هل يمكن أن تستمر “قسد” في “حكم” شرق الفرات .. وهي لم تترك لها “صاحب” ؟

نضال معلوف

جسر: متابعات

على ماذا كانت تعتمد قوات سوريا الديموقراطية في مشروعها الرامي للبقاء “كحاكم مطلق” لمنطقة شرق الفرات في سوريا ، والى الابد.. !

من وجهة النظر الرسمية التركية كما تحدثت مع محللين سياسيين وافراد ذوي صلة بدوائر القرار التركي فان العملية العسكرية التركية باتت حاجة ملحة للحفاظ على الامن القومي التركي واعادة الاستقرار للمناطق الحدودية الجنوبية في البلاد ، والسبب فقط اليوم وجود قسد!

بغض النظر عن الاتهامات الموجهة لتركيا حول دورها في الازمة السورية ، فواقع الحال بالنسبة لصانع القرار التركي ان المنطقة على الحدود السورية التركية هو واقع متفجر غير مستقر يهدد الامن القومي التركي ويجب ان ينتهي هذا الواقع باي ثمن.

فوجود تنظيم “ارهابي” ( PKK)  يسيطر على هذه المنطقة وله اليد الضاربة فيها، يشكل خطراً وجودياً على تركيا يجب التعامل معه.

بالنسبة لتركيا فان هذه المنطقة اصبحت “فجوة” مليئة بالإرهابيين ان كانوا من داعش او من حزب العمل الكردستاني او ما يعرف في سوريا بوحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية ، منطقة شاسعة فيها موارد غنية مائية ونفطية وزراعية تحت سيطرة “الارهابيين” على حدودها وهذا خطر داهم يجب التعامل معه.

وتصر تركيا على تصنيف قوات سوريا الديمقراطية ( قسد ) تحت بند الارهاب وتعيد مرارا وتكرارا  التوضيح بانها ليست ضد الاكراد عموما ، وان في اراضيها يعيش اكثر من 15 مليون كردي ، وان اكثر من 350 الف سوري كردي فر من حكم ( قسد ) منذ بداية الاحداث الى سوريا.

وحتى ان “الادارة الذاتية” التابعة لوحدات حماية الشعب لم تعطِ  مثالا جيدا على الحكم المحلي واتبعت القوة التعسفية لإدارة المنطقة وهي لا تحظى باي شعبية في المنطقة التي تديرها على العكس فان السكان العرب والاكراد من غير المنتسبين اليها يريدون التخلص منها بأي ثمن.

وفي رأي الاتراك فإن القانون الدولي يسمح لهم بالقيام بعملية عسكرية للدفاع عن النفس ، وان اي بلد يتواجد على حدوده مثل هذا الخطر كان ليتعامل معه.

عندما تحاجج الاتراك في جدوى هذه العملية واثارها المدمرة على سوريا وسكان المنطقة ، يقولون لك بان خطر وجود هذه الجماعات ليس موجها ضد تركيا وفقط بل ضد سوريا ووحدة اراضيها ويستشهدون بواقع المنطقة المنفصل منذ 5 سنوات عن الحكومة في دمشق والذي اوجد ارضية تبدو منطقية للحديث عن التقسيم او اقامة دولة لامركزية ضعيفة تكون مقدمة للتقسيم في الشرق ..

وانه بدون قوات سوريا الديمقراطية في الشرق وسيطرتها على المنطقة وادارتها والتحكم بها بعد طرد قوات الحكومة السورية لم يكن سيناريو التقسيم مطروحا ولا ممكنا ..!

عدوا للنظام

الملفت في الامر بان هذه النقاط التي عرضتُها من وجهة نظر تركية صرفة،  تتلاقى في كثير منها مع وجهة نظر النظام السوري و اغلب السوريين من طرف المعارضة او هؤلاء الذين يصنفون في المنطقة “الرمادية”.

النظام يرى “قسد” جماعة انفصالية قامت بفعل “الخيانة العظمى” وتحولت الى ذراع للولايات المتحدة الاميركية واداة بيد اسرائيل وحاربت القوات النظامية السورية وقتلت منها – خاصة في بداية الأحداث عندما سيطرت على المدن والبلدات في الشمال الشرقي.

ويرى النظام السوري ايضا قسد بانها خطر على وحدة سوريا ويعرف جيدا مطامعها بإقامة دولة كردية في الشمال تقتطع من الاراضي السورية..

وفي الدوائر الضيقة للنظام وبحسب ما يرشح من تصريحات المقربين منها هنا وهناك ، لا يمكن للنظام ان يثق بعد الان بهذا التنظيم او يسمح باستمراره في حال  فقد الدعم الاميركي وسينتهز اي فرصة للانقضاض عليه وانهائه وفي احسن الاحوال تحجيمه واعادته تحت السيطرة ، مليشيا يستخدمها النظام في مهام محددة.

عدوا للفصائل المعارضة

علاقة الفصائل المسلحة مع قسد ايضا علاقة عداوة اما لأسباب ايدولوجية بالنسبة للفصائل الاسلامية ، او بحكم الاصطفاف الحاصل في المنطقة حيث ان معظم فصائل الجيش الحر تتخذ جانب تركيا ولا تمتلك موقفا متمايزا عن موقفها ..

ماذا عن حاضنتها الشعبية ؟

أخيرا إذا أتينا الى الحاضنة الشعبية في الشرق والشمال الشرقي .. هل كان سكان المنطقة راضيين عن اداء قسد ونموذج الحكم الذي فرضته هناك ..؟

مع الاسف الجواب ايضا لا .. صحيح انها استطاعت ان تفرض نوعا من الاستقرار وتشكل منطقة يسود فيها الامان الى حد مقبول ، ولكن من ناحية “الحكم” و”الادارة” استخدمت قسد ذات ادوات واساليب البعث المقيتة بحسب شهادات الكثير من السكان الذين تحدثت معهم في المنطقة ، واذا كانت الحركة من الاساس قد ظهرت بحجة رفع الظلم عن الاكراد ومواجهة العنصرية ، فهي تصرفت بعنصرية معاكسة وكانت ظالمة في كثير من ممارستها في ادارة المنطقة على كل المستويات ..

تخيلوا ( بحسب ما روى لي احد السكان هناك )  ان سكان الرقة العرب التي نزحوا منها خلال سيطرة داعش يحتاجون اليوم الى كفيل من داخل المدينة حتى يتمكنوا من الدخول اليها ، فيما يستطيع اي “كردي” ان يدخل المدينة بدون اي اجراءات مماثلة ..

اعتمدت “قسد” على التفويض الاميركي كليا في فلسفة وجودها في المنطقة وادارتها لها ، لم تمتلك الاستراتيجية التي تذهب ما بعد تخلي اميركا عن دعمها (وهذا يوم لا بد ان يأتي عاجلا ام اجلا ) ..

تأسست نظرية “شرق سورية” على اساس حقيقة ان الولايات المتحدة تريد البقاء في تلك المنطقة لفترة طويلة ( ربما الى الابد ) ومراقبة سياسات وسلوك قسد يدلل انها تعلم يقينا بان بقاء هذا “التشكيل” وفرض سيطرته على المنطقة مرهون ببقاء القوات الاميركية .. إذ ليس من المنطقي ان يكون لديه تصور بإمكانية بقاءه بعد انسحاب الولايات المتحدة الاميركية وهو لم يترك له في المنطقة  له “صاحب” ..

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق