عن بشار اﻷسد المولود كـ”برميل” وعن أربعة أطفال قتلهم ليتنفّس

جسر: متابعات:

رحم جريمة قتل

أمل هنانو (لينا سيرجي عطار)

نشرت أول مرة بالإنكليزية في Laments 5-8-2012

ترجمة ياسر سعيد 16-1-2020

جميعنا متشابهون في الاعتقاد بأننا نسيطر على أقدارنا، وبأننا نخلق مستقبلنا بواسطة خياراتنا. ولكن هناك بعض الخيارات في الحياة تتحكم بك وبعض الأمور التي لا يمكن أن تكون مسؤولا عنها مثل مكان ولادتك وعائلتك. هل ستكون ابنا لطاغية أو ابنا لثائر؟ هل ستكون ابنا لضحية تعذيب أو ستكونين ابنة لجلاد؟

بشار الطفل/انترنت

هذه الأمور هي حظوظنا المكتوبة في ألواح أقدارنا قبل أن نتنفس أول شهيق حين نكون مازلنا في شرانق أرحام أمهاتنا، ولكن أحيانا تسمع قصة استثنائية عن القدر تجعلك تتساءل: هل يسمنا القدر قبل ولادتنا ليرسم مسار حياتنا في المستقبل؟ القصة التالية هي واحدة من تلك القصص:

“كنت طبيبا مقيما في المستشفى الوطني في دمشق عام 1965، وفي أحد الأيام من شهر إيلول ذلك العام تلقينا أمرا بإخلاء غرفة في قسم الأطفال لأن طفلا مهما جدا، VIP، سيتم نقله من قسم الولادة. طلب منا رئيسانا الدكتور سهيل بدورة والدكتور رشاد العنبري تحضير الغرفة والاستعداد لهذا المريض الخاص. وصل الوليد الذي يعاني من شدة تنفسية ليوضع داخل الحاضنة الوحيدة في المستشفى, والوحيدة في دمشق.

تلقى زملائي في قسم التوليد الأوامر لإخراج أربعة أطفال خدج كان قد تم وضعهم للتو في الحاضنة كي يوضع هذا الطفل بدلا منهم. كان للوليد الأكبر حجما والأكثر قيمة أن يحتل الحاضنة وحده. توفي الأطفال الخدج الأربع بعد ذلك خلال ساعات قليلة. رفض أحد الأطباء واسمه محمد برمدا ذلك الأمر الشائن ولكن تم إخراسه بواسطة رؤسائه المراقبين من قبل عدة ضباط في الجيش. فهمنا حينها أن والد ذلك الطفل كان ضابطا ذا رتبة عالية وقد تم إغفال اسمه.

سرعان ما حضر ذلك الضابط بنفسه حالما تم نقل الطفل الوليد واتضح أنه قائد القوى الجوية حافظ الأسد. في البداية كانت أم الطفل تأتي لإرضاعه ثم تعود لقسم التوليد، ثم تم نقلها كي تنام مع طفلها وبقيت في المستشفى خمس عشرة يوما.

بعد تخريج الطفل من المستشفى تبرع والده بعشر خيمات أكسجين لقسم التوليد، وبناءا على أوامره تم إتلاف الملف الطبي لابنه بشار.

صارت العلاقة بين الدكتور بدورة وحافظ الأسد أقوى في السنوات التالية حين أصبح الأخير وزيرا للدفاع ثم رئيسا لسوريا. عين الأسد الدكتور بدورة فيما بعد رئيسا لمستشفى الأطفال التابع لجامعة دمشق ثم أصبح رئيسا لمستشفى الأسد الجامعي عام 1992 وظل في ذلك المنصب المهم حتى ما قبل سنوات قليلة من وفاته”.

بعد أن استمعت لهذا الطبيب البارز يقص علي هذه القصة المثيرة للاضطراب سألته سؤالين: لماذا لم يعترض أي شخص آخر على هذا الفعل غير الإنساني؟ لماذا تتذكر ذلك الآن؟ وأجابني بكلمة متكررة دائما: الخوف، الخوف، الخوف…

سألته: لماذا تقص علي هذه القصة؟ فأجاب: هذا الرجل ولد من رحم جريمة قتل فماذا نتوقع منه؟

أخبرني طبيب اختصاصي بالأطفال حديثي الولادة والذي صادق على التفاصيل الطبية المروية في هذه القصة أن مثل تلك الخيارات اللا أخلاقية مازال يتم فرضها على الأطباء السوريين حتى اليوم. يجب على الأطباء اختيار حياة أطفال النخبة الحاكمة على حساب حياة أطفال الآخرين الذين لا يملكون الثروة أو السلطة بسبب الخوف.

هناك قول مشهور لحافظ الأسد: “التاريخ لا يتحرك بالصدفة”، فهل كانت دموع الأمهات المفجوعات بأطفالهن الأربع لعنة على الطفل الدكتاتور فسرقت معها براءته؟ هل تسرب شر أبيه إليه حين كان في رحم أمه أنيسة؟ لا، لأن أباه كان يقول أنه لا توجد مصادفة. لقد كان موت أولئك الأطفال الخدج الأربع جريمة حافظ وحده، لأنه اعتقد أن حياة ابنه أكثر قيمة من حياة اولئك الأطفال الأربع. ولكن مئات الأطفال الأبرياء الذين تم قتلهم خلال الأشهر الست عشرة الماضية هم الآن جريمة الابن. يقبع القدر في النهاية خلف المسؤولية.

شرح لي الطبيب الاختصاصي بالأطفال حديثي الولادة أن الحاضنة هي صندوق مجهز بوسائل التحكم بالحرارة والرطوبة التي تقلد الرحم. لقد ترعرع بشار في حاضنة ذات امتياز أقصى واعتقد أن حياته أكثر أهمية من حياة الآخرين. لقد تربى بشار على الحصول على مساحة أكبر مما يحتاج بأي ثمن. لقد جعل بشار سوريا حاضنته الشخصية.

أحيانا يكون القدر طريقا في تحديد ما سنكون عليه في المستقبل، فالطبيب قد يصبح مجرما والسجين السياسي الشاب في سجن تدمر قد يصبح خريج جامعة هارفارد. وقد يموت أربعة أطفال كي يعيش طفل آخر ليكبر ويقتل الأطفال كما فعل الأب.

في الوقت الذي تحترق فيه مدن سورية عريقة مثل دمشق وحلب كغيرها من المدن والبلدات والقرى الثائرة بسبب قذائف الطاغية الذي لا يرحم، أفكر بالأمهات الأربعة اللواتي لم يعرفن أبدا لماذا لم ينج أطفالهن الخدج. ترى من هم أولئك الأطفال، وماذا كانوا سيصبحون لو نجوا هم أيضا؟ أو لو نجوا هم بدلا منه؟

لن نعرف أبدا لأن اولئك الأطفال الأربع ولدوا وقتلوا في ذلك اليوم المليء بالكراهية حين كتبت أقدارنا جميعا يوم 11 أيلول من عام 1965.

يتحرك التاريخ أحيانا بواسطة الحظ، وأحيانا بواسطة استراتيجيات صماء ومصالح سياسية سينكية. ولكن التاريخ يتحرك في أحيان أخرى بواسطة إرادة البشر التي لا تقهر، البشر الذين يقررون تحرير أنفسهم من رحم الاضطهاد وتغيير قدرهم بالإرادة الصلبة لا بالمصادفة.

 

أمل هنانو اسم مستعار لكاتبة سورية أمريكية. تابعها على تويتر @AmalHanano

المصدر Al-Ayyam

قد يعجبك ايضا