موقع اللاجئين السوريين في مفاوضات المنطقة الأمنة

بقلم المقدم عبدالله النّجار (ضابط منشق عن شعبة الأمن السّياسي)

أجزمُ يقيناً أن النظام السّوري حين استجلبَ حزب العمال الكردستاني PKK من قنديل بعيدَ انطلاقِ الثّورة ، ثمّ سلّمهُ الشريطَ الحدوديّ مع تركيا – وقد كنت شاهداً على ذلك – لم يكنْ يعلمُ أنّ السحرَ قد ينقلبُ على السّاحر ، فيعودَ السّهمُ في نَحرِ راميه ، ويتحولُ الأمرُ إلى قضيةِ أمنٍ قوميّ تركيّ ، تُقرّ الولايات المتحدة الأمريكيّة بأحقّيتهِ ، ثم تسعى للتفاوضِ مع الأتراكِ من أجل حلّه ، وتخفيفِ حدّته.

حلٌ يبدو أنه لايتعدى أحدَ خيارَين اثنين ، منطقةً أمنيّةً حسبَ الحاجةِ التّركيّة ، أو منطقةً آمنةً حسبَ العرضِ الأمريكيّ ، وهو مايعني في كلا الحالتين أنّ الأمانة التي سلّمها لن تعودَ إليه.

تريدُ الحكومة التركية منطقةً أمنيّة تخدمُ أمنها القومي ، وتبعدُ خطرَ العمال الكردستاني عن حدودها ، ويريد الأتراكُ – في حزب العمال الكردستاني- على الجانبِ الآخر منطقةً آمنةً ، تحميهم من أيّ هجومٍ تركيٍ محتمل ، وتوفرُ لهم فرصَ الاستقرار وبناء هياكلهم الإداريّة والسياسيّة الدائمة ، وتمنحهم اعترافاً بوجودهم ككيانٍ سياسي مَحميٍ باتّفاقاتٍ دولية ، تشهدُ عليها الولايات المتحدة كمرحلةٍ أولى ، يمكن أن تتطورَ لاحقاً إلى اعترافٍ دولي بحكمٍ ذاتيٍ أو إقليمٍ فدراليّ ، في خضم صراعٍ مجهول النهايات على الذّبيحة السوريّة.

أما السّوريون الذين ثاروا على نظام الأسد ، و تعرضوا للتهجير والنزوح عن مدنهم وقراهم ، والشّتات المُذلّ في بلدان و مخيمات اللّجوء ، فلم يسألهم أحدٌ عن رأيهم فيما يجري من مفاوضات ، وفيما إذا كان لهم مطلبٌ يجب أن يدرجَ في قائمة الشروط؟ في تجاهلٍ واضحٍ لأبرز حقوق الإنسان ، المتمثلة في ضمان حقّه بالعودة إلى موطنه أياً كانت الظروف ، من دون أن يتغيرَ مركزُه القانوني ، أو يسقطَ حقُه فيه كمالكٍ شرعيّ له.

باستثناء تركيا التي جعلت من إعادة اللاجئين هدفاً ثانياً بعد أمنها القوميّ ، وهو هدفٌ يدخلُ أيضاً في بوتقةِ الأمن القوميّ على المدى البعيد ، فإن الولايات المتحدة لم تتطرق إليهم لامن قريبٍ ولا من بعيدٍ ، كما خلتْ قائمة العمال الكردستاني من أية إشارة إليهم ، بل إن قادة الحزب أعلنوا مؤخراً أنهم ضدّ إعادة اللاجئين أو عودتهم ، للحفاظ على ديمغرافية المنطقة حسب زعمهم ، قبل أن يصفهم رئيسُ الفرع السوري للحزب “شاهوز حسن” بالمرتزقة المرتبطين بتركيا ، مايعني أنهم ليس في واردِ التفكيرِ بعودةٍ طبيعيةٍ للّاجئين ، الأمرُ الذي يتطلبُ ضغوطاً دوليةً وأمريكيةً ، تجبرُهم على الإذعان لذلك.

إن اللّاجئين السّوريين حول العالم ، الذين قاربَ عددُهم السّتةَ ملايين ، و يقيمُ أكثرُ من نصفهم في تركيا ، وينتمي جزءٌ كبيرٌ منهم ، مناطقياً إلى مدنٍ وقرىً تقع ضمن إطار المنطقةِ الآمنةِ /الأمنيّةِ المزمعِ إقامتُها ، من حقّهم أن يعودوا إلى ديارهم ، سواء سُئلوا أم لمْ يسألوا عن رأيهم ، وسواءً أشارت إليهم اتفاقاتُ المنطقة الآمنة أم تجاهلتهم.

كذلك فإن من حقّ أقرانِهم في إقليم كردستان العراق ، الذين يزيدُ عددُهم عن ربعِ مليون لاجئ ، وتنتمي أكثريتُهم الساحقةُ إلى المنطقة ذاتها ، أن يعودوا أيضاً إلى مدنهم وقراهم وأراضيهم.

بلْ من حقّ كلّ أهالي الرّقة وديرالزور والحسكة ، الذين تقعُ ديارُهم خارجَ المنطقة الآمنة العودةُ إلى أراضيهم أيضاً ، مادامت محميّةً بالطائرات والوجودِ الأمريكي هناك ، وأن النظام لن يتجرأ على مهاجمتها.

عودةُ اللّاجئين السّوريين من أبناء المحافظات الثلاث ، يجب أن تكونَ أولويةً في قائمة المفاوضات الجّارية بشأن المنطقة الآمنة ، وبضماناتٍ دولية.

قضيّة اللاجئين السّوريين باتت ملحةً أكثر من أي وقتٍ مضى ، وتأمينُ موطئ قدمٍ لهم على أرضهم باتَ أمراً ضرورياً جدّاً ، في ظل تغيّر مزاجِ الدول المضيفة تجاههم.

فالدولُ ليست جمعياتٌ خيرية ، والحكوماتُ ليست أبدية ، والمسؤولون المتعاطفون مع اللاجئين قد يحلّ مكانهم آخرون أقل تعاطفاً ، أو ربما آخرون غير متعاطفين أبداً.

إن عودة جزءٍ من اللاجئين تخفف الضغطَ الذي تتذرعُ به الدول المُضيفة ، وتفتح آفاقاً جديدة في مسيرة الثورة ، وربّما تعجّل في إنهاء النظام أيضاً ، إذا ما تمّ إثباتُ واقعٍ يستحيلُ عليه تجاوزه.

وأمنيّاً تحقق عودةُ اللاجئين إلى مدنهم استقراراً يكونون جزءاً من تثبيتهِ وتقويتهِ ، خاصةً إذا ماترافق مع تحسّن الوضع الاقتصادي ، وإعادةِ الإعمار التي تسعى إليها الولايات المتحدة في تلك المناطق ، بعد أن تمّ القضاءُ على تنظيمِ داعش.

كما أن عودة اللاجئين تبعثُ برسالة اطمئنانٍ لطرفي الاتفاق ، بمضمونٍ يهدف إلى تطبيع الأوضاع وعودتِها إلى سياقها الطّبيعي ، في ظلّ توازناتٍ اجتماعية وديمغرافية عاش عليها السّوريون عقوداً طويلة.

ومن جانبٍ آخر ، فإن تجاهلَ هذه القضيّة يعني أن الاتّفاق ماهو إلا هدنة حربٍ تبقى مهددةً بالانهيارعند كل منعطف ، وتأجيلٌ للصّراع لايلبثُ أن يعود في ظلّ تبدّل السياسات ، وتغيّر التّوازنات الدّوليّة.

كما أنه سوف يهيئُ لحرب أهليةٍ بين المكون العرقي الذي يسيطر على المنطقة عسكرياً ، والذي يمثله العمال الكردستاني ، وباقي مكونات المنطقة التي سوف تجدُ نفسها محرومةً من العودة ، الأمر الذي لن تستكين له بالتأكيد ، وسوف تقاتل ضده بكل وسائلها ، وهو ماسوف يدخلنا في متاهةٍ جديدة ، نحن بغنى عنها ، وعلينا أن نكون متيقظين من الوقوع في شَرَكِها. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النص محمي !!
إغلاق