جسر تتهم: طيران التحالف الدولي هو من قتل آل الفريجي في بلدة “الشعفة”!

 

فريق التحقيقات في صحيفة “جسر”

بعيد الساعة الخامسة من فجر يوم الاثنين، الخامس عشر من نيسان الجاري، استفاق أهالي بلدة الشعفة، في ريف دير الزور الشرقي، على دوي انفجار ضخم، تبين أنه حدث في الطابق العلوي من منزل المدني علي محمد الفريجي، المؤلف من دورين، وقتل جراؤه صاحب المنزل وزوجتيه، واجمع شهود العيان على كونه قصف من طيران أميركي غالباً، وهو واحد من سلسلة استهدافات للمدنيين، نفذها الطيران الأميركي ضمن عمليات التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.

فريق التحقيقات في صحيفة “جسر”، أجرت استقصاء أولياً في الحادث، وتحققت من صحة هذا الادعاء وفق المعطيات العامة والأولية.

(علي الفريجي)

الضحايا مدنيون لا علاقة لهم بأي من أطراف الصراع

تقع بلدة الشعفة إلى الغرب من قرية الباغوز التي أضحت مشهورة كآخر معاقل داعش، وتفصلها عنها بلدة صغيرة تدعى البوبدران، وقد تم تحريرها في الشهر الأول من هذه السنة من قبضة التنظيم، بعد أن هجرها كافة سكانها تحاشيا للقصف العنيف والعمليات العسكرية. وبعد الإعلان عن تحرير الباغوز في آذار الماضي، وانتهاء تنظيم داعش، بدأ أهالي الشعفة بالعودة إلى مساكنهم.

علي محمد الفريجي وهو أحد أبناء البلدة، يبغ الـ٥٥ من العمر عند مقتله، يعمل منذ سنة ١٩٩٤كمقاول في الكويت، ويعيش فيها مثل عدد كبير من أهالي البلدة، ويزور مسقط رأسه بين الفينة والأخرى، حيث بنى لنفسه بيتاً فيها، وله ولدين شابين، حسين ٢٨ سنة، ومحمد ٢٤ سنة.

وله ابنة شابة وطفلين آخرين، وعدد من الأحفاد.  وزوجتين هما زهرة الخليف الحمد الفريجي ٤٦ سنة، وسناء المشعل الفريجي ٣٧ سنة.

يمتلك الفريجي منزلاً في دمشق، وصارت رحلاته إلى سوريا تقتصر على مكوثه لأسبوع أو أكثر هناك والعودة إلى الكويت. ووفق ما أكدت شقيقته التي تحدثت إلى جسر فأن الفريجي وعائلته لم يكن لهم أي علاقة بأي من أطراف الصراع، سواء كان داعش أو غيره، وأنه يسعى منذ عقود وراء رزقه في الكويت، وليلة قتل هي ليلته الأولى في المنطقة، بل أنه كان يفكر بالمبيت في منزلها تلك الليلة بسبب عدم وجود فراش مناسب في منزله، لكن تعطل سيارته حال دون ذلك.

المنزل كان خالياً من أي متفجرات

يؤكد السيد هشام خلف الفريجي، وهو يشرف على فريق هندسي لتفكيك الألغام، وشقيق إحدى زوجتيه، أن منزل علي الفريجي كان خالياً تماماً من الألغام أو المتفجرات، وقد أشرف بنفسه على فحصه وتنظيفه، فقد تواصل معه المتوفي علي، وطلب منه فحص بيته لنيته العودة إليه، وقد فعل هشام ذلك مع فريقه، ثم سلمه لأقارب علي المقيمين في الشعفة لتنظيفه بالمياه، واستمرت عمليات التنظيف و”الشطف” بالمياه لمدة خمسة أيام، ولو وجد أي نوع من أنواع الألغام لتم اكتشافه، فالمنزل كان عبارة عن جدران عارية لا يمكن ان تخفي شيئاً، بل أن الطابق العلوي الذي حدث فيه الانفجار، لم يكن فيه، وفق هشام، سوى سجادة واحدة.

 

جاره: سمعت صوت انفجار وأصوات طيران

محمد خليف الفرحان البرغوث، جاره، قال لجسر: “كنت نائماً فوق سطح منزلي الذي يبعد عن منزل الفريجي نحو مئة متر، وعند الساعة الخامسة وعشرين دقيقة من فجر يوم الاثنين، أيقظني صوت انفجار قوي، لم أكن أر أي شيء بسبب الغبار، وسمعت صوت الطيران في الأجواء، توجهت أنا وابنائي إلى المكان ورحنا نبحث عن الضحايا، استغرق الأمر ثلاث ساعات، ووجدنا التالي: امرأة متفحمة، وأخرى مقطوعة الراس، هما زوجتا الفريجي، الذي وجدنا جثته على بعد نحو ٢٠ متراً من المنزل، مقذوفاً بسبب شدة الإنفجار.

 

قوات سوريا الديمقراطية كانت تعرف

المشرف على فريق نزع الألغام، هشام الفريجي، قال إنه لدى مروره على حاجز لقوات سوريا الديمقراطية في ذلك النهار الذي سبق ليلة القصف، طلب منه المسؤول عن الحاجز ويدعى “قناص”، أن يطلب من المدنيين الذين يعيشون في المنطقة التي شهدت الانفجار مغادرتها، لأن شيئاً لا يخطر ببالهم سيقع. ويقول هشام أنه ابلغ المسؤول بعدم قدرته على اخلاء المدنيين لأنه ليس لديه السلطة ولا الصلاحيات لطلب ذلك منهم، ثم انهم أين سيذهبون عندما يغادرون منازلهم وليس هناك مأوى بديل؟

 

الطيران الاميركي في الأجواء تلك الليلة:

أفادت عدة مصادر من بلدة الشعفة، مثل خبير المتفجرات هشام، بأن نهار ذلك اليوم شهد تحليق لطائرات استطلاع دون طيار، من النوع الذي كانت تستخدمه قوات التحالف إبان معركة الباغوز. كما أن مراسل جسر في القامشلي “عبد الله العلي” قد أرسل لإدارة الصحيفة في تلك الليلة، وفي الساعة الواحدة و١٤ دقيقة فجراً، بتوقيت سوريا، تقريراً يفيد بتحليق مكثف لطيران حربي مجهول فوق مدينة القامشلي، لأكثر من نصف ساعة، وتسمع اصواتها بوضوح في معظم مناطق القامشلي وخصوصا في الريف الجنوبي والشرقي من مدينة القامشلي. والتحليق في هذه المنطقة هو حصري لطيران التحالف إذا لم يسجل قبل ذلك تحليق لطيران تابع لطرف آخر، لأن المنطقة منطقة عمليات مكثفة لقوات التحالف ضد داعش، ومن المعروف أنه في حال تحليق طيران التحالف في منطقة ما، فإن الأجواء تكون مراقبة بدقة، الأمر الذي يعني أن قيادة التحالف تعرف بل شك هوية الطائرة التي نفذت العملية.

 

تحليل الصور:

عرضت جسر صور المنزل المستهدف التي حصلت عليها على خبير عسكري، فأفاد بما يلي: “يشير انسحاب الجدران إلى الخارج إلى انفجار داخل الحجرة أو قنبلة فراغية، والحريق في داخلها يؤكد أن انفجاراً حصل في الداخل، إلا أن وجود فتحة في السقف العلوي وفتحة أقل حجماً مناظرة لها في السقف السفلي يشير إلى مقذوف براس خارق هبط من الأعلى نحو الأسفل، واخترق السقف الأول ثم انفجر، وهذا يعني بالمحصلة أن المنزل على الأرجح أصيب بمقذوف طائرة أو مدفعية، اخترق السطح الأول وانفجر في الطابق العلوي، وهو نوع شديد الانفجار، وينبغي تحليل الرماد المتبقي على السقف والجدران، أو إيجاد جزء من شظايا القذيفة أو الصاروخ لتحديد نوعه بدقة”.

ليست الحادثة الأولى..  

اسفرت التحقيقات في الكثير من حوادث الاستهداف السابقة عن إقرار قيادة عمليات التحالف بالاستهداف الخاطئ لمدنيين، وعمدت قوات التَّحالف الدولي إلى نشر تقارير شهرية تستعرض فيها الهجمات، التي تسبَّبت في وقـوع ضحايا مدنيين،وفي شـباط/ 2019 نشـرت تقريرهـا الأخـر، الـذي أفاد عن مقتـل ما لا يقـل عن 1257 مدنيـً في هجمات نَّفذتها قواتالتَّحالف الدولي في كل من سـوريا والعراق. و قد اعترفت قوات التَّحالف الـدولي بــ 119َهجوماً تسـبَّبت في وقوع ضحايا مدنيـين في سـوريا لوحدهـا، منهـا 31 هجومـاً أَّدى إلى مجـزرة، في حـين أن َفريق الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد وثق مالا يقل عن172مجزرة في الفترة ذاتها.

“جسر” تقصت مجزرتين من تلك المجازر أيضاً وتحدثت إلى ذوي الضحايا، وحصلت على بياناتهم كاملة، وتحتفظ بمعلومات كاملة وبشهادات شهود عيان عليها أيضاً، والحادثتين هما:

مقتل ١٤ فرداً من عائلة سليمان محمد عبيد، معظمهم أطفال، في الشعفة، يوم الخميس ٣ يناير ٢٠١٩، بقصف من الطيران الأمريكي. ومقتل ١٢ شخص من عائلة الكدران لدى محاولتهم الفرار من الباغوز يوم ٢٩ يناير ٢٠١٩، بينهم خمسة أطفال وثلاث نساء.

 

استنتاجات وترجيحات:

إن تحقيقاً صحفياً، مهما بلغ من المهنية والاحتراف، لا يمكنه التوصل لنتائج جازمة في حوادث من هذا النوع، لكننا وفقاً للمعطيات السابقة “نرجح” وقوع جريمة بحق عائلة الفريجي بناء على المعطيات المبررة سابقاً التالية:

١-لم يكن للسيد علي الفريجي وأسرته علاقة بتنظيم داعش أو سواه، وبالتالي لا يمكن أن يكون قد تم استهدافه عند مزاولة عمل عدائي أو التحضير له، خاصة أنه كان قد وصل قبل يوم واحد إلى المنطقة، وإنه يقطن بين اسرته وأطفاله، ولم يعرف عنه أي ارتباط سابق مع أي جهة مقاتلة أو متطرفة، كما أن ذلك ينفي احتمالية أن يكون هو أو احد أفراد اسرته قد أحضر أو خزن مواد متفجرة في المنزل.

٢- لا يوجد ما يثبت أو يشير إلى وجود متطرفين آخرين في المنزل لحظة وقوع الهجوم، إذ لم يعثر سوى على الجثث الثلاث للعائلة.

٣- نفى خبير الألغام الذي فتش المنزل أي احتمالية لوجود لغم أو متفجرات من مخلفات داعش في المنزل مزروعة مسبقاً.

٤-الضربة التي تعرض لها المنزل وفق معظم الشهادات ترجح أنها نفذت بطائرات، والطائرات الوحيدة التي تحلق في المنطقة هي طائرات أميركية، أو أن القوات الاميركية تستطيع تحديد الجهة التي استعملت الأجواء في ذلك الوقت، بوصفها الطرف المسيطر، أو سلطة الأمر الواقع في المنطقة.

ولعدم وجود منظمات مهتمة بمتابعة هذه القضية، وعدم قدرة ذوي الضحايا على الوصول إلى مؤسسات العدالة في الولايات المتحدة أو سواها، وخشية ضياع الأدلة، فإن “جسر” تطالب ببدء تحقيق عاجل في هذه القضية بأسرع وقت ممكن، وتضع المنظمات والجهات المعنية أمام واجباتها، من أجل حفظ حق الضحايا وذويهم بمعرفة الجهة التي تسببت بقتلهم، وتقديم التعويض المعنوي والمادي المترتب على ذلك.

(أحد أحفاد علي الفريجي، غادر الدور العلوي قبل عشر دقائق من قصفه إلى الدور السفلي ونجا)

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق