البوكمال: ما الذي يُخيف المليشيات الإيرانية؟

محمد الخلف

يتصاعد توتر المليشيات الايرانية في مدينة البوكمال، وتُشير تصرفات قادتها وعناصرها مع المجتمع المحلي، إلى مقدار قلقها من المحيط العدائي الذي تسبح فيه بعدما باتت شبه معزولة.
قبل يومين، طلبت المليشيات الإيرانية من أهالي مدينة البوكمال التجمع لمشاهدة عملية اعدام من قالت إنه “يتواصل” مع “داعش”، ونصبت منصة عالية في حي السكري، مثل تلك التي تُشاهدُ عادة في ايران عند اعدام المعارضين السياسيين. المليشيات شنقت شخصاً مجهول الهوية، وسط تكبير وصراخ عناصرها. وبدا على العناصر مظاهر الرعب، أكثر من السكان المحليين، رغم أن المقصود كان ترهيب الأهالي، وفق ما روى لـ”المدن” أحد شهود العيان.

وكان ثلاثة من قادة المليشيات الايرانية قد تعرضوا للاغتيال، خلال الأسبوعين الماضيين، في البوكمال، على يد مجهولين بطريقة غامضة. كما انفجرت عبوة ناسفة بسيارة للمليشيا في حي السويعية، فقُتِلَ 4 عناصر منها.

وبعد مواجهات رافقت إنزال المليشيات الإيرانية لعلم النظام عن سارية منصوبة في ساحة المدينة الرئيسية، طردت المليشيات “وحدات الدفاع الوطني” ونصبت حواجز على مداخل البوكمال، للسيطرة على كافة التحركات في المدينة، وملاحقة عناصر مليشيات النظام.

المليشيات الايرانية اعتقلت نحو 60 عنصراً من “الدفاع الوطني” من البوكمال والميادين والعشارة وصبيخان والقورية، لدى دخولهم المدينة، للاشتباه بصلتهم بالاعمال العدائية ضد الوجود الايراني.

وتسيطر حالياً على المدينة مليشيا “الحرس الثوري” ومجموعات عراقية وأفغانية تدور في فلكها.

تلك الاجراءات لم تطمئن جنود قاسم سليماني، فعمدوا إلى نشر كاميرات مراقبة نهارية وليلية في مناطق سيطرتهم، خاصة في الشوارع الرئيسية وقرب مقراتهم التي منعوا التصوير في محيطها بأي شكل مهددين بإعدام أي شخص يحاول ذلك. وباتت المليشيا تُفتش الهواتف المحمولة لمن يمر على حواجزها، للتأكد من عدم وجود صور لمقراتها.

مكتسبات غير مستقرة

إلى ذلك، شنّ مسلحون، ليل الاثنين/الثلاثاء، هجوماً على مزار “عين علي” في القورية القريبة من البوكمال، ولم تُعرف نتائج الهجوم حتى اللحظة بسبب التكتم الشديد.

واتخذه الايرانيون والعراقيون مزار “عين علي” منطلقاً للتبشير الشيعي في المنطقة، وباتت ترتاده بشكل متزايد أفواج من “الحجاج” الايرانيين، الذين يقدمون هبات وأعطيات على شكل اعانات غذائية للمتشييعين الجدد. وهذا هو الأسلوب الإيراني المتبع حالياً لكسب المزيد من الاتباع الموثوقين. وتبدو هذه المساعي غير ذات جدوى في الوقت الراهن. فالبيئة غير آمنة، ومعظم المتشيعين هم إما خصوم يتخفون بالولاء الديني، أو مرتزقة ليس لهم وزن اجتماعي، من المعزولين والمهددين بالقتل بشكل دائم.

مع ذلك لا يبدو أن طهران بصدد التخلي عن هدفها بجعل البوكمال همزة وصل بين مناطق نفوذها في العراق وتلك في سوريا ولبنان. فقد سبق وأعطت طهران مهلة شهرين للمدنيين الذين غادروا البوكمال للعودة إلى بيوتهم، وإلا فإنها ستضع يدها على مساكنهم. وبعد انقضاء تلك المدة، استولت المليشيات بالفعل على عدد كبير من البيوت، وجلب المقاتلون عائلاتهم وأسكنوها. ويتحدث أهالي المدينة عن توطين عائلات ليس لديها مقاتلون، مع رواتب وميزات مغريّة، بهدف تغيير الطبيعة الديموغرافية للمدينة التي هجرها نحو 60% من سكانها، عقب سيطرة تلك الميلشيات عليها.

أوضاع مزرية

يعاني السكان الأصليون للمدينة، من ضيق شديد في الموارد، وارتفاع أسعار السلع والمواد الاستهلاكية. كافة البضائع المسموح بادخالها هي إيرانية المصدر، تأتي من العراق. وتندر في البوكمال البضائع ذات المنشأ السوري. وترتفع أسعار المحروقات إلى الضعف أو أكثر مقارنة بأسعارها على الضفة الأخرى من نهر الفرات التي تسيطر عليها “قوات سوريا الديموقراطية. ويبلغ سعر ليتر المازوت في البوكمال 250 ليرة سورية، بينما لا يتجاوز 140 في منطقة سيطرة “قسد”، ويزيد سعر ليتر البنزين عن 400 ليرة بينما لا يتجاوز سعره الـ200 في مناطق “قسد”.

وقد أرغمت هذه الأوضاع عدداً من سكان المدينة على بيع جزء من عقاراتهم للإيرانيين، الذين يدفعون بسخاء رغم أنهم وحدهم من يشتري العقارات في البوكمال.

ولجأ عدد من شبان المدينة إلى التطوع في صفوف المليشيا، بشرط تشيّيعهم، ليحصلوا بالمقابل على راتب يبلغ 700 دولار شهرياً. راتب خيالي إذا ما قورن برواتب “الدفاع الوطني” التي تتراوح بين 100 و150 دولاراً شهرياً.

التلويح باجتياح “قسد” للبوكمال

من ناحية أخرى، تزداد مخاوف المدنيين والميلشيات الايرانية على حدّ سواء، من عملية وشيكة لـ”قسد” بهدف الاستيلاء على البوكمال، بدعم من قوات “التحالف الدولي”. وتزداد المؤشرات على تلك الإمكانية منذ أن أدرجت الولايات المتحدة “الحرس الثوري” الايراني على لائحة المجموعات الإرهابية، ما يُشرعن عملية استهدافه. وازدادت الشكوك مع انسحاب مليشيات النظام من المدينة وجوارها، بعدما تركت مهمة الأمن فيها لمجموعتين من أبناء المدينة؛ 120 عنصراً من “الدفاع الوطني”، و50 من “اللجان الشعبية”.

ايران عززت حضورها في البوكمال، وبات لديها نحو 400 مقاتل؛ 250 منهم من “الحرس الثوري”، و100 من المليشيات العراقية، ونحو 50 مقاتلاً أفغانياً.

القوة الروسية في المدينة، والبالغة نحو 40 عنصراً من الشرطة العسكرية، فتلتزم مقرها عند جسر البوكمال، ولا تتدخل في أي حدث، بما فيها الاشتباكات الأخيرة.

مصدر قلق إيراني

المليشيات الايرانية، ورغم دعوتها لعودة النازحين، إلا أنها تنظر إلى أعداد العائدين المتزايدة، بقلق شديد. وعدا أن ذلك يعيق سياستها بالتغيير الديموغرافي للمدينة الحدودية المهمة، فإنه يجلب إليها المزيد من الاعداء المحتملين، بعدما تكشف لها حجم الرفض الشعبي لوجودها هناك، ومقدار صعوبة وتعقد مهمة رجال قاسم سليماني التي تبدو مغامرة غير واقعية، ومحكومة بالانهيار الكامل، لدى أي تغيّر في موازين القوى أو خريطتها.

 المصدر: المدن ١٣ حزيران/يونيو ٢٠١٩

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النص محمي !!
إغلاق