في النقاش السوري عن المجازر والطائفية

عمار ديوب

لا يخفُت النقاش بشان الطائفية في سورية حتى يعود؛ أيّة أحداثٍ أو تطورات جديدة تعيده، وفعلت ذلك مجزرة التضامن “الطائفية”، قبل أسابيع. وتفعل الشيء ذاته مداخلات سوريين كثر على وسائل التواصل الاجتماعي؛ علمانيين كانوا أو طائفيين، أو سواهما .. وهذا يعني أن المسألة الطائفية قضية حقيقية، وليست مرتبطةً بتلك المجزرة، ولا بطائفيين يتبنّونها أو بسياسات السلطة أو بتنظيمات سلفية أو جهادية، فكيف نفسّرها هذه الطائفية؟ تريدها السلطة من أجل غايات وظيفية بامتياز، وتبتغي تكريس الوعي الطائفي، بقصد ديمومة السلطة، وتأليب الطوائف الدينية على بعضها بعضاً في سورية؛ السلفيون والجهاديون والطائفيون عامة، يجدون فيها مرجعيتهم وحاضرهم ومستقبلهم.

دفعت المجزرة بعض المثقفين السوريين إلى البحث في تاريخ المجازر بين العلويين والسنة، وضرورة تفكيك ذلك، من أجل توضيح أهوالها، ودورها في تأبيد السلطات “الدينية”، ودفعت آخرين إلى تطييف تاريخ سورية بأكمله، ليصير التاريخ السوري، ومنذ مجيء الاحتلال الفرنسي وجلائه، طائفياً بامتياز، تتبادله “النخب السنية” ثم تسيطر عليه “النخبة العلوية” بعد 1963. يرى آخرون سورية طوائف، أغلبية وأقليات، وكل الحركات السياسية في تاريخ سورية لا تتعدّى أن تكون دفاعاً غير مباشر عن هذه الطائفة أو تلك، أي يرون الشعب السوري هو هو في الحاضر وفي الماضي، أغلبية وأقليات، وما زال على حاله. من دون شك، هناك نظريات كثيرة، أغلبها مستورد لتفسير أزمات المجتمع السوري وتعقيداته، وطبعاً ليس من مشكلةٍ في ذلك الاستيراد، المشكلة في نقل الأفكار ذاتها وتطبيقها على الوضع السوري. ولا ترى هذه المقالة في الممارسات “الطائفية” الاجتماعية مُشكلة، فهي من بقايا الوعي التقليدي “التاريخي”، وليست أيديولوجيا وأحزابا سياسية طامحة للسلطة.

التوظيف السياسي الشديد للطائفية بعد 2011، من السلطة أولاً، ثم من جماعاتٍ سياسيةٍ سورية معارضة؛ الإخوان المسلمين خصوصا، ساهم بتكريس الطائفية، شكلاً سياسيّاً للصراع السوري، بينما كانت الثورة واعيةً لضرورة تجنّب الطائفية، كما في الثمانينيات، وإن لم تتبن رؤىً فكرية وسياسية دقيقة رافضةً للمسألة الطائفية، وتفكّك أشكال وجوهها الفعلية في سورية، تاريخاً وثقافة وممارسات سياسية وقوى سياسية، وكذلك أشكالها في ممارسات السلطة، والمهام الوظيفية من وراء ذلك.

هناك عاملٌ طائفيٌّ شديد الوضوح في المجازر التي ارتُكِبت في سورية منذ 2011، ومن كلّ الأطراف، حتى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في مجازره ضد السنة كان طائفيّاً؛ وهناك مجزرة عدرا العمالية في 2013، وكذلك المجازر التي ارتكبتها مليشيات طائفية تابعة لبعض الأجهزة الأمنية في حمص وبانياس هي طائفية، وسواها كثير، وكان القصد منها اجتثاث الآخر، واستغلالها من ديمومة السلطة الراهنة، أو الوصول إلى السلطة من السلفيين والجهاديين .. مرتكبو تلك المجازر، ومن كلّ الأطراف، طائفيون بالضرورة، لكنّهم شخصيات بسيطة وهامشية، بينما المسؤولية الفعلية تتحمّلها الجهات السياسية والأمنية التي تقف خلفها، سورية وسواها.

ليست الطوائف، بأكثريتها أو أقلياتها، مصدر السياسة في سورية قبل الاستقلال وبعده، وليست مرجعية الصراع السياسي في هذه الأزمنة. هي تشكيلات أهلية، وبيئة اجتماعية للأفراد، وما زالت موجودة، وتميل دراساتٌ كثيرة إلى أنها مستمرّة. وعدا ذلك، تُخفّض هذه النظرة من دور العشائر كعلاقات اجتماعية وثقافية، بل وسياسية أيضاً، وهي أيضاً منتشرة، وبقوة في سورية. يتجلى الوعي الديني قيماً أخلاقية في الممارسات السياسية. أما الوعي الطائفي في الصراع السياسي فهو حديث العهد، ففي الخمسينيات تأسّس مع تأسس الإخوان المسلمين، أي لم تكن الطبقة الحاكمة طائفية، وقد كان الحزبان، البعث والشيوعي، خصوصاً، محمولين على قضايا اجتماعية ووطنية وقومية وأممية، وحتى التطورات اللاحقة في سورية لم تتخذ من هذه القضايا مرجعيةً وسياسات من أجل تحقيق مشروع طائفي، للعلويين مثلاً. يتجاهل النقاش الطائفي بالكامل كلّ التطورات الاقتصادية والسياسية حينها، كالتأميم والإصلاح الزراعي والتوسع الاشتراكي فكراً وسياسةً، والخلاف مع دول الخليج وقتها، وحتى الخلاف مع الاتحاد السوفييتي قبل تسلم الجنرال حافظ الاسد السلطة بشكل كامل في 1970؛ والصراع السياسي بين كتل “البعث” وسواها كان على السلطة وصراع برامج سياسية. وضمن ذلك، ستَستخدم كلّ الأطراف كلّ الإمكانات للتغلب على الطرف الآخر، ولا سيما اتجاه حافظ الأسد حينها، وشخصيات كثيرة فاعلة حينها في اتجاهه لم تكن علوية، وحتى العلوية منها كانت في صفّه من أجل وصولها هي السلطة، وليس من أجل إيصال الطائفة العلوية إليها؛ الكتل “العسكرية” الأخرى، أيضاً لم تكن سنّية خالصة أو درزية أو مسيحية.

محدودية قوة الإسلام السياسي في سورية مرتبطة تاريخياً بصعود الفكرة القومية منذ بدايات القرن العشرين وطرد الاحتلالات، ورغبة السوريين عامة في البحث عن مشتركاتٍ وهوية سياسية جديدة، ولا يشكل بروز “البعث” قوّةً بارزة في الخمسينيات إلّا اتكاءً على ذلك الصعود، ومعاقبة مجتمعية للنخبة الحاكمة التي أرادت بناء سلطة ودولة لتأبيد حكمها ومصالحها، وكذلك لمعاقبة الشيوعيين حينها على انسياقهم خلف سياسة الاتحاد السوفييتي في الاعتراف بإسرائيل. وكان الإسلاميون مشغولين بالوصول إلى السلطة وأسلمة المجتمع ورفض العلمانية والقومية. وبالطبع، لم يتلمّسوا حاجات المجتمع في الإصلاح الزراعي والتعليم العام ومسألة فلسطين بوصفها قضية قومية. لا يمكن قراءة تلك التطورات من زاوية استبدال النظام “السني” بـ”نظام علوي”، هذا تفكيرٌ سطحيٌّ للغاية.

لقد هَمّشت التطورات العامة في سورية الإسلام السياسي، والذي وُلِدَ في منتصف الاربعينيات في سورية. والتطورات ذاتها رفعت من دور الجيش المنظم ليقوم بالتغيير لصالح القضايا الاجتماعية أو الوطنية أو القومية. لم يكن حافظ الأسد إلّا ديكتاتوراً، كحال بقية القادة العسكريين الذين وصلوا إلى السلطة في العالم الثالث، وأراد جعلها له ولعائلته أولاً، كما حال بقية القادة (ربما يخرج جمال عبد الناصر عن ذلك). وفي سبيل ذلك، أعاد المجتمع إلى بنيته الأهلية ولتأبيد سيطرته. ضمن ذلك، سيَستخدم كل الوسائل من أجل ذلك، أي سيستخدم القمع والفساد والإفساد، والتطييف المحدود، وكذلك سيستغل العلاقات الأهلية التي ينتمي إليها، وهذه ليست ممارسةً طائفية، أو القول إنها علوية سياسية، أو نخبة علوية سلطوية، بل هي “أهلية” ولصالح تأبيد السلطة الشمولية والحكم الفردي.

فَرضت السلطة، منذ السبعينيات، أشكال استغلالها ونهبت ثروة الدولة، وهمّشت قطاعاتٍ واسعة من التجار أو الصناعيين، ومارست القمع عاملاً أساسياً لخنق الحريات واجتثاث السياسة. واجه المجتمع السلطة وجبهتها الوطنية التقدمية حينها بحركات يسارية جديدة وقويت شوكة الإخوان المسلمين أكثر فأكثر، وقَمعت السلطة هذه الحركات بعنفٍ شديدٍ، وكانت حرب اجتثاث للإخوان، والانفتاح أكثر فأكثر على مرجعيات سنية أخرى (الشيخ محمد سعيد البوطي مثالاً)، واستمرّت بإعادة المجتمع إلى أهليته، وضمن التسعينيات. ولاحقاً، ظهرت حركات جهادية وسلفية تأثراً بحرب العراق، وأفغانستان، وصراعات “جهادية” كثيرة؛ لكنّها ظلّت حركات هامشية، بفعل القمع أولاً، وبفعل أنّها حركاتٌ “نخبوية” وليست مرغوبة مجتمعياً.

مع الثورة السورية 2011، كانت علاقات المجتمع السوري أهلية بامتياز، أي أن الوعي الديني هو المسيطر. ولم تكن “طائفيته” سياسية؛ وهذا مرتبط بأزمات السلطة وسياساتها في إعادة إنتاج المجتمع الأهلي “الديني”؛ تفسير طبيعة الوعي هذه بأنها امتداد تاريخي قديم غير سليم، وأيضاً ليس من الصحيح تفسيره بدور الاستعمار في إبقاء البنى الأهلية أهلية، ومحاربة البنى الحداثية، أو تسييسها طائفياً؛ للاستعمار دورٌ آخر، ويتحدّد بتشكيل دولنا، دولاً تابعة، وإرساء التجزئة، وزراعة الكيان الصهيوني، ومحاربة أيّ مشاريع سياسية قد تفضي إلى مشاريعٍ وحدوية أو نهضوية جادّة.

الثورة السورية كانت جزءاً من ثوراتٍ عربية، وتَحرّكَ السوريون ضمن هذا الأفق. ولهذا لم تكن الطائفية من أهدافهم، رغم تدينهم الكبير، ولا الانتقام من الثمانينيات، ولا الإتيان بالإخوان المسلمين أو السلفية إلى السلطة؛ لا، ورفعوا شعارات ضد ذلك. وفي الأصل، لم يكونوا طائفيين. وبالطبع، هناك تيارات سلفية وطائفية، لكنها هامشية، لأسباب ذكرت أعلاه. كانت اللحظة هذه مخيفة للسلطة، و”مثالية” للإخوان المسلمين خصوصا، ولأنّها مخيفة، وتَرى بأم العين سقوط الأنظمة في تونس ومصر وليبيا، كان عليها أن تستخدم كل الوسائل، ومنها المجازر، من أجل ديمومة السلطة. تتعلق القضية إذاً بديمومة السلطة ولا شيء أخر، وهي كذلك بالنسبة للمعارضة، ولا سيما الإخوان.

كان الاعتقال والقمع والقتل والمجازر سياسة عامة للسلطة. وككل سلطة شمولية، لا يمكن إلّا أن تفعل غير ذلك؛ هي طبيعة فيها إذن. في سورية كان ذلك، ووظفت الطائفية من أجل إيقاف الثورة الشعبية. واستدعى النظام الخارج والمليشيات الطائفية من إيران والتابعين لها للغاية، ولاحقاً روسيا لتأبيد السلطة. فعلت الشيء ذاته قوى الإسلام السياسي، والسلفية والجهادية لم تتأخرا عن فعل الاعتقال والقمع والمجازر، حينما أصبحت سلطةً في الغوطة الشرقة وفي الرقة ودير الزور وأرياف حلب وفي إدلب وفي مناطق سيطرتها.

ولا يمكن طي صفحة المجازر والاعتقال والقمع بالنقاش السياسي غير الجاد، أو بتحويل تاريخ السوريين إلى صراعات طائفية بل عبر القضاء. وحينما يحصل التحوّل السياسي، ويتقدّم القضاء بدراسة هذه الملفات، ووضع المسؤولين عنها في السجون؛ وترافق ذلك مبادرات شعبية وثقافية وسياسية، تسعى من أجل إرساء السلم الأهلي.

والنقاش في الطائفية لن يتوقف أبداً، فهو يتعلق بالسياسة وليس بوجود الطوائف، والمناخ مؤاتٍ بشدّة لذلك، فهناك هزيمة الثورة، غياب الهوية المشتركة للسوريين، وعوامل كثيرة. الطائفية السياسية تستقي قوتها من غياب الديمقراطية والحريات والنظام الممثل للكل الاجتماعي والظلم “الطائفي”. حينما يتحقق النظام الممِثل للكل يمكن أن يخفت ذلك النقاش، أو لنقل سيتخذ أشكالاً أقلّ حدّة.

إزالة الغبن عن الطوائف بتنوعاتها تتحقق بالتحوّل الديمقراطي للسلطة وللمجتمع، وبصعودٍ جديدٍ وفاعل للمشروع الوطني، وهذا ما ركز عليه برهان غليون في كتابه القديم “المسالة الطائفية ومشكلة الأقليات” الكتاب المُستعاد بقوّة هذه الأيام.

قد يعجبك ايضا