سوريا والعراق وليبيا عندما اجتاحتها دول وميليشيات ومرتزقة

زياد ماجد

جسر: رأي:

حلب/انترنت

ليس من قبيل المصادفة أن تكون سوريا والعراق وليبيا اليوم البلدان العربية الثلاثة الأكثر عرضة للعنف وتحلّل الدولة وتذرّر المجتمع وانتهاك السيادة الوطنية وتعدّد الاحتلالات الأجنبية. ذلك أننا إذا ما استثنينا اليمن الذي يعاني مثلها لأسباب تخصّ تركيبته الداخلية وانكشافه على جواره الجغرافي المباشر والنزاع الإقليمي على النفوذ فيه، لوجدنا أنها تعيش وحدها صراعات ضارية تخرج إدارتها وشعاراتها عن حدود كلّ منها التُرابية، تماماً كما كانت تتخطّى شعارات حكّامها المطلَقين وسياساتهم الحدود إياها.

المشترك بين حالات سوريا والعراق وليبيا بهذا المعنى، والمختلِف عن حالة اليمن، هو أثر إيديولوجيا الحكم الآفل في راهن كلّ منها، لجهة خطابه المدّعيِ مشاريع قومية، وطبيعته الشموليّة وتحويله الدولة إلى مؤسسة قمعية كبرى هدفها تأبيد سلطة الحاكمين وعائلاتهم. أما الاقتصاد والإدارة والخدمات والدبلوماسية وسائر شؤون الدول عادة، فسُيّرت على هامش ما ورد ولخدمته حصراً، وتُرك لها أحياناً، وفق الظروف والمناخات، إبراز جدّيتها وفاعليّتها (كما في العراق في السبعينات) أو التراجع إلى الحدّ الأدنى.

العائلة والطائفة والتوحّش والحروب المفتوحة

يصعب إذاً فهم مدى التخلّع الذي أصاب عرى الدولة والمجتمع في سوريا والعراق وليبيا وتحوّلها إلى ساحات قتال ومرتزقة واجتياحات تتبادل السيطرة على أراضيها من دون العودة إلى بعض خصائص حكم الأسد وصدام والقذافي وسياساتهم الخارجية.

ففي المشرق الموزاييكي إثنياً وطائفياً، أنشأ البعثان السوري والعراقي حُكمين مطلقَين تداخل فيهما العائلي بالطائفي- الأقلّوي بالمافياوي، واتكآا إلى التنظيم المخابراتي الشديد التماسك والفظيع العنف وإلى السياسة الخارجية المُعلية شعارات وحدة عربية ومقارعة امبريالية وتحرير فلسطين، لخنق كل حراك أو تنوّع أو تمايز داخلي. وفي حين أنفقت بغداد مبالغ ضخمة على سياستها تلك شارية ولاءات وتحالفات قبل اندفاعها إلى سلسلة حروب طاحنة انتهت بعزلها، تلقّت دمشق من جهتها مبالغ طائلة لتمويل سياستها الخارجية المشابهة، المُجتاحة لبنان والمحاولة السيطرة على القضية الفلسطينية واللاعبة دور الوسيط العربي والغربي مع إيران الخمينية ثم الحاشدة عديدها في السعودية ضد العراق.

وبدا لفترة طويلة أن التنافس بين بغداد ودمشق على قيادة البعث وتوظيف الأدوار الخارجية لبناء مرجعية إقليمية وللاستقواء بها كل فترة على الداخل المحطّم حصّنت كلاً من حكميهما، وجعلتهما لاعبين يخوضان الصراعات بعيداً من حدودهما. لكن جموح صدّام الحربي وحساباته الخاطئة في الحرب التدميرية مع إيران ثم في اجتياح الكويت ثم في التعامل مع الحصار الدولي أطاح في النهاية بحكمه وسلّم بلاداً منهكة لغزاة أمريكيين ولهيمنة إيرانية، في وقت أصبحت وحدتها وسيادتها الوطنية من الماضي، إذ نشأ حكم ذاتي كردي في شمالها صار أشبه بالكيان المستقل، وتناسلت الميليشيات المذهبية في وسطها وجنوبها بعد حلّ جسم الدولة البعثية وأجهزتها.

وليس صعود الدولة الإسلامية ثم أفولها سوى واحد من معالم الأمر هذا وانعكاساته المباشرة. وإذا كان في انتفاضة جزء كبير من الشعب العراقي اليوم على مجمل الأحوال المذكورة وما رافقها ويرافقها من فساد ومذهبية ومهانة للمواطنين والمواطنات ما يحمل بعض الأمل في تغيير الأمور ونقلها إلى مستوى صراعي مختلف، فإن المواجهات الإيرانية الأمريكية على أرض العراق، إضافة إلى أحوال المنطقة وأهوالها، تحاصر هذا الأمل وتعرّضه لعنف من المرجّح تصاعده في المقبل من الأيام.

بموازاة الحالة العراقية، تحوّلت سوريا – التي طالما سعى الأسد الأب إلى جعل دورها الإقليمي الوسيط مدعاة تغييب للداخل المُنكّل به عن كل عين خارجية – إلى ساحة صراعات واحتلالات أجنبية. ولم يبق من سيادةٍ لدولة وريثه اليوم سوى في “مؤسستها الاعتقالية”، أي في السجون. ذلك أن روسيا وإيران وتركيا وأمريكا انضمّت إلى إسرائيل في احتلال أجزاء مختلفة من أراضيها. كما أن الدولة الإسلامية تمدّدت وانكفأت فوق ترابها، ومثلها مشروع الاستقلال الكردي. وتعدّدت فوق ذلك الميليشيات الأجنبية العراقية واللبنانية ومجموعات المرتزقة الأفغان والباكستانيين والإيغور والقوقازيين الوافدين إليها كأرض جهادَين شيعي وسنّي متنابذَين. ويصعب في المستقبل القريب توقّع نهاية لحروبها أو لاستعادة وحدة ترابها وعودة ملايين اللاجئين ممّن تشرّدوا ونزحوا عنها. وحتى لو أفلت نظامها من السقوط النهائي مرحلياً، إلا أنه أصبح رهينة روسية وإيرانية وأداة لموسكو وطهران بين أدوات عديدة متصارعة فوق خريطة حكمه المطلق السابقة.

ليبيا وحروب القرن الواحد والعشرين

تبدو ليبيا من جهتها شبيهة لجهة التفكّك السياسي وانتهاك السيادة بالعراق، وشبيهة لجهة تواجد المرتزقة الأجانب واحتلال سمائها وبحرها من قوى أجنبية مختلفة وتمزّق خريطتها بسوريا. فسقوط القذافي، الذي حكمها 42 عاماً وتدخّل تمويلاً وتحريضاً في معظم دول جوارها، لم يتبعه مسار سياسي جدّي يُفضي إلى الشروع في بناء دولة مؤسسات مفقودة. والثورة المضادة التي قادها الجنرال حفتر بدعم إماراتي ومصري وسعودي حازت على تشجيع روسي وفرنسي ويوناني أيضاً، في مقابل دعم تركي وقطري وإيطالي لحكومة الوفاق برئاسة السراج في العاصمة طرابلس المعترف بها أوروبياً وأممياً.

وبعد صعود وجيز لمجموعات جهادية والت القاعدة ثم تنظيم “الدولة الإسلامية” تحوّلت البلاد اليوم إلى أرض نزاع يجلب إليها الأطرافُ الخارجيون مرتزقةً يغذّون طرفَي القتال. فيأتي الإماراتيون بسودانيين وتشاديين لدعم حفتر وتترك موسكو لمرتزقة الشركة الروسية “فاغنر” الانتشار في مناطق الأخير والذود عنها. ويردّ الأتراك بجلب آلاف المرتزقة السوريين وينشرونهم على جبهات القتال دعماً لحكومة السراج. كل ذلك تحت سماء تتواجه فيها دورياً عشرات طائرات الدرون التركية والإماراتية، وتتخلّل مواجهاتها غارات جوية إماراتية تستخدم غالباً قواعد مصرية لقصف من تعاديهم أبو ظبي في الغرب الليبي.

هكذا يتشابه المآل التدميري الراهن لثلاثة بلدان حطّمت أنظمتها مجتمعاتها وتدخّلت في شؤون جوارها وحاولت لعب أدوار عظمى في محيطها (وأنفقت في الحالتين العراقية والليبية مليارات الدولارات في حين سلبت في الحالة السورية المليارات)، لتصبح أرضها ومصائرها بعد سقوطها أو ترنّحها عرضة لأصناف التلاعب والمطامع الخارجية وطموحات السيطرة المختلفة.

(القدس العربي)

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق