إسلام أوروبي: آفاق وتحديات

ساري حنفي٭

جسر: متابعات:

مدخل جامع باريس الكبير، رمضان 2018. تصوير زكريا عبد الكافي لفرانس برس

سررت كثيراً بدعوتي للمشاركة في أعمال الدورة العاديّة التّاسعة والعشرين للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في باريس، بصفتي ضيفاً. إنها مشاركة من نوع خاص. فهي ليست لتبادل الأفكار، لكن أيضاً لرصد مُشَارِكْ لتداولات العلماء والفقهاء في الدراسات الإسلامية، حيث تختلط النقاشات ذات الطابع الفقهي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي. لقد أغبطتني مساحات التداول بين اتجاهات فقهية مختلفة، متشربة خاصة من المدارس الشافعية، والحنفية والمالكية وما يتجاوزها، وقد تخصصت الغالبية في العِلم الديني في الأزهر والزيتونة وجامعات عربية وغربية أخرى.

أما العلوم الاجتماعية فلها إطار آخر، نظّر له ماكس فيبر في معرض تحليل للمهنيّة السياسية أو العلاقة بين البحث الأكاديمي والسياسات العامة. لقد ميز فيبر بين أخلاقيات الإقناع وأخلاقيات المسؤولية. فإذا كان الإنسان كائناً حراً، فهو حرٌ في اختيار الوسائل والغايات بحيث يبني علاقة بين القيم والمعاني المطلقة للحياة. وتشكل أخلاقيات الإقناع، الدافع الأساسي للخيارات القيمية الواعية، التي يعرّفها فيبر بأنّها تولد من الإيمان الواعي بقيمة عملٍ ما لذاته من الناحية الأخلاقية أو الجمالية أو الدينية أو غيرها، بغض النظر عن احتمالات نجاحه. وفي حين أنّ أخلاقيات الإقناع تستوعب تراتبية للقيم في سياق العمل الأخلاقي، فإنّ أخلاقيات المسؤولية تتضمن فرائض قيمية، من دون النظر في تراتبية القيم، وتتضمن حتمية تضاربها في سياق العمل الأخلاقي. ويعني هذا أنّ أخلاقيات المسؤولية تركّز على التبعات المحتملة لتطبيق بعض القيم. إذاً، يقوم الباحث الاجتماعي بمفاوضة بين أخلاقيات الاقناع والمسؤولية، وهذا لا يعني التعارض بالضرورة مع الأخلاقيات الإسلامية. وأعني بذلك أنّهم لا يتعارضون مع الوحي ولا يذكرونه في كتاباتهم. وقد كنت قد ناقشت سابقاً معيارية أبحاث الهجرة في العلوم الاجتماعية، لأظهر بأنّ غالبية أفراد جماعتها العلمية تشكّل جماعة إبستميًة في تداولاتها لتبني أخلاقيات الاقناع والمسؤولية، تحفز استقبال اللاجئين وتعالج إشكاليات المهاجرين خصوصاً منذ بداية التسعينات (التعددية الدينية، الماضي الاستعماري، وتنوع التجربة الدينية).

وفعلاً كان هناك حوار ونقاش بناء، بين إطار الأخلاقيات وإطار مقاصد الشريعة. كانت هناك دائما أصوات حساسة على كيفية تطبيق بعض الأحكام في مجتمعات المواطنة الأوروبية، حيث يسود القانون على الجميع، لكن في الوقت نفسه، هم يطالبون بحق الاختلاف الثقافي والديني وما يتبع ذلك من خصوصيات لها علاقة بالممارسة اليومية للطقوس الدينية والعادات الاجتماعية. لقد شعرت بثقة أعضاء المجلس (وهم كلهم من أوروبا، ما عدا الشيخ قر داغي) في أنفسهم، فهم لا يريدون أن يرضوا أي طرف غربي سياسي، أو لا يشعر الواحد منهم بأنه شيزوفريني كونه فرنسياً/إيرلندياً/سويسرياً، وفي الوقت نفسه هو مسلم/عربي/أمازيغي. فهم على أتم الاستعداد لاستقبال تعقيد تدافع الهويات الاجتماعية بما يتجاوز ازدواجية “نحن” و”هم”، لتصبح المطالبة بالاختلاف والتعددية القانونية صنواً لأنظمة المواطنة والتعددية الثقافية. إنه براديغم الاندماج الإيجابي المتمثل، ليس فقط في طلب الحقوق، ولكن تحديد الواجبات، واجبات التعامل مع المسلم وغير المسلم بالعدل والإحسان والخلق القويم والبعد من الظلم والجور، والتزام ما يؤلف بين فئات المجتمع المختلفة.

وذلك كله يتطلب الكثير من الحكمة ومعرفة فنون الاجتهاد. فحول مواضيع مثل آليات إخبار الزوجة بالطلاق، والحد الأدنى لسن الزواج، وتبني الطفل وتقريبه من كفالة اليتيم، ومعايدة غير المسلمين في أعيادهم، أدلى البعض بدلوه فقهياً من معين التراث، بينما ذكّر آخرون بالقوانين المعمول بها في بلد طالب الفتوى، وحثوا الأخير على المواءمة بين الآراء الشرعية والقوانين الرسمية. انها آراء جماعية تأخذ في الاعتبار زوايا كثيرة. وهذا لا يخلو من توترات، وهذا جد طبيعي توّج البيان الختامي لدورة المجلس هذه. كما يمكن للقارئ الملاحظة بأن هذا البيان يبدأ في مطلع توصياته بأن يحض على “دراسة ما يقتضيه علم الاجتماع من دراسة الطبائع والخصائص المتعلّقة بالمجتمعات الأوروبيّة، ودراسة السُّنن الخاصّة بهذا الموضوع، والاستفادة منها في التعامل مع مشكلات المجتمع، والإسهام في حلّها أو التخفيف من آثارها، ويكون ذلك بالتعامل الإيجابي مع العلوم الاجتماعية والإنسانية، والدفع لتفاعلها مع علوم الدين، من خلال إظهار الفوائد والتنبيه على ما لا يناسب السياق والتاريخ والثقافة والدين لمجتمع ما في زمان ما”.

في ظل تزايد قوة اليمين المتطرف العنصري في أوروبا (وفي كثير من دول العالم)، تكون أمام المجلس مهام وتحديات جمة، تتطلب منه أن يكون أكثر تفاعلاً مع العلوم الاجتماعية ومنتجاتها ونخبها، وأكثر تعبئة للاتجاهات الفكرية والفقهية المتنوعة المتواجدة في أوروبا ولشرائح اجتماعية، خصوصاً النساء والشباب، “ولو أدى ذلك إلى وجع رأس مستقبلي” (بحسب مخاوف أحد من قابلتهم). ففي الوحدة قوة.

٭أستاذ علم الاجتماع – الجامعة الأميركية في بيروت

المدن 28 آب/أغسطس 2019
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق