاتفاقية ووكالة عالمية تنشر نصها

وقد كشف عن هذا الاتفاق وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك في مقابلة أجريت معه في مارس 2017، عندما أعلن”أنّه في ديسمبر 2016 ، سهّل التوقيع على مذكرة تفاهم جادة بين نظيره السوري وشركة روسية مسجلة حديثًا تسمى  Evro Polis. وقد دعت المذكرة  شركة إيفرو بوليس إلى تحرير حقول النفط والغاز والمصانع والبنية التحتية الأخرى التي استولى عليها أعداء النظام ، ومن ثم حراستها، في المقابل، ستحصل على ربع إنتاج الحقول، بالإضافة إلى تعويض عن نفقاتهم العسكرية، على مدى خمس سنوات، قابلة للتجديد لسنتين[5]“. وقد نشرت هذه المذكرة وكالة اسوشتيد برس في ديسمبر ٢٠١٧، وهي تتضمن إشارة واضحة إلى “معمل دير الزور للغاز”، أي معمل كونيكو، على اعتبار أنّه معمل الغاز الوحيد في المحافظة.

وفي يناير  ٢٠١٨، وفقاً للموقع الروسي The Bell تم توقيع مذكرة التفاهم لتصبح ملزمة قانونياً[6].

لماذا تخلى الجيش الروسي عن مرتزقة فاغنر؟

مع أخذ الحقائق الأخيرة بعين الإعتبار، يصبح مفهوما لدينا كيف تم اتخاذ القرار وإطلاق معركة خشام المجنونة، التي شنتها شركة أمنية خاصة تشبه في بعض جوانبها عصابات المافيا، وفي جانب آخر، خاصة التنظيمي، تشبه إلى حد بعيد وحدات الجيش الروسي الخاصة، التي يتحدر معظم قادة فاغنر ومقاتليها منها في الأساس.

وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أيضا ما يشاع عن أنّ فاغنر تم تأسيسها في هيئة الأركان الروسية عام 2010، وأنّ اختيار بريغوزين لتمويلها جاء بسبب علاقته الوثيقة ببوتين[7]، فإننا نستطيع أنْ نفهم على نحو أكثر وضوحاً، لماذا وقف العقيد زورين وراء عملية حشد المقاتلين لصالحها، لكنْ السؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا تخلى العسكريون الروس عن مقاتليهم وسمحوا للأمريكان بارتكاب تلك المجزرة بحقهم؟

يميل بعض الباحثين الغربيين إلى الاعتقاد بأنّ القوات الروسيّة في سوريا تخلّتْ عن مرتزقة فاغنر بسبب مشاكل في حينها بين الاوليغارشية العسكرية الروسيّة، المستاءة من اقتحام برغوزين غير العسكري لميدانهم، وجنيه لأرباح طائلة، لا يخصص لهم حصصاً مرضية منها، فعاقبوه لدى أول فرصة سانحة.

لكننا نميل إلى الظن بأنّ الأمر نجم عن خطأ في تقديرات القادة الروس، الذين أرادوا اختبار المدى الذي يمكن للأمريكان أنْ يغامروا فيه بفتح معركة لا علاقة لها بالمهمة الرسمية المعلنة لقواتهم في سوريا، وهو محاربة تنظيم داعش، والتصادم مع قوات روسية شبه نظامية، تحارب معهم على الجبهة ذاتها، ولم يتخيل المخططين الروس للعملية أنْ يكون الرد الأمريكي بتلك القسوة والاتساع والسرعة، بحيث أنهم ما عادوا قادرين على تدارك الأمر، خاصةً بعد تصريحهم لمكتب التنسيق بعدم تبعية المهاجمين لهم، بل وعدم معرفتهم بمن يكونوا.

الحلقة الأضعف.. طباخ بوتين يبتز بشار الأسد لتعويض خسائره  

إنّ مقتل مئات، أو حتى العشرات فقط، من مرتزقة فاغنر، خسارة مهولة من ناحية التعويضات التي ستدفع لهم، ناهيك عن كلفة التحضير و المعركة ذاتها، وهي تمثل خسارة بالغة لبريغورين، الذي هو في النهاية رجل مافيا، بدأ حياته الناضجة بحكم بالسجن لتسع سنوات بسبب انخراطه في أعمال الجريمة المنظمة، وهو لن يقبل بتحملها لوحده، ويبدو أنّه وبعد أنْ تأكد من استحالة الوصول إلى معمل كونيكو الذي حوله الأمريكان إلى ثاني أكبر قاعدة لهم في سوريا، قد لجأ إلى طريقة أخرى لتحصيل تعويضات عن الخسائر التي لحقت به، ويبدو أنّ الكرملين يدعمه في هذا الاتجاه، أو أنّهما يعملان معاً على الصفحة ذاتها.

فقد شنت وكالة الأنباء الفيدرالية (يارافان) ووسائل إعلام أخرى يملكها برغورين [8] هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على النظام السوري، وبشار الأسد شخصياً، وقالت وسائل إعلام ممولة من إيران ومقّربة جداً من نظام الأسد، إنّ هدف الحملات هي حصول بريغورين  “على عقود معيّنة من الدولة السورية وحماية مصالحه”. ..  “خصوصاً أنّ التقارير الأخيرة أشارتْ صراحةً إلى أشخاص يعوّقون دخول شركات روسية إلى سوريا[9]“.

التفاصيل الكاملة عن حياة الشاب “حمادي” الذي عذبه الروس وقطعوا رأسه ويديه

رامي مخلوف كأحد ضحايا معركة خشام!

لقد صمت الكرملين على حملة بريغورين، حتى موعد لافت، هو تفجُّر الخلاف بشكل علني بين بشار الأسد وابن خاله المتنفذ رامي مخلوف، الذي يسيطر على أكثر من نصف الاقتصاد السوري، ويبدو أنّ الأسد ضغط على الأخير لينتزع منه حصة للشركات الروسية، وعلى أثر ذلك تمت إزالة المقالات التي انتقدت النظام، واعتبر الكرملين أنّ منْ نشرها “اشبه بصحافة صفراء”.

لكن بريغورين، الذي يطالب بشراسة بتعويضات مستدامة عن عملياته إلى جانب نظام الأسد، مجرد حالة واحدة، أمكن التحقق منها بسبب خروجها إلى العلن، ففي سوريا تتردد أسماء العديد من الشركات الأمنية، مثل موران، والفيلق السلافي، وفيغا، وباتريوت، ونحن لا نعلم بالضبط ماذا قدمت كل شركة وما حازت بالمقابل، لكننا نعلم أنّ شركات روسية تسيطر اليوم على الكثير من المنشآت الحيوية السورية، مثل مرفأ طرطوس، ومعمل الأسمدة الكيمياوية في حمص، ومناجم الفوسفات في تدمر، ومعامل للغاز وحقول نفط، كما أننا لا نعلم مدى شراكة روس مع واجهات من رجال الاعمال السوريين الذين تضخّمت أعمالهم على نحو مفاجئ مثل الفوز وقاطرجي وغيرهم. أما الأهم فهو أننا لا نعرف الاتفاقيات الملزمة المؤجلة من طرف حكومة الأسد لصالح تلك الشركات، التي يحتمل أنّها حازت حقوقاً حصرية للاستثمار في “إعادة الاعمار” المحتملة في سوريا، وأيضاً، منْ قد يكون اليوم تكفّل بمناكفة الأمريكان في شرق الفرات، لدفعها من هناك، مقابل عقود ستمنح لهم مستقبلاً.

تحقيق أميركي في مقتل “حمادي البو طه” يكشف عن دور “فاغنر” ومثيلاتها في الحرب السورية

خلية شرق الفرات بتمويل القاطرجي وعضوية مدلول العزيز 

وفقَ معلوماتٍ شحيحة حصلنا عليها مؤخراً من شرق الفرات، فإنّ جهاتٍ خاصة روسية، لم نعرفْ بعد إنْ كانت شركة فاغنر بينها أم لا، لكنْ عُرف منها بقايا مجموعة أمنية روسية عملت سابقاً في دير الزور وحماة، واشتهرت باسم “صائدوا داعش”، وهي تعمل على وضع خطة مناسبة، وتجميع القوى والأدوات في شرق الفرات،  لـ”إيذاء”، القوات الأمريكية، ودفعها لمغادرة الأراضي السورية في النهاية.

وكما عند التحضير لمعركة سنة ٢٠١٦، فإنّ المسؤول الميداني المحلي عن هذه العملية، هو مورد المرتزقة “مدلول العزيز”، الذي تم تعيينه مؤخراً كعضو في برلمان النظام، وأسس شركة أمنية محلية، على غرار الشركات الأمنية الروسية، تدعى شركة “شام العزيز”.

القاطرجي قائداً “للمقاومة” في شرق الفرات.. مالمخطط وما إمكانية النجاح؟

أمّا فيما يخص التمويل المباشر، فقد استخدم رجلُ الأعمال المقرب من النظام، حسام قاطرجي، الذي علاوة عن كونه أحد أدوات النظام وروسيا وإيران معاً، فإنّه أحد الضالعين الرئيسيين في ملف النفط في شرق الفرات، منذ أنْ كان تحت سيطرة تنظيم داعش سنة ٢٠١٤، وله صلاتٌ وثيقة ومتينة مع كافة قبائل الجزيرة السورية وشيوخها، كما أنّه يدير ميلشيا معروفة على نطاق واسع في دير الزور والرقة، وتعمل مع الروس عن كثب، وتحمل اسم “كتائب القاطرجي”.

إنّ مجمل هذه الأدوات، والتي يحتمل أنْ يضاف إليها الميلشيات الإيرانية العاملة في دير الزور، وبقايا وخلايا تنظيم داعش المنتشرة هناك، والتي يمكن استثمارها بطريقة مشابهة للطريقة التي استثمر فيها النظام وإيران، التنظيمات المتطرفة في العراق، لإلحاق اقصى الخسائر بالجنود الأمريكان، يمكنها في النهاية، أنْ تحرج الرئيس ترامب، وتدفعه لتثبيت قراره بالانسحاب من شرق الفرات، وسيكون أمر الانسحاب أكثر سهولة على المرشح الديمقراطي جو بايدن، فيما لو فاز في الانتخابات الأميركية، على اعتبار أنّ وصول الأمور إلى نقطة تلقي خسائر بشرية، هو من تبعات سياسة أسلافه التي يستطيع الانقلاب عليها.

لكنْ أيضاً يمكن لضربة موجعة يتلقاها الأميركيون، أنْ تكون بمثابة لطم الأسد النائم على أنفه، ويمكنه أنْ يدفع الرئيس ترامب إلى اتخاذ قرار سريع بالمواجهة، وهو ما حذرت منه الصحافة الأمريكية مؤخراً.

“عقيدة جير اسيموف” والأفق المفتوح للحرب “الهجينة”

عقب حادثة التصادم الأخيرة في الحسكة تواصل رئيس الأركان الأمريكي بنظيره الروسي الفريق “جير اسيموف”، الذي احتج بأنّ الدورية الروسيّة أخطرت التحالف الدولي بخط سيرها مسبقاً، وحمّل القوات الأمريكية مسؤولية عرقلة عمل قوات بلاده، وما سيترتب على هذه “الاستفزازات”.

وجير اسيموف هذا هو المنظر الرئيس للنهج الروسي المستجد، الذي يرفع من حرارة الاحتكاك الحالي بين الروس والأمريكان في سوريا، فهو  واضع النظرية التي باتتْ تعرف اليوم في الدراسات الغربية باسم ـ” عقيدة جيراسيموف في الحرب الهجينة [10]“، التي تحوزُ فيها الحرب بالوكالة أهمية مميزة، ويبرز فيها دور الشركات الأمنية الروسية الخاصة، في التغلب على الدفاعات الأمريكية، وسد الفجوة في قدرة روسيا على مواجهة التفوق الأمريكي الساحق في الإمكانيات، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى الاعتقاد أنّ النهج الروسي الحالي في سوريا، رسمي، وثابت، ومتصاعد، وسيتعين على القوات الأمريكية في سوريا، مواجهته، أو الانسحاب من هذا البلد.

ترامب قد يشعل حرباً في سوريا!

 

=================================================================

المراجع:

[1] https://www.enabbaladi.net/archives/218091#ixzz6MJp7xLDm

 

[2] https://www.nytimes.com/2018/05/24/world/middleeast/american-commandos-russian-mercenaries-syria.html

 

[3] https://www.spiegel.de/international/world/american-fury-the-truth-about-the-russian-deaths-in-syria-a-1196074.html

 

[4] https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/1060586X.2019.1591142

 

[5] https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/1060586X.2019.1591142

 

[6] https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/1060586X.2019.1591142

 

[7] https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/1060586X.2019.1591142

 

[8] http://www.kaspiy.az/news.php?id=125663&fbclid=IwAR1gAh0M_7Z_wFZroODgIRd-tBLCxQ808Ntl3yuTexrszTEZTlMRaNjmLVQ#.Xr44AC8ug0r

 

[9] https://al-akhbar.com/Syria/288141

 

[10] https://foreignpolicy.com/2018/03/05/im-sorry-for-creating-the-gerasimov-doctrine/

 

[i] https://jp.reuters.com/article/usa-russia-syria-security-ia6-idARAKBN25N0UG

قد يعجبك ايضا