التدخلات اﻷجنبية والمصير السوري

برهان غليون

جسر: رأي:

فجرت الحرب الجديدة التي أعلنتها الحكومة التركية، مدعومة بفصائل من “الجيش الوطني” السوري، في التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، ضمانا للأمن القومي التركي وإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ضد قوات الحماية الشعبية، فجّرت ما كان يجري خفيةً من نزاع عميق على الأرض والموارد ومستقبل النظام السياسي ومصير البلاد بين السوريين أنفسهم. فخرجت النفوس عن طورها، وبرز خطاب الكراهية والعنصرية، كما لم يشهده المجتمع السوري في أي وقت، ليس بين النخب الكردية والعربية فحسب، وإنما بين أصحاب المواقف المختلفة من الكرد والعرب على السواء، وتفاقم العداء في صفوفهم، ربما أكثر مما تجلّى ضد المتدخلين الخارجيين.

لا يمكن لوطني، كائنا ما كان دينه وعقيدته، أن يوافق على تدخل قوى أجنبية في بلده، مهما كانت أسبابه وادّعاءاته، ولا يمكن لأي تدخلٍ أجنبي، دعما لهذا الطرف أو ذاك، أن يكون مفيدا للسوريين، أو أن يخدم مصالحهم. وليس هناك اليوم أي متدخلٍ دوليٍّ يدّعي حرصه على مصالح السوريين. والترك، مثل الأميركيين والإيرانيين والروس والأوروبيين وغيرهم، لا يخفون دوافع تدخلاتهم القومية، الأمنية أو السياسية. ومن هذه الزاوية، جميع التدخلات الخارجية مدانة من دون تحفظ، ولا يوجد أي سبب تخفيفي لأي منها.

(1)
البقاء عند الإدانة لا يوقف التدخلات الأجنبية، بل ربما عمّق من الخلاف بين السوريين، وزاد بالعكس من حاجة أطرافهم المتنازعة إلى مزيد منها، في غياب الحلول الذاتية المتفاوض عليها لحروبهم المستمرة. وقد وصلت بهم الحال اليوم إلى نقطةٍ لم يعد فيها أملٌ لطرفٍ في الحفاظ على ما تبقى له من رهاناتٍ إلا في الارتماء على طلب الحماية الخارجية، والقبول بالعمل تحت إمرة هذه الدول الأجنبية، وفي خدمتها، بما يعنيه ذلك من تقديم مزيدٍ من التنازلات لها على حساب مستقبل سورية وسيادتها واستقلالها ومصالحها الوطنية.

ليست متلازمة الانقسام والتدخل حكرا على الحالة السورية، إنما هي قاعدة عامة، يمكن معاينتها في كل المجتمعات المنقسمة على نفسها، فكما يغذّي الشقاق الداخلي الطلب على الحماية الخارجية، تغذّي التدخلات الأجنبية الانقسام بين السوريين وتعمّقه، فهي تراهن على تأجيج الخلافات الداخلية، السياسية والمذهبية والأقوامية، لتوسع نفوذها وتعزّز دورها.

ليس من المبالغة القول إن جميع الأطراف السورية قد اعتمدت التدخل الأجنبي سلاحا رئيسيا في رهانها لربح الحرب ضد الأطراف الأخرى. وكان أولها النظام الحاكم الذي فتح أبواب التدخل الإيراني والروسي على مصراعيه، على أمل أن يقضي على ثورة الشعب، ويُحبط إرادته التحرّرية، وحقه في المشاركة في تقرير مصير البلاد وسياساتها. كما لعب الرهان على التدخل الدولي ضد نظام الأسد أيضا دورا رئيسا في إضاعة بوصلة الانتفاضة السلمية السياسية، وتشتيت جمهورها. ولم تشذ النخب الكردية التي اختارت، منذ البداية، طريق العمل المنفرد والأجندات القومية ضد مشروع الديمقراطية السورية عن هذا الموقف. وشجع دعم الدول الأجنبية الأطراف السورية المتنازعة على التطرّف في المواقف، واحدتها تجاه الأخرى، وساهم في قتل روح الحوار أو البحث عن حلول سياسية تفاوضية. وكانت نتيجة ذلك تجذير الانقسام بين القوى السورية وفرض الوصاية العملية عليها، قبل التخلي المفاجئ عن دعمها وتركها لمصيرها، من دون قدرة على الحسم العسكري أو التفاهم السياسي. حصل هذا مع فصائل الثورة السورية، ويحصل اليوم مع الإدارة الذاتية الكردية، أما الأسد فقد تحوّل إلى مجرّد واجهة لسلطات الاحتلال الأجنبية.

(2)
ليست هناك أي حتمية في الاحتراب بين الطوائف والقوميات والأجناس، لا في بلادنا ولا في أي بلاد أخرى. يرتبط الأمر بتصوّرنا لمصالحنا ومصالح الآخرين، ومعايير تعاملنا مع هذه المصالح الذي يعكس أيضا معاييرنا الأخلاقية وقواعد تفكيرنا القانونية والسياسية. وليس هناك أيضا أي سببٍ، ولا أي دافع، ولا أي مصلحة، تفسر التدهور الخطير الذي شهدته في السنوات الأخيرة، بعد الثورة، العلاقات بين العرب والكرد السوريين. وليس من الصحيح أن هناك تناقضات في التصورات والاعتقادات والثقافات تحول دون التفاهم بينهم اليوم، ولا أن هناك مظالم لا يمكن جبرها للكرد عند العرب والعكس.
المسؤول الأول عن الانقسام ونمو المشاعر السلبية التي ترتبط به تجاه الآخر داخل المجتمع الواحد هو التطرّف والأنانية القومية وعقلية “عليهم عليهم، معاهم معاهم”، وسيطرة منطق الغريزة ونفسية القطيع. والمقصود بالتطرّف والأنانية القومية التمركز على الذات واتباع أهوائها وتجاهل مصالح الآخرين، وأحلامهم ومخاوفهم ومشاعرهم وغرائزهم أيضا. ولا تأخذ التدخلات الأجنبية قيمتها إلا لأنها تدغدغ هذه الأنانية القومية والتطرّف وتعزّز اقتناع أصحابهما بأنهم ليسوا بحاجةٍ إلى التفاوض على مطالبهم وأهدافهم ومصالحهم مع الأطراف الأخرى، ولا الاعتراف لغيرهم بحقوقٍ يعتقدون أنهم الوحيدون الذين يستحقونها.

وليس الجمهور العام هو الذي يصوغ فكر التطرّف والأنانية، وإنما هي النخب السياسية والاجتماعية التي تقود الجماهير، وتعرف المصالح العامة لهم، أو ما تعتبره هي، من وجهة نظر مصالحها الخاصة في القيادة والسلطة، بمثابة مصالح أساسية. وعلى طبيعة هذا التعريف، تتحدد طرق الدفاع عن هذه المصالح ووسائل العمل العنيفة أو السلمية لتحقيقها، ومن ضمنها أيضا الابتعاد عن سبل الحوار والتفاوض وتبنّي الحلول العنيفة، أو استسهال اللجوء إلى الدعم الخارجي، لتأمين نجاحها وفرضها أمرا واقعا على الأطراف الأخرى.

ولا شك في أن تجاهل السلطات السورية الطويل حقوق الكرد في الاعتراف بهويتهم القومية، وضمان مساواتهم بمواطنيهم العرب، وتجاهل أي خطط تنموية لمناطق الجزيرة السورية التي تضم أهم موارد البلاد وثرواتها الطبيعية، قد أحدث شعورا عميقا بالإحباط والغربة والإهمال عند جمهور الكرد، وبشكل أكبر عند نخبهم. ولا يوجد شك في أن بعض هذه النخب، والمقصود هنا حزب الاتحاد الديمقراطي الذي نجح في استقطاب جمهور مهم من كرد سورية، اعتقدت، مع الفوضى العارمة التي حلت بالمجتمع السوري نتيجة حرب الإبادة الجماعية، أن الفرصة أصبحت سانحةً لتحقيق الحلم القومي الكردي الذي أجهض في تركيا، وأنها تستطيع، انطلاقا من الجزيرة السورية، وبالتحالف الضمني مع النظام ضد فصائل الثورة، تكوين هيكلية سلطة مستقلة، داخل الدولة أو بموازاتها، تابعة لها وشبه سيدة. ووجدت في تقاطع مصالح الأميركيين معها، الوسيلة الكفيلة بإيصالها إلى مبتغاها. هكذا، بعدما بدأت بمشروع برلمان غرب كردستان، ثم بإعلان تشكيل الكانتونات الثلاثة، أطلقت مشروع “روج آفا”. وأغرتها القوة العسكرية التي توفرت لها نتيجة انخراطها مع الأميركيين في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بأن توسع قاعدة سيطرتها الجغرافية، فأنشأت ما سمتها “فيدرالية الشمال”، بعد إلحاق مناطق ليس للكرد وجود يذكر فيها، كمحافظتي الرقة ودير الزور، وأحكمت السيطرة الحزبية عليها، وفرضت عقيدة حزبها الشمولية، ولغتها على سكانها، وجعلت حق الدخول إليها والخروج منها لجميع السوريين، بمن فيهم الكرد غير الموالين لها، منوطا بإرادتها وحدها.

وما من شك في المقابل في أن قسما كبيرا من السوريين الذين أحبطت آمالهم في التحرّر والانعتاق، بمن فيهم قطاعات واسعة من الرأي العام الكردي، لم تجد في هذا المشروع المفروض من جانب واحد، والقائم على أنقاض المجتمعات المحلية العربية وغير العربية، والذي وضع يده على موارد البلاد الاستراتيجية الرئيسية في الجزيرة، من ماء ونفط وغاز ومحاصيل زراعية، إلا تجسيدا لسياسة فرض الأمر الواقع، من دون مراعاةٍ لأي معيار سوى معيار القوة والاستقواء بالأجنبي. وهذا ما حدا بكثيرين منهم إلى رؤية التدخل التركي من منظار الانتقام من سياسة وضع اليد والانفراد بالقرار والاستهانة الكاملة بحقوق الأطراف الأخرى ومصيرها.

والواقع، لم تفعل قوات الحماية الشعبية سوى تطبيق القاعدة التي عمّم استخدامها حكم نظام الأسد التي يفرض فيها كل طرف إرادته على الأطراف الأخرى بقوة ذراعه، من دون النظر في مصالح غيره، أو التفاهم معهم، أو إيلاء أدنى اعتبار لآرائهم أو مشاعرهم أو تطلعاتهم وحقوقهم. وقد اعتمد هذا التغول الذي مارسه الأسد على المجتمع والدولة، وجعل منه أسلوب إدارته الشؤون العمومية، على عنصرين أساسيين: القوة الخاصة المستقلة عن المجتمع، أي المرتزقة الداخلية، والدعم الأجنبي. والسلطة التي لا تنبع إلا من القوة والدعم الخارجي تتهاوى، حالما يزول عامل التفوق بالقوة، أو يتخلى عنها حماتها الخارجيون. وعكسها السلطة التي تقوم على تفاهم بين الأفراد والجماعات على مبادئ العمل الجماعي، وتعريف المصالح العامة والخاصة، وتقاسم الحقوق والواجبات.

هكذا حاولت قوات الحماية الشعبية الكردية أن تعيد إنتاج نظام إدارة الأسد، ولكن على نطاق أضيق هو الجزيرة السورية. واعتبرت أن امتلاكها القوة يخوّلها الحق في الانفراد بالقرار وممارسة السلطة الشاملة. ووجدت في الدعم الخارجي، كما فعلت قوى معارضة عديدة، سبيلا مشروعا لتحقيق حلم الكرد القومي، بصرف النظر ومن دون أي اعتبار لمصالح بقية السوريين وأحلامهم، فصار بناء الكيان السياسي الجديد المستقل المصلحة الأولى التي تحكم جميع المصالح الأخرى، وتُخضعها لحسابها، بما في ذلك مصير الكرد أنفسهم. ولذلك لن تكون أجندة الديمقراطية السورية العامة الضحية الرئيسية لهذا الفكر الشمولي فحسب، وإنما جمهور الكرد ذاتهم الذين وقع على كاهلهم عبء القتال المرير من أجل مشروعٍ لا يقوم على أي أسس سياسية مفاوض عليها وثابتة.

بعزوف النخب السياسية السورية عن العمل لبلورة أجندة سورية وطنية واحدة، وسعي كل واحدة منها إلى استثمار ثورة السوريين لتحقيق مشاريع خاصة بها، ما كان يمكن للمصالح إلا أن تصطدم بعضها ببعض، حصل التدخل التركي أم لم يحصل. وكان من الطبيعي أن يهجر الجميع ميدان السياسة الذي يفترض قبول الحوار والتفاوض، للوصول إلى تسوياتٍ مقبولة وثابتة، مما لا ينسجم مع تطلعاتهم القصوى، إلى ميدان الحرب التي يفرض فيها المتغلّب إرادته بالقوة، ويبحث عن القوة حيثما وجدت في الداخل أو الخارج، عند الطوائف والعشائر أو في صفوف الدواعش وفرق المرتزقة ومليشياتها على اختلاف أجناسها وأصولها. كما كان من الطبيعي أن يتغلب خطاب الكراهية وتبادل الشتائم والاتهامات والإهانات العنصرية على أي دعوةٍ فكريةٍ أو مناظرةٍ سياسية. وفي هذا المجال، يصدق قول المسيح: من ليس لديه خطيئة فليرمها بحجر.

(3)
لن يستطيع السوريون التغلب على شهوة التدخل الأجنبي، والعيش في أحضانه، والعمل على أجندته، كما حصل لأسلافهم المناذرة والغساسنة في الماضي غير البعيد، إلا بمقدار ما تنجح نخبهم في تجاوز عقمها السياسي وتمركزها على الذات، ورفضها قبول شركاء لها على الأرض وفي الجغرافيا ذاتها، أي في تخليها عن منطق “أنا ومن بعدي الطوفان” الذي قاد الأسد إلى تدمير وطنٍ كاد يتحوّل إلى ملك خاص له ولأسرته. ولن يحصل ذلك، ما لم تنظر كل واحدة منها إلى مصالح جمهورها الشعبي، وتهتم به، وترأف بحاله، وتسعى إلى التخفيف من معاناته وتقدّمها على مصالحها الخاصة، أي قبل أن ترى في السلطة والقيادة مسؤولية وخدمة عامة لا وسيلة للتسلط والتميز ومراكمة المنافع والمصالح والامتيازات الفردية والفئوية.

ولن تولد نخبة وطنية تسمو بنفسها عن صغائر المحاصصة المادية والسلطوية على المستوى العام، وتضع الدولة وأجهزتها في خدمة الشعوب والمجتمعات، لا في خدمة مصالحها الخاصة، إلا عندما يتطوّر الشعور بالمسؤولية عند النخب والقيادات الأهلية تجاه جماعاتها ومناطقها وأحيائها التي تمارس الزعامة عليها. وعندئذ، يمكن للنخب أن تتجاوز الخلافات العميقة التي تمزّق صفوفها وتشوّش فكرها، وأن تقدم منطق التعاون لتحقيق مصالح مشتركة لجميع الفئات والجماعات على منطق الأنانية الذاتية أو الطائفية أو القومية، وتظهر الحاجة للسياسة، ويصبح من الممكن ليس قبول وجود الآخر المختلف فحسب، وإنما الأمل بتحويله إلى شريك مفيد، بدل أن يكون عدوا، كما هو عليه الحال اليوم في أوضاعنا. فليس هناك، ولا توجد في التاريخ الماضي والحاضر أمم جاهزة وناجزة. نحن الذين نصنع من أجزائنا وشتاتنا أمةً ببناء وشائج القربى وتنمية روح الاعتراف المتبادل، وتعميق التفاهم والتعاون في ما بيننا، فنتحوّل إلى شركاء في  الوطن، حاضرا ومستقبلا، ونحن الذين نعمل، أيضا، وبالعكس، على تمزيق ما تبقى من وشائج القربى والعلائق والقرابات والتفاهمات والمصالح المتبادلة، ونتحوّل إلى فصائل وقبائل وإمارات حرب، كما نفعل اليوم، عندما نصمّم على تعميق الخلافات وتضخيم المظالم، وتناحر الهويات المتجاورة، ونترك العنان لغرائز العنف والعداء والانتقام والكراهية التي يغذّيها الإحباط والغضب والمخاوف، تسيطر علينا، ونغطي بها على فشلنا أو تخلينا عن مسؤولياتنا. وهذا ما يقودنا إلى السقوط في فخ العدمية السياسية، حيث يصبح كل شيءٍ مباحا، قبول الوصاية والعمالة والقتل على الهوية.

كما هو الحال عند جميع الشعوب، تزخر حياة السوريين بعلاقات القربى الكثيرة والراسخة، والتي هي ثمرة الانتماء لتاريخ وثقافة وحياة اجتماعية مشتركة. لكنها تفيض أيضا اليوم، كما الحال في مجتمعات عديدة، بكثير من التناقضات والتصورات والمصالح المتنافرة ومشاعر الظلم والكراهية والعداء المتبادل. وإلينا وحدنا يرجع القرار، أو الاختيار في ما إذا كنا نريد أو كان من مصلحتنا أن نستثمر في وشائج القربى، ونعمل على تعزيزها والمساعدة على حل التناقضات وتباين الرؤى والمصالح التي أنتجتها الأحداث التاريخية والجيوسياسية القاسية، أو أن نستثمر في هذه التناقضات، ونسعرها، ونعمل على تعميق القطيعة بين الجماعات والمناطق والتيارات المختلفة التي نسجت تاريخنا، وشكلت هويتنا المتعدّدة والواحدة معا. وليس هناك أحدٌ غيرنا قادرا على اتخاذ هذا القرار، ولا توجد بوصلةٌ تهدينا إلى طريق الصواب سوى محاكمتنا العقلية ورؤيتنا للمستقبل الذي نريد، ووعينا بالممكن والواقعي والمستحيل التاريخي والسياسي معا. وفي نظري أن كلفة تفجير الكيان السوري القائم أو تركه في حالة الخراب والفوضى، وهو بالتأكيد كيان مصطنع، مثل جميع الكيانات السياسية الحاضرة والماضية والمقبلة من دون استثناء، سوف تظل أكبر بكثير من كلفة معالجة الكسور والرضوض والاختناقات التي تشل حركته وتعطل حياته اليوم، ومن الجهود المطلوبة لتجاوز الخلافات وصوْغ التسويات التي تعيد إلى روح الوطنية السورية الحياة، بعدما كادت تقضي تحت ركام حرب الإبادة الجماعية والاحتراب.

ليست هناك حتمية تقضي بأن تظل سورية واحدةً ومستقلةً وحيةً أو أن تزول، ولا بأن نكون أمة واحدة، أو شعبا حرا. ولا ينبغي الاعتقاد أن هناك أمة يمكن أن تقوم وتستمر في عصرنا الراهن على قاعدة الوصاية والقهر والاستزلام وطغيان المصالح الخاصة وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح. وليس هناك ما يساعدنا على تجاوز نداء التطرّف والأنانية القومية والتمحور على الذات سوى الأخذ بمعيار العدل، وهو أن لا تقبل لنفسك ما ترفضه للغير، ولا ترفض لنفسك ما تقبل به لغيرك. وهو مبدأ الحقوق والواجبات المتساوية.

وعندئذٍ، تبرز ضرورة التعاهد على وإرساء مبادئ مشتركة وثابتة: أن لا نقبل بأي تدخل خارجي، وخارج عن إرادتنا حل مشكلاتنا ونزاعاتنا الداخلية، وأن لا نحيد عن قاعدة التفاوض والحوار في حل المشكلات التي تعترض مسارنا الجماعي، مهما كان حجمها ونوعها، وأن نلتزم أمام أنفسنا والعالم بمبادئ العيش المشترك، والعمل من سورية وطنا، لا معبرا للوصول إلى أوطان أخرى متصوّرة، أو مركبا لتحقيق أحلام خارجية، وهمية أو ممكنة. عندئذ فقط يصبح التفكير ببناء سورية بلدا حرا لمواطنين أحرار مركز الجهد الجماعي وغاية كل فرد. على غير هذه القواعد، لا تقوم دولة ولا تستمر جماعة في البقاء. وبخلافها سوف تستمر الحروب وتتوالى التدخلات، أكثر حدّة وشراسة وأذى، وربما تنهي حياتنا أو حياة معظمنا في المنافي والمخيمات.

 

العربي الجديد 16 تشرين اﻷول/أكتوبر 2019

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق