جيل الشبان الذين لم يعرفوا سوى الحرب.. مخاطر بدأت بالبروز

ريهام منصور

اصيب أهالي ريف حلب الشمالي بالصدمة عندما قتل صراف على أحد الطرق العامة بطريقة بشعة، لكن صدمتهم كانت أشد عندما تبين أن الجناة مجموعة شبان لا يتجاوز عمر أكبرهم الخامسة والعشرين سنة، وأنهم “مقاتلون” على رأس عملهم في الجيش الوطني، وقد عادوا للتو من مهمة في معارك ضد قوات نظام الأسد في ادلب، الأمر الذي فتح الباب للتساؤل بشكل جدي عن مصير هذه الكتلة الشابة التي تقدر بعشرات الآلاف من الذين نشأوا في سنوات الحرب الطويلة، ولم تتعلم ولم تختبر سوى العنف والموت والدمار، وعن مصيرهم ومستقبل مجتمعاتهم، خاصة في اليوم الذي سيتوقف فيه القتال، إذ ما الذي سيفعله هؤلاء؟!   

حمل سلاحاً ليُقتل 

في حادثة حلب، قامت العصابة المكونة من خمسة مقاتلين بمهاجمة سيارة لرجلين يعملان في مجال الصرافة وبحوزتهما خمسين مليون ليرة سورية، قتل أحد الرجلين وأصيب آخر. وبحسب مراسل “جسر” في ريف حلب، فقد تم تعميم نوع سيارة العصابة على كافة حواجز الجيش الوطني، وكانت العصابة قد وضعت على سيارتها شعار يثبت انتسابها لذلك الجيش، اكتشفت السيارة وطوردت شمال قرية احتميلات، وقاوم افراد العصابة الدوريات بعنف، حتى قتل (محمد.ق) من مواليد ١٩٩٤، وألقي القبض على كل من (عبد القادر ج. ف) من مواليد عام ١٩٩٦، فيما تمكن ثلاثة من أفراد العصابة الفرار عبر  الأراضي الزراعية، ولا يزال البحث عنهم جارياً.  ويعتقد ان التحقيقات ستكشف عن جرائم أخرى، التي لم يتم تحديد الجناة فيها، قامت بها هذه المجموعة، أو مجموعات أخرى من المقاتلين السابقين أو الذين مازالوا على رأس عملهم.

الظاهرة أيضا ليست محدودة بمكان واحد، فهي تمتد إلى أقصى جنوب سوريا، إذا اكتشفت في وقت سابق عصابة من مقاتلين في الجيش الحر قامت باعمال خطف وسلب، وانكشف أمرها عند خطف طفل وطلب فدية من ذوويه قدرها مليون دولار، لكن تم تحرير الطفل والقاء القبض على أحد الخاطفين، فيما فرّ الآخر.  

جيل ضائع

عبد الجليل العمر أحد سكان ريف حلب ممن عاصروا الثورة السورية في كافة مراحلها، اعتبر أن أغلب جيل الشبان الي كانوا في سن المراهقة عند اندلاع الثورة، فقدوا فرصتهم في التعليم  المدرسي أو حتى تعلم حرفة، يقول “عندما استقرت الاوضاع في في ريف حلب الشمالي منذ ثلاث سنوات بعد تحريرها من داعش، بدأ هؤلاء الشبان بالبحث عن عمل، وأغلبهم ممن فقدوا أهاليهم أو اعتقلوا، أو ممن تركوا عائلاتهم في ريف دمشق أو المنطقة الشرقية ونزحوا إلى الشمال خوفاً من الانخراط في خدمة العلم، لكن تردي الأوضاع الاقتصادية العامة حال دون ذلك، فانضموا إلى صفوف الجيش الوطني وغيره من الفصائل المقاتلة بغية الحصول على راتب شهري يقدر بمئة دولار، لكن حمل السلاح وحياة القتال التي تعرفوا عليها، غيرتهم كلياً، إذا خلق لديهم شعور بالسلطة والنفوذ، وفتح لهم باب التطلعات غير المشروعة والمرتبطة بالعنف، وترك الفصائل المقاتلة، وتحول إلى العمل في عصابات السرقة والسلب، لكن بعضهم الآخر بقي في صقوف الجيش الحر ليقوموا بأعمال سلب وخطف وقتل مستفيدين من الحماية والحصانة التي يوفرها لهم”. وينهي العمر حديثه بأسف قائلاً “ثمة جيل كامل يضيع“.

تجربة لبنانية فاشلة

قد لا تتوفر احصائيات وأرقام عن هؤلاء الشبان تمنح تصوراً لما سيكون عليه الحال بعد سنوات، إلا أن تجارب دول شقيقة توضح حجم المشكلة التي سيشكلها هؤلاء الذين انخرطوا في الحرب في سن المراهقة، وما يمكن أن تؤول إليه أوضاعهم، فبعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي، اعتبرت الدولة اللبنانية أن المقاتل ينتقل من الأعمال الحربية إلى الحياة المدنية بشكل تلقائي وطبيعي، ولم يتم العمل على إعادة دمجه وتأهليه. لكن ذلك الانتقال لم يكن ممكناً للجميع، وبعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً تمكن البعض من تجاوز تلك المرحلة والعيش بشكل طبيعي لكن بدعم من الاهل والوسط الاجتماعي، أما الذين لم يتوفر لهم ذلك الدعم، وهم الاكثرية، وتشير دراسات المنظمات المعنية إلى أنهم كبروا وأنجبوا أطفالاً نقلوا حالة العدوانية والاستهتار بالقوانين واللجوء إلى العنف في بسط السيطرة إلى أجيال أخرى، أو أنهم ما زالوا يعيشون حالة من العدمية وفقدان الأمل في الحياة.

وبحسب الأمم المتحدة فإن عملية إعادة الدمج تتطلب ردحًا طويلا من الزمن، ولإعادة الدخول في المجتمع وبناء الحياة، وبشكل عام يعطى المقاتلين السابقين الحاصلين على وثائق إعادة الدمج حزمة منافع متوسطة، تتكون من التدريب المهني وبعثات تدريب وأراض وعمل في قوة الشرطة الجديدة أو قوات الأمن. لكن حتى لو منحت هذه الميزات، فغن نسبة لا بأس بها من المقاتلين السابقين سوف تجدها غير كافية لتلبية متطلبات عيشهم، مما يدفعهم للانضمام إلى العصابات وارتكاب الجرائم، وبالتالي حتى لو اعتبر المجتمع الدولي عملية نزع السلاح وإعادة الدمج ناجحة فالحقيقة إن واقع الحال بعد الحرب بعيد عن ذلك، ففي كافة المجتمعات التي شهدت حروباً، ارتفعت نسبة الجريمة بعيد الحرب بشكل كبير، وتشير دراسة قام بها البنك الدولي إلى أن ” الفقر المقترن بإجتثات سلطة المؤسسات التقليدية عادة ما يؤدي إلى الجريمة والفلتان الأمني. ويقوم الشبان الصغار العاطلين عن العمل والمسرحين الذين اعتادوا على العنف خلال الحرب، بتشكيل العصابات ويمكنهم أن يشكلوا تهديدا لأمن النساء والأطفال“.   

إعادة تأهيل المقاتلين في الحرب التي ليس لها طابعا دوليا

اعتبر محمد صبرا، الخبير القانوني والمعارض السوري، أن أهم التحديات التي تواجه المجتمعات بعد انتهاء الحروب الداخلية، هو كيفية التعامل مع من حملوا السلاح وشاركوا في عمليات القتال لصالح أحد أطراف النزاع، وفي الحالات المماثلة في الدول التي مرت بمرحلة عنف داخلي نجد أن هذا التحدي بحد ذاته كان أحد معايير الحكم على مدى نجاعة عملية السلام أو فشلها، مشدداً على ضرورة أن نزع السلاح في حال توقفت الحرب اليوم لن يكون كافياً،  ولا بد من إعادة دمج المقاتلين في الحياة المدنية وتقديم حوافز مادية ومعنوية لهم تمنع انزلاقهم للعنف مرة أخرى. ويميز “صبرا” بين مجموعتين من المقاتلين: مجموعة أولى من المقاتلين الذين اشتركوا في المعارك ومارسوا أفعالا عنفية ضمن مقتضيات العنف العسكري، ومجموعة ثانية قاتل افرادها وارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أو ارتكبوا انتهاكات فظيعة لقواعد الحرب . وأعتبر صبرا أنه من الممكن استيعاب الفئة الأولى ودمجها في المؤسسة العسكرية والأمنية في المرحلة التي تلحق اتفاق السلام بعد خضوعهم لدورات تأهيل فنية.  أما الفئة الثانية فيجب أن تخضع لبرامج العدالة الانتقالية والمحاسبة على الأفعال التي ارتكبوها، لكن وفق برامج عدالة خاصة تأخذ بعين الاعتبار الظروف التي ارتكبوا جرائمهم بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النص محمي !!
إغلاق