الثورة السورية وفُتات أستانا

جسر: رأي:

في روايته “إني راحلة” يُقرّ الراحل يوسف السباعي، على لسان القبطان الذي غرقت سفينته، بخطئه أمام هيئة المحكمة، قائلاً: “صحيح ما تقولونه أيها السادة، لكنكم لم تتوصلوا إلى هذه النتيجة إلا بعد شهور من المداولة في جو هادئ ولم يكن أمامي إلا بضع دقائق في جو عاصف”.

من اجتماعات أستانا/انترنت

هذا الجو العاصف أغشى عيون كثير من السوريين حين تم ضمّ ممثلين عن المعارضة المسلحة إلى الجولة السادسة من منصة أستانا، وقد كنت من أولئك السوريين؛ أملا بصعود شخصيات ممتلكة للقوة بحكم تمثيلها للفصائل وبحكم القوة الشعبية النابعة من الحاضنة الاجتماعية لفصائلها، ولتّقويم مسار المعارضة السياسية، التي انتهجت مسار تمثيل الدول ومصالحها لتكريس وجودها بدل تمثيل الثورة وأبنائها.

انطلقت الجولة الأولى لمؤتمر أستانا، في ٢٣-٢٤ كانون الثاني/يناير ٢٠١٧، بحضور ٣٠ شخصية تمثّل أطيافا من المعارضة، وتمت تسميته حينها بمؤتمر “الحوار السوري-السوري”، والتقى النظام والائتلاف على رفض هذا المؤتمر، نتيجة المبادرة السياسية لوقف الصراع وإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين لدى كُل من النظام والمعارضة المنصوص عليها في البيان الختامي للجولة الثانية (أستانا٢)، المُنعقدة في شباط/فبراير ٢٠١٧، وتم تشكيل لجنة ثلاثية روسية-تركية-إيرانية، لمراقبة وقف إطلاق النار وتثبيت خطوط الهدنة المتفق عليها بين قوات النظام وقوات المعارضة، برعاية روسية-تركية نهاية عام ٢٠١٦، وتم الاتفاق على أربع مناطق لخفض التصعيد في جولة أستانا٣ المنعقدة في أذار ٢٠١٧، هذه المناطق تضم الغوطة الشرقية وإدلب، وأجزاء من محافظتي اللاذقية وحلب، وريف حمص الشمالي، والمنطقة الجنوبية (درعا والقنيطرة)، ولمدة تجريبية تمتد لستة أشهر قابلة للتجديد.

هذه التوافقات وما تلاها من ترسيم حدود مناطق خفض التصعيد وطرق الإشراف عليها دعا لاستحضار ممثلين عن المعارضة المسلحة إلى الجولة السادسة من أستانا المنعقدة في ٤-٥ تموز/يوليو ٢٠١٧.

في بازارات أستانا تم ترويض الأطراف المتصارعة، كما يُمسك رجل السيرك بخيوط الدمى المتحركة، أمسكت أنقرة بقرار المعركة والانسحاب لدى فصائل المعارضة، والحاوي الروسي يطلق أفاعيه أحيانا ويُمسكها أحيانا أخرى، تلاشت القوة الناعمة الإيرانية نتيجة الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي المبرم معها، وإعادة العقوبات المفروضة عليها ومضاعفتها، يضاف إلى ذلك تفاهمات أمريكية-روسية -إسرائيلية سرية تطفو على سطح الواقع مع كل استهداف لمليشياتها على الأرض السورية.

تبادل المصالح وتمرير الصفقات هو الأهم للضامنين الثلاثة، ولا عبرة لخُروقات الأطراف والتزامات الضامنين، وباعتبار الحروب إنما شُرعت لتحقيق أهداف سياسية، ومن النجاح الذي حققه الضامنون في الجانب العسكري تم القفز إلى الجانب السياسي، بالدعوة إلى مؤتمر سوتشي المنعقد في ٣٠ كانون الثاني/ يناير ٢٠١٨، قامت موسكو من خلاله باختزال الحل السياسي إلى الإصلاح الدستوري ولجنته، ومسيرتها الماراثونية معرفة للجميع.

أكلت سنوات أستانا الثلاث، ثلاثا من مناطق خفض التصعيد، وكما ذُكر آنفا، تمرير الصفقات أولى من تقييد الخُروقات، لكن الهجمة الحالية لقوات النظام، لإبتلاع آخر منطقة من مناطق خفض التصعيد في إدلب، فجّرت الخلاف بين موسكو وأنقرة، وكل طرف يتهم الآخر بعدم تنفيذ تعهداته، فمع سيطرة قوات النظام على مدينة سراقب الإستراتيجية على ملتقى طريقي M4-M5 ومتابعة سيطرتها على قرى وبلدات في ريفي ادلب وحلب لتأمين هذين الطريقين المنصوص على إدارتهما في سياقات أستانا، ومع بقاء نقاط المراقبة التركية خلف خطوط قوات النظام نتيجة تقدمها، إضافة لمقتل عدد من الجنود الأتراك بنيرانها، أجّج الخلاف واستدعى ردا تركيا على مواقع لقوات النظام، مع رفع سخونة الخلاف بتصريحات نارية وعبور الآف من القوات التركية للحدود السورية، وإنذارها بالرجوع لحدود ما قبل العملية الأخيرة. المدة الممنوحة بالإنذار تبدو موجهة لدول الناتو لحسم موقفها تجاه أنقرة، أكثر مما هي موجه لدمشق، فقد قامت الأخيرة بتحقيق أهدافها شبه الكاملة قبل أن تنتهي مهلة الإنذار، ويبدو أن أنقرة ستترك وحيدة من قبل شركائها في الناتو، فعلى الرغم من نجاح تركيا بحصر المواجهة مع قوات النظام إلا أن الواقع السياسي يُثبت استحالة تحييد الموقف الروسي عن الصدام، فهيئة أركان جيش النظام موجودة في قاعدة حميميم وليست في دمشق، مما يُنذر بانزلاق الصراع إلى حرب شاملة وضعتها حيازة الأسلحة الذرية لدى دول عدة في قمقم يعجز أمهر المشعوذين عن فك طلاسمه لإطلاق ما فيه، ففي لحظة عصيبة ونتيجة لحجم تدخل الجيش الصيني في الحرب الكورية، أقترح القائد اﻷمريكي الشهير، الجنرال دوغلاس ماك أرثر، استعمال القنبلة الذرية مما دعا الرئيس الأمريكي هاري ترومان، إلى عزله، قائلا لمن حوله: “إنه ليس أحمقا فقط، ولكنه مجنون أيضا”، لذا ليس هناك أي دعم حقيقي من قبل شركاء الناتو لأنقرة، فاغتيال السفير الروسي في تركيا وإسقاطها للطائرة عام ٢٠١٥ أمور تستدعي الموقف السلبي تجاهها كحصيلة لعدم إمكانية ضبط تصرفاتها خلال صدام قد ُيشعل حرب شاملة، إضافة لما مارسته أنقرة من خروج عن التوجهات الغربية في الملف السوري، ومناكفة هذه التوجهات أحيانا وإفشالها في أحيان أخرى، مع ما يُثيره الطموح التركي الساعي لدور مافوق أقليمي من هواجس أوربية، وهذا واضح من مواقف الطرفين بقضايا الصراع الليبي والتنقيب عن الطاقة في الشواطئ المتوسطية، وبموجب القواعد المكيافيلية للسياسة، فإن مساهمة أي دولة بتقوية دولة أخرى تعمل في ذات الوقت على إضعاف نفسها، هذا من جانب، أما على الجانب الأخر، العلاقات الروسية التركية، تشهد شراكة قوية، فالاتفاقات والشراكات في مجال الغاز وخطوط إمداده، إلى السياحة ومردودها، والتبادل التجاري المتراوح بين ٣٠-٥٠ مليار دولار سنويا، إلى صفقة S-400 وما يتبعها من دورات تدريبية وبداية تعامل في مجال الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، كل هذه العوامل تقف في وجه أي صدام تُقرع طبوله لتكريس مكاسب سياسية على طاولة المفاوضات بعد الشروع بالحل السياسي في سوريا.

إنتهت العملية العسكرية أو أوشكت على نهايتها قبل نهاية المهلة الممنوحة بموجب الإنذار التركي، ولا تراجع إلى ما قبل نقاط المراقبة التركية، فاستراتيجيّة الدول قائمة على حق القوة بدل قوة الحق، كذلك لن تسعى قوات النظام للتقدم والوصول إلى الحدود مع تركيا، والوقوف وجها لوجه معها، فهذا الأمر لم تنضج مقوماته بعد، ناهيك عما يسببه من حرج لأنقرة، وما يُسببه من رفع المعاناة الإنسانية وضحاياها إلى مستوى تقرع جرس الأنذار الغربي، وقد يستفيد الجميع من بقاء هذا الشريط خارج سيطرة النظام، بما فيه النظام نفسه، ببقاء مدن الصفيح والصقيع كفزاعة لمعارضيه في مناطق سيطرته، حين استحقاقات الحل داخليا، المؤجلة مرحليا بذريعة الحرب والمؤامرة، كذلك للجانب التركي، بما تمثله من حاجز بينها وبين النظام حاليا، وبما تمثله من بذرة واقعية بتوافقات ثنائية لفكرة منطقة آمنة.

ما ذُكر آنفا عن العلاقات الروسية-التركية وخاصة في جانبها العسكري، سيمنع موسكو من ممارسة الضغط على أنقرة، بل على العكس ستعطي أنقرة ما يحفظ لها ماء الوجه داخليا مع نقاط نفوذ في سوريا لا تؤثر على النفوذ الروسي في هذا البلد الواقع على الخريطة الروسية لمناطق النفوذ العالمي، ولا خيارات أمام أنقرة سوى ما تمنحه موسكو ولكن ما هي خياراتنا نحن بقايا الثورة والمعارضة؟

إن الانسحاب من توافقات أستانا بشقها العسكري في حال عدم عودة قوات النظام لحدود ما قبل العملية الأخيرة وهي لن تعود، هو أول ما يجب على موقعيها أن يعلنوه، وبمعزل عنه، الانسحاب من لجنة الإصلاح الدستوري ومُخرجات مؤتمر سوتشي، قبل بدء الروس للهجمة السياسية بعد النجاح العسكري الذي حققوه، فموسكو هدفت من وراء هذا المؤتمر نسف جنيف ومقراراته، و إعادة الملف السوري إلى أدراجها بعيدا عن الأدراج الأممية، ودفن القرار ٢٢٥٤ والبقية الباقية من القرارات والبيانات الدولية المُكرّسة لحقوق المعارضة السورية، ولعل من المفيد النظر إلى مسيرة النضال الفلسطيني، ومقاومته كل محاولات انتزاع القرارات الأممية من يديه من خلال اتفاقيات جانبية يسهل تمييعها.

أما عن الثورة وأبنائها، فالعودة إلى الشارع ومواصلة النضال السلمي، أحد أهم خياراتها مستفيدة من أخطاء الماضي القريب وُمعطيات القادم الأقرب، ومنها قانون قيصر الذي يقضي في إحدى فقراته على إمكانية رفع العقوبات عن النظام في حال توقفه عن قصف المدنيين وقتلهم، فالثورة لم تولد من البارود ولن تتوقف بتوقفه رغم دُخانه الذي أعاق مسيرتها، وعقارب الزمن يجب ألا تعود إلى الوراء.

قد يعجبك ايضا