لماذا يقتل “تنظيم الدولة” شعبه؟

عبد الناصر العايد

في الأسبوع الفائت، كَمُن مسلحون، يُعتقد أنهم من تنظيم “داعش”، لحافلة تقل عمّالاً من بلدة الخريطة الواقعة على ضفاف الفرات الشمالية غربي مدينة دير الزور، وذلك أثناء عودتهم من العمل في حقل الخراطة القريب، وأعدموهم بالرصاص ثم أشعلوا النار بجثثهم، وقضى جراء ذلك 11 رجلاً. بالتوازي مع هذه العمليات المتواترة بمعدل شهري، في مناطق سيطرة النظام وروسيا، تجري اغتيالات يومية، بمعدل شخص إلى ثلاثة أشخاص على الضفة المقابلة التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديموقراطية” وقوات التحالف الدولي. ومع أن الاغتيالات تطاول مقاتلين أو عسكريين أو أمنيين في بعض الأحيان، إلا أن النسبة العظمى من ضحاياها هم من السكان المحليين المدنيين في شرق سوريا، أي من “المسلمين السنّة”. فلماذا تقتل “الدولة الإسلامية” من تزعم أنهم شعبها المفترض؟

السلطة العليا.. حق القتل!
يصرّ أعضاء “داعش” على كون تنظيمهم “دولة”، لها الحق في قتل مَن يخالف مبادئها أو يناهضها. وبغض النظر عن نوع المخالفة التي تُلصق بمَن يُقتل، سواء كانت مخالفة الشّرع أو “الردّة”، أو حتى الامتناع عن تأدية الضرائب التي تفرضها تلك “الدولة”، فإن الهدف الأعلى من عمليات القتل، في ما يبدو، هو إثبات السلطة وإظهارها.

ويبدو أن هذه الفكرة بدأت بالترسخ اجتماعياً في مناطق النشاط الدائم للتنظيم، في مناطق غرب وشرق الفرات والصحارى المحيطة بدير الزور على وجه التحديد، حيث أكد عدد من النشطاء والفاعلين أن ذوي ضحايا التنظيم، يعرفون قتلة أبنائهم في كثير من الأحيان، وهو ما يُلزمهم بشكل صارم بالانتقام منهم تماشياً مع القوانين والأعراف القبَلية الراسخة. لكنهم لا يفعلون ذلك، خشية انتقام التنظيم الذي يعد نفسه مسؤولاً عن سلامة أعضائه أيضاً، ولا يتهاون مع أي عملية انتقام أو فرض قانون، سوى قانونه، في المجتمعات التي يهيمن عليها.

وتوفر وسائل التواصل الاجتماعي، نقطة رصد جيدة في هذا المضمار، إذ أن ذوي الضحايا وأقاربهم الذين ينشرون نعي قتيل ما، بدأوا بتجنب ذكر سبب الوفاة. ويردّ المعلقون، وهم من الأقارب غالباً، بعبارات العزاء التقليدية التي تسدى في حالات الموت بالمرض أو الشيخوخة، وهي طلب الرحمة والاستغفار. وفي بعض الحالات، عندما يتبنى التنظيم قتل شخص ما، تنخفض أعداد المعلقين والمتفاعلين بشكل لافت.

قيادي في “الإدارة الذاتية”، أكد لـ”المدن” أن لا شخص يجرؤ في ريف مدينة دير الزور، على الإشارة أن يشير علناً للتنظيم وأعضائه بالاختصار الرائج إعلامياً، وهو “داعش” و”الدواعش”، وإنما يشار إليهم بـ”الأخوة” ولتنظيمهم بـ”الدولة”.

التمويل المحلي
في ظل العزلة وتجفيف مصادر تمويل التنظيم الخارجية، فإن الرسوم والإتاوات التي يفرضها “داعش” في مناطق “نفوذه” هي الشريان الذي يمدّه بالحياة من ناحية، وتحافظ على حضوره الاجتماعي آنف الذكر من ناحية أخرى، كما تغذي عجلة بيروقراطية داخلية لا بد منها لأي تنظيم، ولو على مستوى الجباية والتكليف وعمليات المحاسبة وما إلى ذلك من الوظائف والأدوار التي ينبغي إتقانها وإدامتها بالدوران الذاتي. يفرض التنظيم سراً، ضرائب متفاوتة على المقتدرين من السكان، خصوصاً التجار، وعلى رأسهم تجار النفط، وذلك تحت مسمى الزكاة أو الغرامات. وقدَّر ناشط متتبع من أهالي ريف دير الزور الشرقي، المبالغ التي تُجبى شهرياً من تجار النفط في منطقته، بنحو خمسين ألف دولار، فيما قدَّر عوائد المعابر النهرية الرئيسية وعددها أربعة، بنحو 20 ألف دولار لكل مَعبَر، وهي كافية، وفق الناشط، لسدّ احتياجات عناصر التنظيم ودفع الرواتب لأعضائه ولأُسَر قتلاه وشراء وتكديس الأسلحة والمتفجرات. وليس لديه تصوّر واضح عما تتم جبايته من أصحاب المهن والفاعليات الأخرى، مثل الأطباء والصيادلة وأصحاب الأفران ومحطات الوقود ومكاتب تحويل الأموال وغيرها، لكنه أكدّ ان المبلغ كبير بلا شك.

ووفق جميع من تحدثنا إليهم، فإن دفع الأموال للتنظيم مرتبط بشكل مباشر بعمليات القتل، التي تطاول كل من يمتنع عن دفع ما يُفرض عليه بعد سلسلة قصيرة من التهديدات، مثل ترك تحذير مكتوب أمام بيته، أو إحراق سيارته أو تخريب مكان عمله، ثم “تصفيته” في النهاية إذا لم يمتثل.

الدعاية
يحظى الحضور الإعلامي باهتمام خاص لدى تنظيم “داعش”، ومروره في الأخبار مرتبط بعمليات القتل، مهما كان نوعها ومدى سهولتها. وقد بثّ التنظيم في شهر آب/أغسطس2020، شريط فيديو تحت عنوان “ملحمة الاستنزاف4″، صادر عما يعرف بـ”ولاية الخير” (منطقة دير الزور وريفها)، وهو من الإصدارات التي باتت نادرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ويتمحور حول الاغتيالات التي استهدفت سكاناً محليين. وأجمَل التنظيم عملياته بـ 358، بينها 106 عمليات اغتيال، شملت وجهاء عشائر ونساء وموظفين مدنيين وأعضاء سابقين في التنظيم، قالت مصادر محلية أنه ربما شكّ في ولائهم.

التدريب والتجنيد
يؤكد شهود العيان، إن مَن يقومون بعمليات القتل العلنية هم في الغالب شبان من أهالي المنطقة يبدون في مطلع العشرينيات من العمر، ما يعني أنهم مجندون جدد، وبالنسبة لقادة هؤلاء المجندين فإن هذه العمليات ضرورية للتدرب واكتساب الخبرة والجرأة من ناحية، ومن ناحية أخرى ترفع من حماسة هذه الفئة الشابة للتنظيم، حيث يختلط الإيمان الديني مع الحماسة العاطفية والإثارة الناجمة عن انخراطهم في تنظيم سري مرهوب الجانب ويتيح لهم السلطة القصوى في المجتمع، وهي سلطة إنزال عقوبة القتل، فيما يوفر “الدم المسفوك” رابطاً مصيرياً بين هؤلاء، بعضهم البعض من ناحية، ومع التنظيم من ناحية أخرى في ما تبقى لهم من حياة.

“حياة طبيعية”؟

لقد شكلت وقائع إقامة إمارة أو دولة، ما يشبه الطفرات في حياة التنظيمات الجهادية، فانطلاقاً من عقيدتهم التي تقول باستمرار “الجهاد” بشكل مفروض تحت الظروف كافة، يشكل العمل الأمني والعسكري قوام حياتهم ويومياتهم بغض النظر عن قيام الدولة المرتبط “بمشيئة الله”. بمعنى آخر، لديهم ما يسوغ قبولهم بالعيش كسلطة موازية، تعمل على نحو غير مكرس بشكل كامل على تحويل مناطق استيطانها إلى بؤر خالصة الولاء لها، عبر التخلص من المناوئين والمنافسين والهيمنة على الموارد وتجنيد أكبر عدد ممكن من السكان لخدمة التنظيم. ويمثل هذا الطور الطويل والممتد، شكل الحياة والوجود الطبيعي لمعظم التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها “داعش”، الذي يعيش هذا النمط بأريحية وسهولة في شرق سوريا، لسبب محدد يتمثل في ضعف المجتمعات التي فرض نفسه عليها، لا بل إمعان القوى التي تدّعي محاربة التنظيم في إضعاف هذه المجتمعات وإفقارها وسحق قواها، على نحو ما يفعله نظام الأسد مثلاً، أو منح دعاية التنظيم مصداقية مضاعفة من خلال أنشطة المليشيات الطائفية الإيرانية، أو حتى من خلال إفساح المجال واسعاً أمام قيادات التنظيم وعناصره لبث سلطتهم ودعايتهم علناً، وإطلاق سراح أعداد كبيرة منهم، كما تفعل “قوات سوريا الديموقراطية”، التي تأمل أن يجلب لها قتل المزيد من المدنيين العزل، مزيداً من الدعم الدولي تحت شعار “عودة داعش”.

المصدر: المدن

قد يعجبك ايضا