المثقف السوري “الحقيقي” حاله من حال الشعب

بهزاد حاج حمو
“بعيداً عن الموت، أستغربُ, كيف لثورة فيها كلّ هذا الجَّمال الأنثوي, ولا تنتصر؟” هذا آخر ما كتبه الروائي والكاتب المسرحي ضاهر العيطة, على صفحته الشخصية في “فيسبوك”, قبل أن تقتاده الأجهزة الأمنية في دمشق إلى أقبيتها، على كرسيِّه المتحرك، كون الكاتب من ذوي الاحتياجات الخاصة.
اللافت في حالة اعتقال ضاهر العيطة أنّها تعكسُ أولاً, درجة الهمجية التي تتبعها الأجهزة الأمنية في التعامل مع الكتَّاب والمثقفين عموماً, وهي تُظهر ثانياً, لامبالاة هذه الأجهزة بظروف المثقف دون أدنى اعتبار لحالته الشخصية، ودون أن تُبدي أية رحمة تجاه ذلك. وتختصرُ أخيراً, حجم الارتعاد الذي يخلقه الحديث عن الجمال, في نفوسهم.
ما يعانيه المثقف ليس أقل مما يعانيه الشعب السوري بأكمله, في ظل آلة القتل اليومية التي تتنقل بين المدن السوريَّة, قامعةً كل صوت مناهض لها. هذا إن لم نقل أنَّه كان ولا يزال يعاني أضعاف معاناة بقية فئات المجتمع, كونه يقتني “بضاعة” محظورة في “دولة الأسد” ألا وهو الكِتاب, آخذين بعين الاعتبار, أزلية العداء بين الأنظمة الشموليَّة والكُتَّاب, وخاصة الميالين منهم إلى خط الشعب, والأقرب إلى هموم المواطن باعتبارهم صوته وضميره, وخوف هذه الأنظمة من العلم والثقافة والقلم, بكل ما تمتلكه من أسلحة ثقيلة تبث, أينما حلت, الموت والنار.
ضرب وترهيب
في معرَض ردِّه على سؤال الصَّحفيَّة: ليس بك خدشٌ أو نبشٌ, هل شاركتَ في المظاهرات؟، يقول الكاتب والرِّوائي السوري خالد خليفة أثناء تواجده في هولندا للترويج لروايته “مديح الكراهية” والَّتي تُرجمت إلى الهولنديّة تحت عنوان ” أبواب الجَّنة” والمرشَّحة, آنذاك, لنيل جائزة “بوكر” عن الرِّواية العربية. يقول خليفة “في سورية, لا يخدشون أو يجرحون, هم يقتلون مباشرةً”. ثم ليعبِّر خليفة في موضعٍ آخر, عن خيبته لوقوف بعض المثقفين إلى جانب النظام ومناوئتهم للثورة, قائلاً “هؤلاء هم أشباه المثقفين وغير الموهوبين والمرتزقة, المثقف السوري الحقيقي, ليس أمامه خيار غير احترام رغبة الشعب السوري ومساندة مطالبه”.
وخلال تشييع الموسيقي السوري الشاب ربيع الغزي الَّذي اغتالته الأجهزة الأمنيَّة في دمشق, أثناء قيادته سيَّارة شقيقته النَّاشطة والمعتَقَلة السَّابقة ريما الغزي، انهال رجال الأمن والشَّبيحة على المشيِّعين بالضَّرب الوحشي، فكان صيدهم الثَّمين آنذاك الروائي خالد خليفة فكسروا يديه. في إشارة واضحة إلى مصدر قلقهم وخوفهم، اليد الَّتي كتبتْ إجرامهم في الثمانينيات، حيث أن روايته “أبواب الجنة” المشار إليها آنفاً, ممنوعة من التداول في سورية, كونها تحكي عن سنوات الثَّمانينيات, والمجازر التي ارتكبتها قوَّات الأسد الأب حينها.
ليستْ جديدة “فوبيا الأسد” من الأيادي التي تحاول كتابة أو رسم إجرامه, حيث أقدمتْ عصابة تابعة له في وقت سابق, على ضرب رسَّام الكاريكاتير السوري العالمي علي فرزات أثناء عودته إلى منزله في حي المزة بدمشق, في محاولة يائسة منهم لردعه عن الاستمرار في فضح أفعالهم. لا يعلم الفاعلون أن اللوحة تتشكَّل في القلب ويراها الناس في عين الرسام. كذلك تعرَّض والد ووالدة الموسيقار السوري مالك الجندلي المقيم في أمريكا, إلى الضَّرب والإهانة الشديدة عقاباً لهما على تأليف ابنهما الموسيقار لسيمفونيَّة أسماها “أنا وطني” تمجِّد الوطن وتتغنَّى بحبه ليس إلا.
اعتقال الأقلام واغتيالها
في بناءٍ مهجور في حيِّ القصور بمدينة دير الزور, عثر الأهالي على جثث متحلِّلة نسبياً لثلَّة من شباب المدينة, كان من بينها جثة الكاتب محمد رشيد رويللي الرَّئيس الأسبق لفرع اتحاد الكتاب العرب في المدينة, أُعدم ميدانياً بعد شهرين من الاختطاف على خلفية مواقفه المنحازة للشعب. وحيث لا يملكُ الديكتاتور إلا لغة القهر في مواجهة الأصوات المنادية بالحرية فقد عمد أيضاً, إلى إعدام الكاتب القصصي والرِّوائي إبراهيم خريط من أبناء دير الزور أيضاً مع ابنه النَّاشط سامر خريط. لتُصدر فيما بعد “رابطة الكُّتاب السوريين” بياناً تنعي فيه الشَّهيدين الكاتبين، وتبيِّن أنها كانت على تواصل وتنسيق معهما، ولتعتبرهما عضوين من أعضاء الرَّابطة.
وفي أقبية المخابرات السورَة في دمشق وتحت التَّعذيب, فقد الكاتب الدِّمشقي محمد نمر مدني حياته، ليسلم جثة هامدة إلى أهله, مع تهديد بعدم الكشف عن سبب الوفاة “وإلا ألحقوا به بقيَّة أفراد الأسرة” كما جاء في نص التَّهديد، وكان الفقيد قد اعتقل مع انطلاقة الثورة وأطلق سراحه, ليعمل متطوعاً مع عدة وكالات عالمية للأنباء لنقل ما يحدث في سورية إلى العالم.
جهود للتوثيق
“تعمل هيئات الثَّورة ولجان التَّنسيق على توثيق أسماء الكتاب والمثقفين المعتقلين والمختطفين لدى النظام” كما جاء على لسان “إ.ح” مراسل شبكة شام، مبيناً في حديثه لـ”جسر” أنهم يعلمون تماماً أنهم لن يستطيعوا توثيق جميع الأسماء, ويعلمون أنَّ الرقم الحقيقي ضعف ما يمكن الوصول إليه, لكنها تبقى خطوة يبرهنون من خلالها وفاءهم لأولئك الأبطال.
وتمكنت “جسر” من الاطلاع على بعض هذه الأسماء, والَّذين أفرج عنهم، ومنهم، الكاتب والمفكِّر سلامة كيلة الذي اعتقل نهاية نيسان 2012 ليتعرَّض لتعذيب شديد، ثم صدر بحقه قرار يقضي يإبعاده عن سورية، وكان كيلة قد أعتقل سابقاً عدة مرات, استمرتْ إحداها لمدَّة ثماني سنوات. وأيضاً الكاتبة يم مشهدي التي كتبتْ عدة مسلسلات للتلفزيون وصِفت بـ “الجريئة”, لملامستها هموم وآلام المواطن منها مسلسل “تخت شرقي”، وأيضاً، نبيل شربجي, هيثم صعب, نايف سلوم, عبد المجيد تمر, أحمد شمام, الشَّاعر الشَّاب نصوح طيَّارة /19 عاماً/ , والكاتب حسين عيسو المعتَقَل منذ أيلول 2011 بعد مداهمة الأمن الجَّوي لمنزله في مدينة الحسكة، حيث قالت شقيقته لـ”جسر إن “منزل عيسو كان قد تحوَّل إلى منتدى اجتماعي ثقافي, يؤمه جميع شباب المدينة من كافة الأطياف، وفي بداية الثورة اعتقل حسين بعد اعتصام نفَّذه مع العشرات من شباب المدينة, أمام القصر العدلي, للمطالبة بالإفراج عن بعض زملائهم المعتقلين، إلا أن عناصر الأمن الذين فضوا الاعتصام، اصطحبوا معهم حسين إلى المعتقل أيضاً”.
وهناك مجموعة كبيرة من المدونين الشَّباب اعتقلوا وتعرضوا للتعذيب الشديد قبل وأثناء الثورة, ربما كانت المدوِّنة طل الملوحي أحد أبرز هؤلاء.
“رابطة الكُتَّاب السوريين”
الدَّعوة لتأسيس “رابطة الكتاب السوريين” جاءت كنتيجة لدعوة تبناها سبعة مثقفين سوريين وهم “صادق جلال العظم, نوري الجرَّاح , ياسين الحاج صالح, حسام الدين محمد, فرج بيرقدار, خلدون الشَّمعة، ومفيد نجم”، واعتبر كلّ الَّذين انتسبوا للرَّابطة, وعددهم أكثر من مئتين, أعضاء مؤسِّسين.
وكان الشاعر نوري الجراح قد أكَّد أنَّ تأسيس هذه الرابطة يدل على تعددية خصبة تعكس المكونات الأساسية للمجتمع السوري, من عناصر فكرية وإثنيَّة ودينيَّة وحزبيَّة, بحيث تجاوزتْ, وللمرة الأولى ربما, أحادية الاتحادات الحزبية ذات الصوت الواحد.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق