تركيا رفضت مقترح الهدنة الروسية واشترطت انسحاب ميليشيات النظام من المناطق التي سيطرت عليها مؤخرا

منهل باريش

عملت “القدس العربي” من مصادر عسكرية مقربة من مسؤولي الملف السوري في أنقرة، أن تركيا رفضت مقترح الهدنة الروسية في 12 حزيران (يونيو) واشترطت انسحاب قوات النظام والميليشيات الروسية إلى ما قبل خط 2 أيار (مايو) الذي بدأت فيه روسيا بعملية قضم لريف حماة الشمالي دون الرجوع إلى فصائل المعارضة السورية لإدراكها استحالة فرض الهدنة ورغبة منها بالتمسك بالتفاهمات القديمة حول حدود منطقة “خفض التصعيد” الرابعة.

أنهت الحملة المشتركة بين روسيا والنظام في شمال غرب سوريا أسبوعها السادس على التوالي دون توقف. وتمكنت خلالها فصائل المعارضة السورية من تغيير مجريات الأمور بشكل لافت إثر صمود لم يتوقعه أحد من المراقبين أو المهتمين في الشأن السوري.

وبعد 45 يوما من الكر والفر وتناوب السيطرة غرب اللطامنة وكفرزيتا في تل ملح والجُبين وتمكن المقاتلين من تثبيت نقاط دفاع فيها من جهة، وفشل ميليشيات النظام من إحراز خرق في الكركات شمال قلعة المضيق ونجاح فصائل “الجبهة الوطنية” في وقف قضم “قوات النمر” لمزيد من الأراضي في سهل الغاب، وفشلت قوات النخبة أو ما يسمى “قوات الغيث” بقيادة العميد غياث دلة والتي تتبع لـ “الفرقة الرابعة” التي يقودها ماهر الأسد من التقدم شبراً واحداً في “تل الكبانة” في جبل الأكراد، يمكن القول إن روسيا فشلت في تحقيق أهداف العملية المعلنة بإنهاء تهديد قاعدة حميميم العسكرية الروسية حسب ما ذكر الناطق باسم الكرملين تعليقا على الإتصال بين الرئيسين بوتين واردوغان منتصف شهر أيار (مايو) الماضي. وفشلت في تأمين خواصرها الرخوة في الغاب والسقيلبية ومحردة أيضاً، على العكس فإن الإلتفاف على “قوات النمر” التي يقودها طفل حميميم المدلل العميد سهيل الحسن، ولواء القدس الفلسطيني وميليشيا الدفاع الوطني و “الفيلق الخامس-اقتحام” من الخلف وتوسيع الهجوم باتجاه القرى العلوية يعني عمليا تهديد استعادة السيطرة على أكثر من نصف المساحة التي تقدمت عليها الميلشيات في الأسبوع الأول للمعركة.

إن الفشل في تحقيق نصر متواضع في شمال غرب سوريا يحصر الخيارات الروسية في أمرين للخروج من مأزقها في حال أرادت تغيير المعادلة في منطقة خفض التصعيد الرابعة:

الخيار الأول هو اللجوء إلى إيران لتزج بميليشياتها المحلية والشيعية والأجنبية في سوريا كاملة إلى جانب الميليشيات المذكورة أعلاه وفتح محاور هجوم جديدة خصوصا في ريف حلب الجنوبي أو في منطقة مورك ومعرزاف في ريف حماة الشمالي وهو ما يشتت القوة الفعلية لفصائل المعارضة ويضعف الصد الحاصل في جبهات القصابية وميدان غزال والكركات وسهل الغاب، حيث تتركز القدرات العسكرية الكبرى للفصائل هناك بعد أن نقلت أغلب عتادها من الشمال لمواجهة الهجوم الروسي، وهو ما سيسهل الهجوم الإيراني إن اقنعتها روسيا على المشاركة. ولكن هذا الأمر سيصطدم برغبة طهران بالحفاظ على العلاقة مع أنقرة وعدم زيادة المشاكل معها كونها أحد البوابات الرئيسية للتهرب من العقوبات وبسبب الموقف التركي الرافض للعقوبات الأمريكية على إيران. إضافة إلى أن إيران لا ترغب في تشتيت تركيزها على التطورات الحاصلة في الخليج العربي والتوتر مع أمريكا والدول العربية، فخسارة تركيا مقابل إدلب هو أمر مستغرب في الوقت الحالي.

الخيار الثاني أمام روسيا هو التفاوض مع تركيا ووقف الهجوم الحاصل في ريف حماة الشمالي وريف اللاذقية وضمان أمن مطار حميميم وإلزام تركيا مجددا بتنفيذ اتفاق شوتسي بينهما الذي وقع في أيلول (سبتمبر) 2018 وإعادة تفعيله من جديد. وتبقى الأراضي التي سيطر عليها محور النظام عقدة الاتفاق أو محاولة احيائه مرة أخرة.

بعيدا عن الخيارين أعلاه فإن روسيا ستستمر في الهجوم الجوي على منطقة خفض التصعيد ومحاولة قضم بطيء وهو ما بدأته مطلع أيار (مايو) الماضي ويعتبر هذا الخيار مكلفا للغاية بل أنه أصبح دون جدوى بعد انكسار الميليشيات الروسية وخصوصا قوات النمر التي خسرت قوات نخبتها في الكركات شمال قلعة المضيق بسبب فشل محاولات الاقتحام المتكررة التي بلغت 40 محاولة والهجوم العنيف لجيش العزة وهيئة “تحرير الشام” ما يعني صعوبة بالغة في إمكانية قضم جديد.

وتشير التصريحات المتضاربة بين وزارة الدفاع الروسية ونظيرتها التركية حول مشاركة الأخيرة أربع إحداثيات لمواقع مختلفة لقوات المعارضة في إدلب. حيث قالت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها الفضائية قامت بقصف “أربع أهداف نتيجة لذلك تم القضاء على تجمعات كبيرة من المسلحين ومواقع للمدفعية الميدانية”. وأضاف البيان الذي أصدرته الوزارة في 13 حزيران (يونيو) ونشرته وكالة “سبوتنيك” إعلان هدنة في منطقة خفض التصعيد الرابعة منتصف ليل الأربعاء. واتهم البيان من وصفتهم بـ”التنظيمات الإرهابية” برفض سريان “نظام الهدوء” واستمرارهم بإطلاق قذائف المدفعية. واتهمت فصائل المعارضة باستهداف نقطة المراقبة في شير مغار ليل الخميس: “في ليلة 13 يونيو 2019 أطلق الإرهابيون النار من المدفعية على نقطة مراقبة تابعة للجيش التركي موجودة في منطقة جبل زاوية في محافظة إدلب”.

فيما نفت وزارة الدفاع التركية الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام الروسية وقال البيان “الخبر الذي تداولته بعض وسائل الإعلام بخصوص قصف القوات الجوية الروسية، بناء على الإحداثيات التي تقدمها تركيا، مواقع الإرهابيين الذين يشنون هجمات على نقاط المراقبة التركية، هو خبر عار عن الصحة” حسب ما نقلت وكالة “الأناضول” التركية. وأشارت وزارة الدفاع التركية إلى أن القوات السورية أطلقت عمدا 35 قذيفة على النقطة، ما أدى إلى إصابة 3 جنود أتراك بجروح خفيفة وإلحاق أضرار مادية، وذلك عقب إعلان وقف إطلاق النار برعاية روسيا وتركيا في المحافظة. إلى ذلك تجنب الناطق باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن اتهام روسيا بالتصعيد الحاصل في إدلب قائلاً “تواصلنا مع روسيا بخصوص إنهاء النظام السوري هجماته التي ينفذها عمدا بهدف استفزاز تركيا وتعزيز مواقعه في المنطقة”.

على الصعيد الإنساني تفاقمت الكارثة الإنسانية وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة الخميس: “لقد فر أكثر من 300 ألف شخص نحو الحدود مع تركيا، وأصبحت مخيمات النازحين مكتظة، وأجبر الكثير على البقاء في الحقول المفتوحة أو تحت الأشجار”. وأن القصف والعمليات العسكرية أدت إلى مقتل “ما لا يقل عن 231 مدنيا، بينهم 69 امرأة و81 طفلا، منذ 29 نيسان (أبريل) الماضي”.

وأضاف المتحدث الأممي “ما زلنا نشعر بالقلق من التأثير الإنساني الواسع للأعمال العدائية الحاصلة في منطقة التصعيد في شمال غرب سوريا، وخاصة في شمال حماة وجنوب إدلب”. ودعا دوجاريك “جميع الأطراف إلى الإلتزام التام بترتيبات وقف إطلاق النار المتفق عليه بين روسيا وتركيا في أيلول/سبتمبر 2018”.

وتخالف المنظمات المحلية السورية تقديرات الأمم المتحدة حول أعداد النازحين، إذ أحصت منظمة “منسقو الإستجابة في سوريا” أعداد النازحين منذ ارتفاع حدة خروقات اتفاق سوتشي بأكثر من 530 ألف نازح ومن المتوقع تزايد أعدادهم في حال استمرار القصف الروسي وارتفاع حدة المعارك.

عسكريا، خسرت هيئة تحرير الشام سيطرتها على بلدة الجلمة الاستراتجية والتي تعتبر بوابة السيطرة على كرناز وكفرنبودة، فيما ثبت جيش العزة مواقعه في جيب تل ملح الجبين بشكل جيد، وتمكن مقاتلو الجيش خلال ذلك من صد الهجمات المعاكسة لقوات النمر التي حاولت استعادة السيطرة عليهما وفتح طريق محردة-سقيلبية وطرد شبح الوصول إلى القرى العلوية التي يبدأ انتشارها على بعد كيلومترات قليلة.

في الجهة الغربية على حدود محافظة اللاذقية، تكبدت قوات العميد غياث دلة التابعة للفرقة الرابعة-قوات خاصة مزيداً من القتلى على جبهة تل الكبانة آخر التلال الاستراتيجية التي حافظت عليها فصائل المعارضة بعد هزيمتها في ريف اللاذقية عام 2016. وقامت قوات الغيث في الفرقة الرابعة بشن أكثر من 70 هجوما خلال 45 يوماً. ويذكر أن القوة الضاربة في تل الكبانة هو الحزب الإسلامي التركستاني إضافة إلى “العصائب الحمراء” القوة الضاربة في الذراع العسكري لتحرير الشام.

وعزز صمود الفصائل العسكرية في ريف حماة الشمالي من فرضية مقدرة مجابهة القصف الروسي في إدلب لعدة أسباب أبرزها غياب الدور الإيراني وإمكانية هروب جماعي للمدنيين إلى الشمال وهو ما يعني أن معطيات الشمال السوري مختلف عن ريف حمص والغوطة المحاصرين وشكل فيهما المدنيون عاملا ضاغطا بشكل كبير للغاية على الفصائل التي حاولت المقاومة. لكن ذاك بلا شك ما كان يحصل دون الدعم السياسي والعسكري التركي لفصائل المعارضة الذي تأخر قليلا في بداية الهجوم، لكن وصوله ولو متأخرا بعض الشيء ساعد في تماسك الجبهات والتحام الفصائل المتخالفة في وجه الهجوم الروسي.

المصدر: القدس العربي ١٨ حزيران/ يونيو ٢٠١٩

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق